الهدوء المغشوش... لماذا لم يصمد الاتفاق الأمريكي الإيراني سوى أسبوع؟
بقلم وسام الأطرش
لم يكن الاتفاق الذي أُعلن بين واشنطن وطهران، منذ لحظاته الأولى، اتفاقاً بالمعنى الذي ينهي الصراع، بقدر ما كان هدنة اضطرارية فرضتها حسابات أكبر من إرادة الطرفين. فالمفاوضات نفسها لم تُفتح بعد أن صمتت المدافع، وإنما جرت على وقع الاشتباكات، وتحت ضغط التصعيد العسكري، وفي ظل اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية. ولذلك بدا واضحاً أن ما تحقق لم يكن سلاماً مستقراً، وإنما إدارة مؤقتة للأزمة، ريثما يعيد كل طرف ترتيب أوراقه، لأن الجميع يدرك جيدا كلفة استمرارا الأزمة، وهذا ما تحدثنا عنه في مقالة نشرت قبل توقيع الاتفاق.
ولعل التطورات الأخيرة في مضيق هرمز تؤكد هذه الحقيقة بصورة جلية. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران انتهكت وقف إطلاق النار عبر إطلاق طائرات مسيرة باتجاه سفن تجارية، واصفا الهجوم بأنه "انتهاك أحمق"، مؤكداً أن إحداها أصابت سفينة شحن بينما أسقطت القوات الأمريكية ثلاث طائرات أخرى.
كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية إن الولايات المتحدة شنت ضربات على إيران رداً على هجوم استهداف السفينة التجارية وأضافت أن الطائرات الأمريكية استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى مواقع رادار ساحلية، معتبرة أن الهجوم الإيراني على حركة الشحن التجاري يمثل انتهاكاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن السلوك الإيراني قوض حرية الملاحة مع تزايد حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وكانت بحرية الحرس الثوري الإيراني حذّرت يوم الخميس 2026/06/25 من إبحار السفن خارج المسارات التي تحددها طهران في مضيق هرمز، معتبرة أن أي ممر جديد يُعلَن دون تنسيق معها "مرفوض وينطوي على خطورة بالغة"، في موقف عكس انزعاجا إيرانيا من المسار المؤقت الذي أعلنت سلطنة عُمان فتحه في الجزء الخاص بها من المضيق، إثر مشاركة وزير خارجيتها في أعمال الاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية، المنعقد في مملكة البحرين، وهو اجتماع يعكس أهمية الملف، إذ يتصدر جدول أعمال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال جولته في منطقة الخليج، والتي بدا أن من أهم أهدافها تثبيت تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز، بما يحدّ من قدرة إيران على الانفراد بفرض قواعد العبور فيه.
وبغض النظر عن السجال السياسي حول تفاصيل الحادثة، فإن دلالتها الاستراتيجية تتجاوز الواقعة العسكرية نفسها، لأنها تكشف أن الاشتباك الحقيقي لم يتوقف، وإنما انتقل من ساحات المواجهة المباشرة إلى أدوات الضغط المتبادل.
فالهدوء الذي أعقب الاتفاق لم يكن هدوءاً نابعاً من تسوية سياسية شاملة، وإنما من حاجة مشتركة إلى منع انفلات الأسواق العالمية. فالعالم، الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، لم يكن يحتمل استمرار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. ولهذا بدا أن الأسواق العالمية، أكثر من الأطراف المتفاوضة نفسها، كانت المستفيد الأول من وقف إطلاق النار، بل يمكن القول إنها كانت العامل الأكثر إلحاحاً في فرضه، وهبوط أسعار النفط مباشرة إثر توقيع الاتفاق، هو أكبر دليل على ذلك، إذ لم يعد غريباً أن ترتبط كل هزة أمنية في المضيق مباشرة بارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن أمن الطاقة.
غير أن الاتفاق لم يعالج أصل الخلاف، بل أجّل انفجاره. فما زالت ملفات النزاع الجوهرية قائمة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الذي لا يزال يمثل أحد أهم مصادر القلق لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الإصرار الأمريكي على إعادة تفعيل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التفتيش والرقابة، بوصفه جزءاً من محاولة تثبيت وقائع جديدة على الأرض. فالحديث عن استقلالية الوكالة لا يلغي أن نتائج عملها ستكون عنصراً أساسياً في أي تفاوض سياسي لاحق، وأن ملف اليورانيوم المخصب سيبقى في صدارة الأولويات الغربية باعتباره جوهر الأزمة، لا مجرد أحد تفاصيلها.
وبالرغم من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتمتع ظاهريا باستقلال قانوني، فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تمتلك نفوذاً سياسياً وازناً داخل مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدمتها مجلس محافظي الوكالة، الأمر الذي يجعل تقاريرها وقراراتها جزءاً من البيئة السياسية التي تُدار في إطارها المفاوضات والضغوط الدولية على إيران، وهو ما يدفع طهران إلى التشكيك في حياد الوكالة في بعض المحطات.
