رضا الشكندالي: مشروع المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030 يحتاج إلى مراجعة... فرضياته لم تعد تواكب الواقع الاقتصادي
اعتبر أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي أن مشروع المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، في صيغته الحالية، يحتاج إلى مراجعة شاملة، لأنه بُني على فرضيات ومعطيات اقتصادية لم تعد تعكس الواقع، بعد المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدها العالم منذ أواخر سنة 2025.
وأوضح الشكندالي، خلال تدخله في برنامج "Le Mag Express"، أن الوثيقة المعروضة تستند أساساً إلى تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025، في حين أن الصندوق نفسه قام لاحقاً، في تقرير أفريل 2026، بتحيين توقعاته الخاصة بالنمو العالمي وبالاقتصاد التونسي، نتيجة التطورات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط وما خلفته من انعكاسات على الاقتصاد الدولي.
وأشار إلى أن هذا التطور كان يفرض، من وجهة نظره، إعادة النظر في مختلف الفرضيات التي بُني عليها المخطط قبل عرضه على مجلس الوزراء ثم إحالته إلى مجلسي البرلمان، لأن المعطيات التي استند إليها أصبحت متجاوزة.
وأكد أن نسبة النمو المستهدفة لسنة 2026 والمحددة بـ3.3 بالمائة، إضافة إلى بقية المؤشرات القطاعية الواردة في المشروع، أصبحت بعيدة عن الواقع الحالي، وهو ما ينعكس، وفق تقديره، على مجمل الأهداف الاقتصادية التي يتضمنها المخطط.
وأضاف أن المخطط الخماسي لا يمكن أن يكون وثيقة جامدة، بل يجب أن يكون قابلاً للتحيين كلما طرأت مستجدات كبرى تؤثر في الاقتصاد الوطني أو الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفرضيات النمو وأسعار الطاقة والتجارة العالمية والاستثمار.
تونس دخلت السنة الأولى من المخطط دون رؤية تنموية واضحة
وانتقد الشكندالي توقيت مناقشة المشروع، معتبراً أن تونس دخلت فعلياً سنة 2026، وهي السنة الأولى من المخطط، دون أن تكون لها رؤية تنموية مصادق عليها.
وأوضح أن البلاد شرعت منذ بداية السنة في تنفيذ قانون المالية وميزانية الدولة والميزان الاقتصادي، في حين لم تتم بعد المصادقة على المخطط الخماسي الذي يفترض أن يمثل الوثيقة المرجعية التي تنبثق عنها بقية السياسات الاقتصادية والمالية.
ويرى أن هذا الوضع يطرح إشكالاً في ترتيب الوثائق الاقتصادية، لأن المنهج السليم يقتضي أن تتم أولاً المصادقة على المخطط باعتباره الإطار الاستراتيجي العام، ثم تُبنى على أساسه الميزانية وقانون المالية والسياسات القطاعية المختلفة.
وأشار إلى أن مناقشة المخطط بعد دخول السنة الأولى من فترة تنفيذه تفقده جانباً مهماً من نجاعته، باعتباره وثيقة يفترض أن تسبق التنفيذ لا أن تأتي بعد انطلاقه.
غياب واضح لآليات التمويل
وفي تقييمه لمحتوى المشروع، اعتبر الشكندالي أن أحد أبرز نقاط الضعف يتمثل في غياب رؤية واضحة لتمويل المخطط خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030.
وأوضح أن الوثيقة تتضمن أهدافاً طموحة في مجالات الاستثمار والنمو والتشغيل، لكنها لا تحدد بصورة دقيقة مصادر التمويل التي ستعتمدها الدولة لتحقيق تلك الأهداف، سواء تعلق الأمر بالموارد الذاتية أو بالاقتراض الداخلي أو الخارجي أو بالشراكة مع القطاع الخاص.
وأكد أن أي مخطط تنموي لا يمكن أن يكتسب المصداقية إذا لم يكن مرفوقاً بخطة تمويل واضحة وقابلة للتنفيذ، خاصة وأن مثل هذه الوثائق تُعرض عادة على المؤسسات المالية الدولية والممولين والشركاء الاقتصاديين الذين يبحثون أولاً عن مدى واقعية الفرضيات المالية وقدرة الدولة على تعبئة الموارد الضرورية لإنجاز المشاريع المبرمجة.
