JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

معز الكيلاني المختص في اقتصاد النقل للكتيبة : النقل في تونس أصبح جحيما يوميا.. والخطوط التونسية فقدت مكانتها

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a1422e04dadc8.32923065_ipjgoemflqnhk.jpg>


أكد الجامعي المختص في اقتصاد النقل معز الكيلاني أن أزمة النقل في تونس لم تعد مجرد إشكال تقني أو ظرفي، بل تحولت إلى نتيجة مباشرة لخيارات وسياسات عمومية تراكمت على امتداد عقود، معتبرا أن الدولة كرّست تدريجيا ما وصفه بـ«سياسة السيارة الفردية» على حساب النقل العمومي.

وخلال حوار مطول مع الصحفي محمد اليوسفي، أوضح الكيلاني أن النقاش العمومي في تونس لا يمنح ملف النقل الأهمية التي يستحقها، رغم ارتباطه المباشر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وجودة الحياة، معتبرا أن منظومة النقل تمثل أحد أبرز مؤشرات تقدم الدول أو تراجعها.


«النقل ليس مجرد وسيلة تنقل»

وشدد الكيلاني على أن النقل في الاقتصاد الحديث لا يُنظر إليه كغاية في حد ذاته، بل كوسيلة تتيح للمواطن الوصول إلى العمل أو الدراسة أو الخدمات، مبينا أن أي خلل في منظومة النقل ينعكس مباشرة على الاقتصاد وعلى الحياة اليومية للمواطنين.




وأضاف أن خصوصية اقتصاد النقل تكمن في أن كلفة الوقت تعتبر عنصرا أساسيا، موضحا أن ساعة ضائعة يوميا بسبب الاكتظاظ أو تعطل وسائل النقل تمثل خسارة اقتصادية حقيقية للمجتمع.

«السيارة الشعبية» غيّرت توجهات الدولة

واعتبر المتحدث أن التحولات الكبرى بدأت منذ تسعينات القرن الماضي مع انتشار سياسة «السيارة الشعبية»، حيث أصبح امتلاك السيارة هدفا لشرائح واسعة من الطبقة الوسطى، وهو ما أدى تدريجيا إلى تراجع الإقبال على النقل العمومي.

وأوضح أن الدولة ركزت لاحقا على توسيع الطرقات وإنجاز المحولات والطرقات السيارة، ما عزز لدى المواطنين فكرة أن الحل يكمن في السيارة الفردية وليس في تطوير النقل الجماعي.

وأشار إلى أن هذا التوجه خلق حلقة مفرغة، حيث تراجع الإقبال على المترو والحافلات، فتم تقليص الخدمات وعدد السفرات، الأمر الذي دفع مزيدا من المواطنين إلى استعمال السيارات الخاصة.

«توسعة الطرقات ليست دائما الحل»

وأكد الكيلاني أن توسيع الطرقات لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص الاكتظاظ المروري، موضحا أن عدة دراسات وتجارب عالمية أثبتت أن بعض مشاريع التوسعة قد تؤدي أحيانا إلى زيادة حركة السيارات وبالتالي ارتفاع مستوى الازدحام.

كما شدد على أن الحلول الحديثة في المدن الأوروبية تتجه نحو عقلنة استعمال السيارة الفردية، وتوسيع الفضاءات المخصصة للمشاة والدراجات والنقل العمومي، عوض مواصلة تكريس هيمنة السيارات الخاصة.

«النقل العمومي في تونس أصبح نقل الفقراء»

وفي تقييمه لوضع النقل العمومي في تونس الكبرى، اعتبر الكيلاني أن الإشكال الأساسي يتمثل في ترسيخ صورة مفادها أن النقل العمومي موجه أساسا للفئات الفقيرة، بينما تعتمد الطبقات الوسطى والميسورة على السيارات الخاصة.

وأضاف أن تخطيط خطوط النقل يعكس أحيانا هذه الرؤية، مشيرا إلى أن بعض الأحياء الشعبية تحظى بخدمات نقل أفضل مقارنة بأحياء أخرى تقطنها الطبقة الوسطى، رغم أن النقل العمومي حق يفترض أن يكون متاحا لجميع المواطنين دون تمييز.

انتقادات حادة لوضع المترو والحافلات

ووصف الكيلاني وضع عربات المترو في تونس العاصمة بـ«المحزن»، قائلا إنه تفاجأ خلال زيارة قام بها إلى تونس أواخر سنة 2024 بالحالة المتدهورة للعربات والبنية التحتية، معتبرا أن غياب الصيانة الدورية يمثل أحد أكبر الإشكاليات.