في المقابل، تبدو إيران حريصة على إبقاء ورقة مضيق هرمز حاضرة في كل مرحلة من مراحل التفاوض. فالمضيق لا يمثل بالنسبة إليها مجرد ممر بحري، بل ورقة ضغط استراتيجية تسمح لها بتذكير خصومها بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن أمنها ومصالحها. ومن هنا يمكن تفسير تمسكها بدور مباشر في تنظيم الملاحة، ورفضها أي ترتيبات تراها تتجاوز موقعها الجغرافي والسيادي، في مقابل مساعٍ أمريكية وشركاء إقليميين لتأمين حرية العبور ومنع تحول المضيق إلى أداة ضغط دائمة.
وبذلك يبدو أن لكل طرف ساحة يفضل خوض الصراع فيها. فالولايات المتحدة تركز على البرنامج النووي وآليات الرقابة الدولية باعتبارها الطريق إلى الحد من عناصر القوة الإيرانية على المدى البعيد، بينما تركز إيران على مضيق هرمز بوصفه ورقة قادرة على إرباك خصومها وتحميلهم كلفة أي اضطراب يصيب أسواق الطاقة العالمية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد استمراراً لسياسة الرد والرد المضاد، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة أو استقرار نهائي. فكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي من خلال الضغط الميداني، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء مستوى التصعيد تحت السقف الذي لا يؤدي إلى انهيار كامل للاتفاق.
ومن ثم، فإن ما يجري لا يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة سلام، بل مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات أكثر تعقيداً. فالاتفاق الهش لم ينهِ أسباب النزاع، وإنما منحها إطاراً زمنياً جديداً تتحرك داخله. ولذلك قد تتكرر الخروقات، وتتجدد الاتهامات، وتبقى المفاوضات مستمرة بالتوازي مع التصعيد، لأن الهدف المرحلي لكل طرف ليس إنهاء الأزمة، وإنما كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى التسوية النهائية، إن كُتب لها أن تأتي أصلاً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا وصلت طهران إلى قناعة بأن مسار التفاوض لم يعد يحقق مصالحها، فهل ستظل الكلمة العليا بيد رجالات السياسة والدبلوماسية، أم أن زمام المبادرة سينتقل تدريجياً إلى الحرس الثوري بوصفه المؤسسة الأكثر تأثيراً في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة؟ ذلك سؤال قد لا تحدد إجابته مستقبل الاتفاق وحده، بل قد ترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة من العلاقة بين إيران والغرب.
لم يكن الاتفاق الذي أُعلن بين واشنطن وطهران، منذ لحظاته الأولى، اتفاقاً بالمعنى الذي ينهي الصراع، بقدر ما كان هدنة اضطرارية فرضتها حسابات أكبر من إرادة الطرفين. فالمفاوضات نفسها لم تُفتح بعد أن صمتت المدافع، وإنما جرت على وقع الاشتباكات، وتحت ضغط التصعيد العسكري، وفي ظل اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية. ولذلك بدا واضحاً أن ما تحقق لم يكن سلاماً مستقراً، وإنما إدارة مؤقتة للأزمة، ريثما يعيد كل طرف ترتيب أوراقه، لأن الجميع يدرك جيدا كلفة استمرارا الأزمة، وهذا ما تحدثنا عنه في مقالة نشرت قبل توقيع الاتفاق.
ولعل التطورات الأخيرة في مضيق هرمز تؤكد هذه الحقيقة بصورة جلية. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران انتهكت وقف إطلاق النار عبر إطلاق طائرات مسيرة باتجاه سفن تجارية، واصفا الهجوم بأنه "انتهاك أحمق"، مؤكداً أن إحداها أصابت سفينة شحن بينما أسقطت القوات الأمريكية ثلاث طائرات أخرى.
كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية إن الولايات المتحدة شنت ضربات على إيران رداً على هجوم استهداف السفينة التجارية وأضافت أن الطائرات الأمريكية استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى مواقع رادار ساحلية، معتبرة أن الهجوم الإيراني على حركة الشحن التجاري يمثل انتهاكاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن السلوك الإيراني قوض حرية الملاحة مع تزايد حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
وكانت بحرية الحرس الثوري الإيراني حذّرت يوم الخميس 2026/06/25 من إبحار السفن خارج المسارات التي تحددها طهران في مضيق هرمز، معتبرة أن أي ممر جديد يُعلَن دون تنسيق معها "مرفوض وينطوي على خطورة بالغة"، في موقف عكس انزعاجا إيرانيا من المسار المؤقت الذي أعلنت سلطنة عُمان فتحه في الجزء الخاص بها من المضيق، إثر مشاركة وزير خارجيتها في أعمال الاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية، المنعقد في مملكة البحرين، وهو اجتماع يعكس أهمية الملف، إذ يتصدر جدول أعمال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال جولته في منطقة الخليج، والتي بدا أن من أهم أهدافها تثبيت تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن إدارة مضيق هرمز، بما يحدّ من قدرة إيران على الانفراد بفرض قواعد العبور فيه.