وأضاف أن غياب هذه الرؤية التمويلية يجعل من الصعب تقييم مدى قابلية تنفيذ البرامج الواردة في المشروع، حتى وإن كانت أهدافها تبدو إيجابية من الناحية النظرية.
خلل في المنهجية الاقتصادية
وسجل الشكندالي أيضاً وجود ما اعتبره خللاً في المنهجية المعتمدة داخل مشروع المخطط، موضحاً أن الوثيقة لا تميز بشكل واضح بين الأسباب والنتائج في تشخيص الوضع الاقتصادي.
وأشار إلى أن البطالة والفقر والتفاوت الجهوي وضعف الاستثمار وردت جميعها في مستوى واحد، في حين أن منهجية اقتصاد التنمية تقتضي التمييز بين الاختلالات الهيكلية التي تمثل أسباباً، وبين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي تمثل نتائج لتلك الاختلالات.
ويرى أن بناء سياسات عمومية ناجعة يقتضي أولاً تحديد الأسباب الحقيقية للمشكلات الاقتصادية، ثم وضع برامج لمعالجتها، بما يسمح لاحقاً بتحسين مؤشرات التشغيل والاستثمار والحد من الفقر والفوارق الجهوية.
وأكد أن نجاح أي مخطط تنموي يرتبط أساساً بجودة التشخيص، لأن تشخيصاً غير دقيق يقود بالضرورة إلى حلول لا تعالج جذور المشكلات الاقتصادية.
الاستثمار والقطاع الخاص... هل تكفي الأهداف المعلنة؟
توقف أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي عند الأهداف المتعلقة بالاستثمار، معتبراً أن الوثيقة تتضمن مؤشرات طموحة دون أن تبيّن الآليات العملية الكفيلة بتحقيقها.
وأوضح أن المخطط يراهن على رفع نسبة الاستثمار بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة، غير أن ذلك يظل رهين توفير مناخ أعمال ملائم، وإصلاحات هيكلية عميقة، واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
وأكد أن الاستثمار لا يتحقق بمجرد تحديد نسب مستهدفة، وإنما يتطلب معالجة جملة من الإشكاليات التي تعاني منها تونس، على غرار تعقد الإجراءات الإدارية، وطول آجال إنجاز المشاريع، وضعف نجاعة الإدارة، إضافة إلى الإشكاليات المرتبطة بالتمويل والجباية.
وأضاف أن المستثمر يبحث أساساً عن وضوح الرؤية واستقرار التشريعات والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، وهي عناصر ما تزال، وفق تقديره، تحتاج إلى مزيد من التعزيز.
إصلاح المؤسسات العمومية شرط أساسي
وأشار الشكندالي إلى أن المخطط لم يمنح ملف المؤسسات العمومية العمق الذي يستحقه، رغم أن هذه المؤسسات تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العمومية.
وأوضح أن عدداً كبيراً من المؤسسات العمومية يواجه صعوبات مالية وهيكلية منذ سنوات، وهو ما يفرض وضع برنامج إصلاح واضح يحدد كيفية إعادة هيكلتها وتحسين حوكمتها وضمان استدامتها المالية.
واعتبر أن معالجة هذا الملف تعد من الأولويات، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على ميزانية الدولة، وعلى الاستثمار العمومي، وعلى قدرة الاقتصاد الوطني على استعادة نسق النمو.
المالية العمومية... غياب رؤية للفترة 2026-2030
وأكد أن الوثيقة لا تقدم تصوراً متكاملاً حول تطور المالية العمومية خلال الفترة الممتدة من سنة 2026 إلى سنة 2030.
وأوضح أن المخطط لا يحدد بشكل دقيق كيفية التحكم في عجز الميزانية، ولا كيفية تطور المديونية العمومية، ولا حجم الموارد الذاتية التي ستعتمد عليها الدولة، كما لا يوضح حجم اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.
ويرى أن هذه المعطيات تمثل ركائز أساسية لأي مخطط تنموي، لأنها تسمح بتقييم مدى قدرة الدولة على تنفيذ البرامج المعلنة دون الإخلال بالتوازنات المالية.
البطالة والفقر... نتائج وليست أسباباً
وفي إطار تقييمه للمنهجية المعتمدة، شدد الشكندالي على ضرورة التمييز بين أسباب الاختلالات الاقتصادية ونتائجها.
وأوضح أن البطالة والفقر والتفاوت الجهوي ليست في حد ذاتها أسباباً للأزمة الاقتصادية، وإنما هي نتائج لمجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تشمل ضعف الاستثمار والإنتاجية وتراجع النمو واختلال مناخ الأعمال.