وأشار إلى أن بعض العربات مازالت تعمل رغم تجاوزها عقودا من الاستغلال، مؤكدا أن الإشكال لا يتعلق فقط باقتناء عربات جديدة، بل أيضا بإرساء منظومة صيانة حديثة تعتمد الرقمنة والتكنولوجيا والمتابعة الاستباقية للأعطاب.

كما شدد على أن نجاح مشاريع مثل الـRFR أو الترامواي يبقى مرتبطا بوجود شبكة حافلات فعالة ومتكاملة قادرة على نقل المسافرين إلى المحطات الرئيسية، معتبرا أن هذه المشاريع لا يمكن أن تعوض الحافلات والمترو الحالي بل يجب أن تكملها.

أزمة الحوكمة والتخطيط

وأكد الكيلاني أن أحد أبرز أسباب الأزمة يتمثل في غياب هيئات محلية قوية تتولى إدارة ملف النقل داخل المدن الكبرى، معتبرا أن الاعتماد الكامل على وزارة النقل خلق بيروقراطية عطلت العديد من المشاريع.

وأوضح أن أغلب المدن الأوروبية تعتمد على سلطات جهوية أو محلية منتخبة تشرف على النقل والتهيئة العمرانية والبيئة والخدمات الحضرية بشكل متكامل، بما يسمح باتخاذ قرارات سريعة وناجعة.

كما دعا إلى منح صلاحيات أوسع للهياكل المحلية حتى تتمكن من وضع سياسات نقل تتلاءم مع خصوصيات كل مدينة، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي لوزارة النقل في رسم التوجهات الكبرى.

«النقل العمومي ليس دعما للفقراء»

وفي ما يتعلق بتمويل النقل العمومي، شدد الكيلاني على أن التعامل مع النقل باعتباره مجرد «عبء دعم» يمثل مقاربة خاطئة، مؤكدا أن كل الدول المتقدمة تمول النقل العمومي بنسب كبيرة لأنه يعتبر محركا أساسيا للاقتصاد ولسوق الشغل.

وأشار إلى أن المواطن الذي ينفق بين 30 و50 بالمائة من دخله الشهري على التنقل لا يمكن أن يتمتع بجودة حياة مقبولة، موضحا أن المعدلات العالمية لمصاريف النقل بالنسبة للأسر تتراوح عادة بين 15 و20 بالمائة من الدخل.

كما دعا إلى تطوير آليات تمويل محلية تعتمد على الجباية المحلية وعلى مساهمة المؤسسات الاقتصادية المستفيدة من خدمات النقل، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول الأوروبية.


الخطوط التونسية فقدت مكانتها

وتطرق الجامعي المختص في اقتصاد النقل معز الكيلاني خلال الحوار أيضا إلى وضعية الخطوط التونسية، معتبرا أن الناقلة الوطنية تعيش بدورها أزمة هيكلية تعكس الإشكاليات نفسها الموجودة في بقية منظومة النقل في تونس، خاصة من حيث الحوكمة والتخطيط والصيانة.

وأكد الكيلاني أن الخطوط التونسية فقدت تدريجيا مكانتها التنافسية مقارنة بعديد شركات الطيران الأجنبية والإقليمية، مشيرا إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بالأسطول أو بالوضعية المالية، بل أيضا بغياب رؤية استراتيجية واضحة لتطوير الشركة وتحسين جودة الخدمات.

كما شدد على أن النقل الجوي يمثل جزءا أساسيا من صورة البلاد ومن جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، معتبرا أن تراجع خدمات الناقلة الوطنية ينعكس سلبا على صورة تونس في الخارج وعلى تنافسية الوجهة التونسية.

وأشار إلى أن إصلاح وضعية الخطوط التونسية لا يمكن أن يقتصر على تغيير المسؤولين أو اقتناء طائرات جديدة فقط، بل يستوجب مراجعة شاملة لمنظومة التصرف والحوكمة والصيانة والخدمات، إلى جانب وضع استراتيجية طويلة المدى قادرة على إعادة تموقع الشركة داخل السوق الإقليمية والدولية.



«النقل قضية تنمية وكرامة»

وختم معز الكيلاني بالتأكيد على أن أزمة النقل في تونس ليست مجرد أزمة حافلات أو مترو، بل هي أزمة تخطيط وحوكمة ورؤية مجتمعية كاملة، مشددا على أن تحسين النقل العمومي يمثل شرطا أساسيا لتحسين التشغيل والتنمية وجودة الحياة والعدالة الاجتماعية داخل المدن التونسية.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 329941

babnet