وبغض النظر عن السجال السياسي حول تفاصيل الحادثة، فإن دلالتها الاستراتيجية تتجاوز الواقعة العسكرية نفسها، لأنها تكشف أن الاشتباك الحقيقي لم يتوقف، وإنما انتقل من ساحات المواجهة المباشرة إلى أدوات الضغط المتبادل.
فالهدوء الذي أعقب الاتفاق لم يكن هدوءاً نابعاً من تسوية سياسية شاملة، وإنما من حاجة مشتركة إلى منع انفلات الأسواق العالمية. فالعالم، الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، لم يكن يحتمل استمرار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. ولهذا بدا أن الأسواق العالمية، أكثر من الأطراف المتفاوضة نفسها، كانت المستفيد الأول من وقف إطلاق النار، بل يمكن القول إنها كانت العامل الأكثر إلحاحاً في فرضه، وهبوط أسعار النفط مباشرة إثر توقيع الاتفاق، هو أكبر دليل على ذلك، إذ لم يعد غريباً أن ترتبط كل هزة أمنية في المضيق مباشرة بارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن أمن الطاقة.
غير أن الاتفاق لم يعالج أصل الخلاف، بل أجّل انفجاره. فما زالت ملفات النزاع الجوهرية قائمة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الذي لا يزال يمثل أحد أهم مصادر القلق لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الإصرار الأمريكي على إعادة تفعيل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التفتيش والرقابة، بوصفه جزءاً من محاولة تثبيت وقائع جديدة على الأرض. فالحديث عن استقلالية الوكالة لا يلغي أن نتائج عملها ستكون عنصراً أساسياً في أي تفاوض سياسي لاحق، وأن ملف اليورانيوم المخصب سيبقى في صدارة الأولويات الغربية باعتباره جوهر الأزمة، لا مجرد أحد تفاصيلها.
وبالرغم من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتمتع ظاهريا باستقلال قانوني، فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تمتلك نفوذاً سياسياً وازناً داخل مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدمتها مجلس محافظي الوكالة، الأمر الذي يجعل تقاريرها وقراراتها جزءاً من البيئة السياسية التي تُدار في إطارها المفاوضات والضغوط الدولية على إيران، وهو ما يدفع طهران إلى التشكيك في حياد الوكالة في بعض المحطات.
في المقابل، تبدو إيران حريصة على إبقاء ورقة مضيق هرمز حاضرة في كل مرحلة من مراحل التفاوض. فالمضيق لا يمثل بالنسبة إليها مجرد ممر بحري، بل ورقة ضغط استراتيجية تسمح لها بتذكير خصومها بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن أمنها ومصالحها. ومن هنا يمكن تفسير تمسكها بدور مباشر في تنظيم الملاحة، ورفضها أي ترتيبات تراها تتجاوز موقعها الجغرافي والسيادي، في مقابل مساعٍ أمريكية وشركاء إقليميين لتأمين حرية العبور ومنع تحول المضيق إلى أداة ضغط دائمة.
وبذلك يبدو أن لكل طرف ساحة يفضل خوض الصراع فيها. فالولايات المتحدة تركز على البرنامج النووي وآليات الرقابة الدولية باعتبارها الطريق إلى الحد من عناصر القوة الإيرانية على المدى البعيد، بينما تركز إيران على مضيق هرمز بوصفه ورقة قادرة على إرباك خصومها وتحميلهم كلفة أي اضطراب يصيب أسواق الطاقة العالمية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد استمراراً لسياسة الرد والرد المضاد، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة أو استقرار نهائي. فكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي من خلال الضغط الميداني، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء مستوى التصعيد تحت السقف الذي لا يؤدي إلى انهيار كامل للاتفاق.
ومن ثم، فإن ما يجري لا يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة سلام، بل مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات أكثر تعقيداً. فالاتفاق الهش لم ينهِ أسباب النزاع، وإنما منحها إطاراً زمنياً جديداً تتحرك داخله. ولذلك قد تتكرر الخروقات، وتتجدد الاتهامات، وتبقى المفاوضات مستمرة بالتوازي مع التصعيد، لأن الهدف المرحلي لكل طرف ليس إنهاء الأزمة، وإنما كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى التسوية النهائية، إن كُتب لها أن تأتي أصلاً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا وصلت طهران إلى قناعة بأن مسار التفاوض لم يعد يحقق مصالحها، فهل ستظل الكلمة العليا بيد رجالات السياسة والدبلوماسية، أم أن زمام المبادرة سينتقل تدريجياً إلى الحرس الثوري بوصفه المؤسسة الأكثر تأثيراً في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة؟ ذلك سؤال قد لا تحدد إجابته مستقبل الاتفاق وحده، بل قد ترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة من العلاقة بين إيران والغرب.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 331913