وأضاف أن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لن تمكن من تحقيق تنمية مستدامة، لأن المشكلات ستتكرر مهما تعددت البرامج الاجتماعية.
الاقتصاد غير المنظم والادخار
كما لفت إلى أن الاقتصاد غير المنظم يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي، بالنظر إلى تأثيره على الجباية والمنافسة والاستثمار.
وأكد أن إدماج هذا القطاع داخل الدورة الاقتصادية المنظمة يجب أن يكون من بين الأولويات، إلى جانب العمل على رفع نسبة الادخار الوطني، باعتبار أن الادخار يمثل المصدر الطبيعي لتمويل الاستثمار.
وأشار إلى أن ضعف الادخار يؤدي إلى ارتفاع الحاجة إلى التمويلات الخارجية، وهو ما يزيد من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الدولية.
دور الدولة والقطاع الخاص
وأكد الشكندالي أن تحقيق التنمية يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الدولة والقطاع الخاص.
وأوضح أن دور الدولة يتمثل أساساً في توفير البنية التحتية والإطار التشريعي والاستقرار الاقتصادي، في حين يبقى القطاع الخاص المحرك الرئيسي للاستثمار وخلق الثروة ومواطن الشغل.
واعتبر أن نجاح المخطط يبقى مرتبطاً بقدرته على خلق مناخ يسمح للقطاع الخاص بالقيام بهذا الدور، إلى جانب إصلاح الإدارة وتحسين الحوكمة وتبسيط الإجراءات، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويشجع الاستثمار والإنتاج.
تقديرات النمو والمؤشرات الاقتصادية... أهداف طموحة تحتاج إلى مراجعة
واصل أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي تقييمه لمشروع المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، معتبراً أن عدداً من المؤشرات الاقتصادية الواردة فيه لا ينسجم مع الواقع الاقتصادي الحالي ولا مع التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضح أن نسبة النمو المستهدفة لسنة 2026 والمقدرة بـ3.3 بالمائة أصبحت، في تقديره، صعبة التحقيق، خاصة بعد مراجعة صندوق النقد الدولي لتوقعاته الخاصة بالاقتصاد العالمي والاقتصاد التونسي.
وأشار إلى أن تحقيق هذه النسبة يفترض تحسناً متزامناً في مختلف القطاعات الاقتصادية، على غرار الصناعة والفلاحة والخدمات والاستثمار والصادرات، في حين أن المؤشرات الحالية لا توحي بإمكانية بلوغ هذه الأهداف خلال الآجال المعلنة.
وأكد أن أي نسبة نمو يجب أن تستند إلى فرضيات واقعية ومدعومة بمؤشرات قابلة للقياس، لا إلى تقديرات أصبحت متجاوزة بفعل المتغيرات الاقتصادية الدولية.
الاستثمار لا يرتفع بالقرارات فقط
واعتبر الشكندالي أن رفع نسبة الاستثمار لا يتحقق بمجرد إدراج أرقام جديدة داخل المخطط، وإنما يحتاج إلى إصلاحات فعلية تزيل العراقيل التي تعيق المبادرة الخاصة.
وأوضح أن المستثمر، سواء كان تونسياً أو أجنبياً، يبحث عن مناخ اقتصادي مستقر، وإدارة ناجعة، وقوانين واضحة، وعدالة جبائية، وسرعة في إنجاز الإجراءات، وهي عوامل لا تزال تمثل تحديات حقيقية أمام الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن نجاح المخطط يبقى رهين تحويل الأهداف الرقمية إلى برامج إصلاح ملموسة، لأن الاستثمار هو الذي يقود النمو، ويخلق الثروة، ويوفر مواطن الشغل.
الفوسفاط والطاقة... ضرورة الواقعية
كما توقف عند الأهداف المتعلقة بإنتاج الفوسفاط وقطاع الطاقة، معتبراً أن تطوير هذين القطاعين يمثل بالفعل أحد مفاتيح إنعاش الاقتصاد الوطني، غير أن تحقيق الأرقام المعلنة يتطلب معالجة الإشكاليات الهيكلية التي تعاني منها هذه القطاعات منذ سنوات.
