جنون الأسعار بين الأمس و اليوم
محسن العكروت (*)
حدّثني صديق عزيز عليّ فقال » : كان جدّ آبائي يشغل خطّة "أمين معاش" مدينة صفاقس في أواخر القرن التاسع عشر (سنوات 1870)، وكان هذا المنصب يُكلّف به شخص يُعرف بأمانته ونزاهته ، وهو مُطالب كل شهر بمدّ الباي بتقرير شامل عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في جهته ، وذلك حتى يتسنّى للباي التعرّف على أحوال رعيّته ومدى قدرتها على شراء مستلزماتها المعيشيّة ومتطلباتها اليوميّة .وكان هذا التقرير يتضمّن أساسا الأسعار المتداولة لسِتّ أشياء تكون وُجوبا متقاربة في القيمة بحيث لا تختلف عن بعضها البعض بأكثر من 5 أو 6 % على أقصى تقدير وهي كالآتي :
●أجرة خدّام الحزام وهي أصغر درجة من بين خمس تصنيفات آنذاك (خدّام الحزام، نصف القلفة، القلفة، المَعلّم و الباش مَعلّم)
●سعر الكيلو غرام الواحد من لحم العلوش
●ڨلبة القمح (حوالي 20 لتر)
● ويبة الشعير (2 ڨلب ، حوالي 40 لتر)
● صاع زيت الزيتون (حوالي 3 لتر)
● عديلة التمر (5 ڨلب ، حوالي 30 كغ) «
هكذا كانت تُدار الأمور في عهد أجدادنا ، فأين نحن الآن من هذه المقاييس ؟! وللمقارنة ، أعرض عليكم في ما يلي الأسعار الحاليّة للسّتّ أشياء المذكورة آنفا :
●أجرة خدّام الحزام : من 40 إلى 50 دينار
● سعر الكيلو غرام الواحد من لحم العلوش : من 65 إلى 70 دينار
● ڨلبة القمح : من 40 إلى 45 دينار
● ويبة الشعير : من 35 إلى 45 دينار
● صاع زيت الزيتون : من 35 إلى 40 دينار
● عديلة التمر : من 45 إلى 75 دينار حسب نوعية البضاعة
نلاحظ إذا أنّ المعايير في عصرنا الحالي قد اختلت وأنّ معادلة أجدادنا و تحديد فارق ال 5% بين الستّ أشياء لم يعد معتمدا هذه الأيام إذ أنّ القيمة قد تتضاعف أحيانا من منتوج إلى آخر. وهذا دليل على أنّنا أصبحنا نعيش زمنا متقلّبا لا يحترم معاييرا ثابتة ، تخلّت فيه الدولة عن مهامّها الرّقابيّة فبات يحكمنا قانون الغاب : قانون العرض والطلب ، وهو بدوره يخضع لجشع العديد من المستكرشين (المحتكرين ، الهبّاطة ، الڨشّارة ، السّماسرة...)، وبذلك نرى أسعارا خياليّة للأسماك واللّحوم والغلال وأذكر على سبيل المثال أسعار الأضاحي التي التهبت وارتفعت بقدر قادر إلى مرّة و نصف مقارنة بالسّنة الماضية وأسعار الغلال ومنها الموز والإجّاص التي اشتعلت 6 أو 7 مرّات خلال بضع سنين!
أليس هذا دليلا واضحا على إخلالات جوهريّة سببها تملّص الدولة من دورها الرّقابي و تخلّيها عن مسؤوليّاتها تُجاه مواطنيها وعجزها في تنظيم الحركة الاقتصادية بالبلاد ؟!
* محسن العكروت
أستاذ تعليم عال ومحقّق جودة
حدّثني صديق عزيز عليّ فقال » : كان جدّ آبائي يشغل خطّة "أمين معاش" مدينة صفاقس في أواخر القرن التاسع عشر (سنوات 1870)، وكان هذا المنصب يُكلّف به شخص يُعرف بأمانته ونزاهته ، وهو مُطالب كل شهر بمدّ الباي بتقرير شامل عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في جهته ، وذلك حتى يتسنّى للباي التعرّف على أحوال رعيّته ومدى قدرتها على شراء مستلزماتها المعيشيّة ومتطلباتها اليوميّة .وكان هذا التقرير يتضمّن أساسا الأسعار المتداولة لسِتّ أشياء تكون وُجوبا متقاربة في القيمة بحيث لا تختلف عن بعضها البعض بأكثر من 5 أو 6 % على أقصى تقدير وهي كالآتي :
●أجرة خدّام الحزام وهي أصغر درجة من بين خمس تصنيفات آنذاك (خدّام الحزام، نصف القلفة، القلفة، المَعلّم و الباش مَعلّم)
●سعر الكيلو غرام الواحد من لحم العلوش
●ڨلبة القمح (حوالي 20 لتر)
● ويبة الشعير (2 ڨلب ، حوالي 40 لتر)
● صاع زيت الزيتون (حوالي 3 لتر)
● عديلة التمر (5 ڨلب ، حوالي 30 كغ) «
هكذا كانت تُدار الأمور في عهد أجدادنا ، فأين نحن الآن من هذه المقاييس ؟! وللمقارنة ، أعرض عليكم في ما يلي الأسعار الحاليّة للسّتّ أشياء المذكورة آنفا :
●أجرة خدّام الحزام : من 40 إلى 50 دينار
● سعر الكيلو غرام الواحد من لحم العلوش : من 65 إلى 70 دينار
● ڨلبة القمح : من 40 إلى 45 دينار
● ويبة الشعير : من 35 إلى 45 دينار
● صاع زيت الزيتون : من 35 إلى 40 دينار
● عديلة التمر : من 45 إلى 75 دينار حسب نوعية البضاعة
نلاحظ إذا أنّ المعايير في عصرنا الحالي قد اختلت وأنّ معادلة أجدادنا و تحديد فارق ال 5% بين الستّ أشياء لم يعد معتمدا هذه الأيام إذ أنّ القيمة قد تتضاعف أحيانا من منتوج إلى آخر. وهذا دليل على أنّنا أصبحنا نعيش زمنا متقلّبا لا يحترم معاييرا ثابتة ، تخلّت فيه الدولة عن مهامّها الرّقابيّة فبات يحكمنا قانون الغاب : قانون العرض والطلب ، وهو بدوره يخضع لجشع العديد من المستكرشين (المحتكرين ، الهبّاطة ، الڨشّارة ، السّماسرة...)، وبذلك نرى أسعارا خياليّة للأسماك واللّحوم والغلال وأذكر على سبيل المثال أسعار الأضاحي التي التهبت وارتفعت بقدر قادر إلى مرّة و نصف مقارنة بالسّنة الماضية وأسعار الغلال ومنها الموز والإجّاص التي اشتعلت 6 أو 7 مرّات خلال بضع سنين!
أليس هذا دليلا واضحا على إخلالات جوهريّة سببها تملّص الدولة من دورها الرّقابي و تخلّيها عن مسؤوليّاتها تُجاه مواطنيها وعجزها في تنظيم الحركة الاقتصادية بالبلاد ؟!
* محسن العكروت
أستاذ تعليم عال ومحقّق جودة









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 329764