وأوضح أن تحسين الإنتاج لا يرتبط فقط بالإمكانات التقنية، وإنما كذلك بالاستقرار الاجتماعي، وتحسين الحوكمة، وتسريع الاستثمار، وحل الإشكاليات اللوجستية والإدارية.
وأضاف أن الحديث عن ارتفاع الإنتاج يجب أن يكون مدعوماً بخطط تنفيذ واضحة وجداول زمنية دقيقة، حتى تكتسب الأهداف المعلنة مصداقيتها.
التضخم والدخل الفردي
وفي ما يتعلق بالتضخم، شدد الشكندالي على أن التحكم فيه يبقى رهين عدة عوامل داخلية وخارجية، من بينها تطور أسعار الطاقة والمواد الأولية وأسعار الصرف، وهو ما يجعل أي توقعات طويلة المدى قابلة للمراجعة باستمرار.
كما اعتبر أن تحسين الدخل الفردي لا يتحقق بمجرد ارتفاع الأجور أو الإعلان عن نسب نمو أعلى، بل يرتبط أساساً بارتفاع الإنتاجية، وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي، وتحسين القدرة الشرائية، والسيطرة على التضخم.
التخطيط يحتاج إلى تحيين مستمر
وأكد أن فلسفة التخطيط الاقتصادي تقوم على المرونة، مشيراً إلى أن جميع دول العالم تقوم بمراجعة مخططاتها كلما طرأت متغيرات اقتصادية أو جيوسياسية كبرى.
وأضاف أن التحيين لا يمثل تراجعاً عن الأهداف، بل يعكس قدرة الدولة على التكيف مع المستجدات، ويمنح الوثائق الاقتصادية مصداقية أكبر أمام المستثمرين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين.
واختتم رضا الشكندالي مداخلته بالتأكيد على أن تونس في حاجة إلى مخطط تنموي يقوم على تشخيص دقيق للاختلالات الاقتصادية، وفرضيات محدثة، وآليات تمويل واضحة، وبرنامج إصلاحات هيكلية قابل للتنفيذ، معتبراً أن التخطيط الاقتصادي لا يقاس بجودة الصياغة أو بطموح الأرقام، وإنما بمدى واقعية الفرضيات وقدرة الدولة على تحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وشدد على أن نجاح المخطط الخماسي 2026-2030 يبقى رهين مراجعة فرضياته الأساسية، وتحيين مؤشراته بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، حتى يتحول من وثيقة نظرية إلى خارطة طريق فعلية لتحقيق النمو والاستثمار والتنمية المستدامة.
وأوضح الشكندالي، خلال تدخله في برنامج "Le Mag Express"، أن الوثيقة المعروضة تستند أساساً إلى تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025، في حين أن الصندوق نفسه قام لاحقاً، في تقرير أفريل 2026، بتحيين توقعاته الخاصة بالنمو العالمي وبالاقتصاد التونسي، نتيجة التطورات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط وما خلفته من انعكاسات على الاقتصاد الدولي.
وأشار إلى أن هذا التطور كان يفرض، من وجهة نظره، إعادة النظر في مختلف الفرضيات التي بُني عليها المخطط قبل عرضه على مجلس الوزراء ثم إحالته إلى مجلسي البرلمان، لأن المعطيات التي استند إليها أصبحت متجاوزة.
وأكد أن نسبة النمو المستهدفة لسنة 2026 والمحددة بـ3.3 بالمائة، إضافة إلى بقية المؤشرات القطاعية الواردة في المشروع، أصبحت بعيدة عن الواقع الحالي، وهو ما ينعكس، وفق تقديره، على مجمل الأهداف الاقتصادية التي يتضمنها المخطط.
وأضاف أن المخطط الخماسي لا يمكن أن يكون وثيقة جامدة، بل يجب أن يكون قابلاً للتحيين كلما طرأت مستجدات كبرى تؤثر في الاقتصاد الوطني أو الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفرضيات النمو وأسعار الطاقة والتجارة العالمية والاستثمار.
تونس دخلت السنة الأولى من المخطط دون رؤية تنموية واضحة
وانتقد الشكندالي توقيت مناقشة المشروع، معتبراً أن تونس دخلت فعلياً سنة 2026، وهي السنة الأولى من المخطط، دون أن تكون لها رؤية تنموية مصادق عليها.وأوضح أن البلاد شرعت منذ بداية السنة في تنفيذ قانون المالية وميزانية الدولة والميزان الاقتصادي، في حين لم تتم بعد المصادقة على المخطط الخماسي الذي يفترض أن يمثل الوثيقة المرجعية التي تنبثق عنها بقية السياسات الاقتصادية والمالية.
ويرى أن هذا الوضع يطرح إشكالاً في ترتيب الوثائق الاقتصادية، لأن المنهج السليم يقتضي أن تتم أولاً المصادقة على المخطط باعتباره الإطار الاستراتيجي العام، ثم تُبنى على أساسه الميزانية وقانون المالية والسياسات القطاعية المختلفة.
وأشار إلى أن مناقشة المخطط بعد دخول السنة الأولى من فترة تنفيذه تفقده جانباً مهماً من نجاعته، باعتباره وثيقة يفترض أن تسبق التنفيذ لا أن تأتي بعد انطلاقه.
غياب واضح لآليات التمويل
وفي تقييمه لمحتوى المشروع، اعتبر الشكندالي أن أحد أبرز نقاط الضعف يتمثل في غياب رؤية واضحة لتمويل المخطط خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030.وأوضح أن الوثيقة تتضمن أهدافاً طموحة في مجالات الاستثمار والنمو والتشغيل، لكنها لا تحدد بصورة دقيقة مصادر التمويل التي ستعتمدها الدولة لتحقيق تلك الأهداف، سواء تعلق الأمر بالموارد الذاتية أو بالاقتراض الداخلي أو الخارجي أو بالشراكة مع القطاع الخاص.
وأكد أن أي مخطط تنموي لا يمكن أن يكتسب المصداقية إذا لم يكن مرفوقاً بخطة تمويل واضحة وقابلة للتنفيذ، خاصة وأن مثل هذه الوثائق تُعرض عادة على المؤسسات المالية الدولية والممولين والشركاء الاقتصاديين الذين يبحثون أولاً عن مدى واقعية الفرضيات المالية وقدرة الدولة على تعبئة الموارد الضرورية لإنجاز المشاريع المبرمجة.
وأضاف أن غياب هذه الرؤية التمويلية يجعل من الصعب تقييم مدى قابلية تنفيذ البرامج الواردة في المشروع، حتى وإن كانت أهدافها تبدو إيجابية من الناحية النظرية.
خلل في المنهجية الاقتصادية
وسجل الشكندالي أيضاً وجود ما اعتبره خللاً في المنهجية المعتمدة داخل مشروع المخطط، موضحاً أن الوثيقة لا تميز بشكل واضح بين الأسباب والنتائج في تشخيص الوضع الاقتصادي.وأشار إلى أن البطالة والفقر والتفاوت الجهوي وضعف الاستثمار وردت جميعها في مستوى واحد، في حين أن منهجية اقتصاد التنمية تقتضي التمييز بين الاختلالات الهيكلية التي تمثل أسباباً، وبين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي تمثل نتائج لتلك الاختلالات.
ويرى أن بناء سياسات عمومية ناجعة يقتضي أولاً تحديد الأسباب الحقيقية للمشكلات الاقتصادية، ثم وضع برامج لمعالجتها، بما يسمح لاحقاً بتحسين مؤشرات التشغيل والاستثمار والحد من الفقر والفوارق الجهوية.
وأكد أن نجاح أي مخطط تنموي يرتبط أساساً بجودة التشخيص، لأن تشخيصاً غير دقيق يقود بالضرورة إلى حلول لا تعالج جذور المشكلات الاقتصادية.
الاستثمار والقطاع الخاص... هل تكفي الأهداف المعلنة؟
توقف أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي عند الأهداف المتعلقة بالاستثمار، معتبراً أن الوثيقة تتضمن مؤشرات طموحة دون أن تبيّن الآليات العملية الكفيلة بتحقيقها.وأوضح أن المخطط يراهن على رفع نسبة الاستثمار بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة، غير أن ذلك يظل رهين توفير مناخ أعمال ملائم، وإصلاحات هيكلية عميقة، واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
وأكد أن الاستثمار لا يتحقق بمجرد تحديد نسب مستهدفة، وإنما يتطلب معالجة جملة من الإشكاليات التي تعاني منها تونس، على غرار تعقد الإجراءات الإدارية، وطول آجال إنجاز المشاريع، وضعف نجاعة الإدارة، إضافة إلى الإشكاليات المرتبطة بالتمويل والجباية.
وأضاف أن المستثمر يبحث أساساً عن وضوح الرؤية واستقرار التشريعات والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، وهي عناصر ما تزال، وفق تقديره، تحتاج إلى مزيد من التعزيز.
إصلاح المؤسسات العمومية شرط أساسي
وأشار الشكندالي إلى أن المخطط لم يمنح ملف المؤسسات العمومية العمق الذي يستحقه، رغم أن هذه المؤسسات تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العمومية.وأوضح أن عدداً كبيراً من المؤسسات العمومية يواجه صعوبات مالية وهيكلية منذ سنوات، وهو ما يفرض وضع برنامج إصلاح واضح يحدد كيفية إعادة هيكلتها وتحسين حوكمتها وضمان استدامتها المالية.
واعتبر أن معالجة هذا الملف تعد من الأولويات، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على ميزانية الدولة، وعلى الاستثمار العمومي، وعلى قدرة الاقتصاد الوطني على استعادة نسق النمو.
المالية العمومية... غياب رؤية للفترة 2026-2030
وأكد أن الوثيقة لا تقدم تصوراً متكاملاً حول تطور المالية العمومية خلال الفترة الممتدة من سنة 2026 إلى سنة 2030.وأوضح أن المخطط لا يحدد بشكل دقيق كيفية التحكم في عجز الميزانية، ولا كيفية تطور المديونية العمومية، ولا حجم الموارد الذاتية التي ستعتمد عليها الدولة، كما لا يوضح حجم اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.
ويرى أن هذه المعطيات تمثل ركائز أساسية لأي مخطط تنموي، لأنها تسمح بتقييم مدى قدرة الدولة على تنفيذ البرامج المعلنة دون الإخلال بالتوازنات المالية.
البطالة والفقر... نتائج وليست أسباباً
وفي إطار تقييمه للمنهجية المعتمدة، شدد الشكندالي على ضرورة التمييز بين أسباب الاختلالات الاقتصادية ونتائجها.وأوضح أن البطالة والفقر والتفاوت الجهوي ليست في حد ذاتها أسباباً للأزمة الاقتصادية، وإنما هي نتائج لمجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تشمل ضعف الاستثمار والإنتاجية وتراجع النمو واختلال مناخ الأعمال.
وأضاف أن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لن تمكن من تحقيق تنمية مستدامة، لأن المشكلات ستتكرر مهما تعددت البرامج الاجتماعية.
الاقتصاد غير المنظم والادخار
كما لفت إلى أن الاقتصاد غير المنظم يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي، بالنظر إلى تأثيره على الجباية والمنافسة والاستثمار.وأكد أن إدماج هذا القطاع داخل الدورة الاقتصادية المنظمة يجب أن يكون من بين الأولويات، إلى جانب العمل على رفع نسبة الادخار الوطني، باعتبار أن الادخار يمثل المصدر الطبيعي لتمويل الاستثمار.
وأشار إلى أن ضعف الادخار يؤدي إلى ارتفاع الحاجة إلى التمويلات الخارجية، وهو ما يزيد من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الدولية.
دور الدولة والقطاع الخاص
وأكد الشكندالي أن تحقيق التنمية يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الدولة والقطاع الخاص.وأوضح أن دور الدولة يتمثل أساساً في توفير البنية التحتية والإطار التشريعي والاستقرار الاقتصادي، في حين يبقى القطاع الخاص المحرك الرئيسي للاستثمار وخلق الثروة ومواطن الشغل.
واعتبر أن نجاح المخطط يبقى مرتبطاً بقدرته على خلق مناخ يسمح للقطاع الخاص بالقيام بهذا الدور، إلى جانب إصلاح الإدارة وتحسين الحوكمة وتبسيط الإجراءات، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويشجع الاستثمار والإنتاج.
تقديرات النمو والمؤشرات الاقتصادية... أهداف طموحة تحتاج إلى مراجعة
واصل أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي تقييمه لمشروع المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، معتبراً أن عدداً من المؤشرات الاقتصادية الواردة فيه لا ينسجم مع الواقع الاقتصادي الحالي ولا مع التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الأخيرة.وأوضح أن نسبة النمو المستهدفة لسنة 2026 والمقدرة بـ3.3 بالمائة أصبحت، في تقديره، صعبة التحقيق، خاصة بعد مراجعة صندوق النقد الدولي لتوقعاته الخاصة بالاقتصاد العالمي والاقتصاد التونسي.
وأشار إلى أن تحقيق هذه النسبة يفترض تحسناً متزامناً في مختلف القطاعات الاقتصادية، على غرار الصناعة والفلاحة والخدمات والاستثمار والصادرات، في حين أن المؤشرات الحالية لا توحي بإمكانية بلوغ هذه الأهداف خلال الآجال المعلنة.
وأكد أن أي نسبة نمو يجب أن تستند إلى فرضيات واقعية ومدعومة بمؤشرات قابلة للقياس، لا إلى تقديرات أصبحت متجاوزة بفعل المتغيرات الاقتصادية الدولية.
الاستثمار لا يرتفع بالقرارات فقط
واعتبر الشكندالي أن رفع نسبة الاستثمار لا يتحقق بمجرد إدراج أرقام جديدة داخل المخطط، وإنما يحتاج إلى إصلاحات فعلية تزيل العراقيل التي تعيق المبادرة الخاصة.وأوضح أن المستثمر، سواء كان تونسياً أو أجنبياً، يبحث عن مناخ اقتصادي مستقر، وإدارة ناجعة، وقوانين واضحة، وعدالة جبائية، وسرعة في إنجاز الإجراءات، وهي عوامل لا تزال تمثل تحديات حقيقية أمام الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن نجاح المخطط يبقى رهين تحويل الأهداف الرقمية إلى برامج إصلاح ملموسة، لأن الاستثمار هو الذي يقود النمو، ويخلق الثروة، ويوفر مواطن الشغل.
الفوسفاط والطاقة... ضرورة الواقعية
كما توقف عند الأهداف المتعلقة بإنتاج الفوسفاط وقطاع الطاقة، معتبراً أن تطوير هذين القطاعين يمثل بالفعل أحد مفاتيح إنعاش الاقتصاد الوطني، غير أن تحقيق الأرقام المعلنة يتطلب معالجة الإشكاليات الهيكلية التي تعاني منها هذه القطاعات منذ سنوات.وأوضح أن تحسين الإنتاج لا يرتبط فقط بالإمكانات التقنية، وإنما كذلك بالاستقرار الاجتماعي، وتحسين الحوكمة، وتسريع الاستثمار، وحل الإشكاليات اللوجستية والإدارية.
وأضاف أن الحديث عن ارتفاع الإنتاج يجب أن يكون مدعوماً بخطط تنفيذ واضحة وجداول زمنية دقيقة، حتى تكتسب الأهداف المعلنة مصداقيتها.
التضخم والدخل الفردي
وفي ما يتعلق بالتضخم، شدد الشكندالي على أن التحكم فيه يبقى رهين عدة عوامل داخلية وخارجية، من بينها تطور أسعار الطاقة والمواد الأولية وأسعار الصرف، وهو ما يجعل أي توقعات طويلة المدى قابلة للمراجعة باستمرار.كما اعتبر أن تحسين الدخل الفردي لا يتحقق بمجرد ارتفاع الأجور أو الإعلان عن نسب نمو أعلى، بل يرتبط أساساً بارتفاع الإنتاجية، وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي، وتحسين القدرة الشرائية، والسيطرة على التضخم.
التخطيط يحتاج إلى تحيين مستمر
وأكد أن فلسفة التخطيط الاقتصادي تقوم على المرونة، مشيراً إلى أن جميع دول العالم تقوم بمراجعة مخططاتها كلما طرأت متغيرات اقتصادية أو جيوسياسية كبرى.وأضاف أن التحيين لا يمثل تراجعاً عن الأهداف، بل يعكس قدرة الدولة على التكيف مع المستجدات، ويمنح الوثائق الاقتصادية مصداقية أكبر أمام المستثمرين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين.
واختتم رضا الشكندالي مداخلته بالتأكيد على أن تونس في حاجة إلى مخطط تنموي يقوم على تشخيص دقيق للاختلالات الاقتصادية، وفرضيات محدثة، وآليات تمويل واضحة، وبرنامج إصلاحات هيكلية قابل للتنفيذ، معتبراً أن التخطيط الاقتصادي لا يقاس بجودة الصياغة أو بطموح الأرقام، وإنما بمدى واقعية الفرضيات وقدرة الدولة على تحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وشدد على أن نجاح المخطط الخماسي 2026-2030 يبقى رهين مراجعة فرضياته الأساسية، وتحيين مؤشراته بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، حتى يتحول من وثيقة نظرية إلى خارطة طريق فعلية لتحقيق النمو والاستثمار والتنمية المستدامة.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 331923