العجز التجاري يتفاقم والدولة تواصل سياسة "أحيّيني اليوم و اقتلني غدوة"
بقلم: حاتم بولبيار
اللي صار في الميزان التجاري التونسي بين 2024 و2025 ما هوش مجرّد تطوّر عادي ولا ظرفي.
اللي صار في الميزان التجاري التونسي بين 2024 و2025 ما هوش مجرّد تطوّر عادي ولا ظرفي.
هو نتيجة اختيار اقتصادي واضح تمّ اتخاذه بوعي:
تحسين الأرقام الجبائية في المدى القصير، حتى ولو كان ذلك على حساب التوازن الخارجي والعملة الصعبة.
العجز التجاري ارتفع من حوالي 18.9 مليار دينار في 2024 إلى 21.8 مليار دينار في 2025، أي تدهور يقارب 2.9 مليار دينار في عام واحد.
الأخطر في هذا التدهور أنّ قرابة ثلثيه يرجع تقريبًا إلى عامل واحد: الارتفاع الكبير في توريد السيارات، اللي بلغ حوالي 1.772 مليار دينار إضافية.
هذا الرقم وحده كافٍ باش يفرض سؤالًا جديًا حول المسار المتّبع.
الدولة تربح جبائيًا… وهذا مفهوم
توريد السيارات يخضع في تونس إلى نسبة جبائية فعلية مرتفعة، في حدود 89%، تشمل المعاليم الديوانية، المعلوم على الاستهلاك، والأداء على القيمة المضافة.بفضل هذا المستوى من الجباية، مكّنت الزيادة في التوريد الدولة من تحصيل حوالي 1.58 مليار دينار مداخيل جبائية إضافية.
من زاوية الميزانية، هذا مكسب واضح:
* سيولة فورية،
* تحسّن ظرفي في المداخيل،
* وتخفيف الضغط على المالية العمومية.
لكن هذا الربح يبقى محاسبيًا وقصير المدى، ولا يعالج جوهر الإشكال الاقتصادي.
الوكلاء يربحوا كذلك… وبمليارات
المعطى اللي غالبًا ما يتغفل عليه، هو أنّ وكلاء السيارات يربحوا هم أيضًا بشكل مباشر من هذا التوجّه.إذا اعتبرنا:
* قيمة واردات السيارات: 7.242 مليار دينار
* معدّل هامش ربح الوكلاء: 17%
فإنّ أرباح الوكلاء تقدَّر بحوالي:
7.242 × 17% = 1.231 مليار دينار
يعني بوضوح:
* الدولة تربح عبر الجباية،
* الوكلاء يربحوا عبر هامش الربح،
* وكلّما زاد التوريد، كلّما زادت أرباح الطرفين.
ومن يدفع الكلفة؟
في المقابل، الكلفة الحقيقية لا تظهر فورًا في الأرقام الجبائية، لكنّها موجودة وبقوة:* خروج متزايد للعملة الصعبة،
* تعميق العجز التجاري،
* ضغط على سعر الصرف،
* تضخّم مستورد يضرب القدرة الشرائية.
بكلام بسيط:
* الدولة تقبض دينارات،
* الوكلاء يحقّقوا أرباح،
* أمّا الاقتصاد التونسي والتوانسة يتحمّلوا الكلفة على المدى المتوسط.
تعاضد ضمني… وخاسر واحد
اللي يتشكّل هنا هو تعاضد ضمني في المصالح:* الدولة تبحث عن مداخيل سريعة،
* الوكلاء يستفيدوا من ارتفاع حجم التوريد،
* ولا واحد من الطرفين يتحمّل مباشرة كلفة استنزاف العملة الصعبة.
الخاسر في المعادلة هذه هو المصلحة الاقتصادية العامة، واللي تتحمّلها البلاد والمواطن.
الإدارة تربح الوقت
الأهم من ذلك، أنّ الربح الحقيقي قصير المدى ما هوش للدولة كمفهوم، بل للإدارة.الإدارة نجحت في:
* تحسين الأرقام الجبائية،
* تقديم نتائج سريعة،
* وربح الوقت أمام مسؤولها المباشر.
بهذا الشكل، يتمّ إعطاء انطباع بأنّ الوضع تحت السيطرة،
بينما يتمّ في الواقع تأجيل المشكل الحقيقي بدل معالجته.
الدولة، بمعناها الواسع، ستدفع الثمن لاحقًا.
الاقتصاد سيدفعه في الاستقرار.
والمواطن سيدفعه في الأسعار والقدرة الشرائية.
ما يحصل ليس خطأ تقنيًا، بل اختيارات واعية:
* راحة إدارية اليوم،
* مقابل كلفة اقتصادية أثقل غدوة.
التوانسة يختصروا المنطق هذا بمقولة معروفة:
«أحيّيني اليوم واقتلني غدوة».
وهذا بالضبط ما يحدث:
حلّ ظرفي، يربح وقتًا، لكنّه يراكم مشكلًا أكبر.
توريد السيارات في تونس ما عادش مسألة تجارية فقط،
بل مؤشّر على نمط في اتخاذ القرار الاقتصادي:
تغليب القصير المدى، وتأجيل المحاسبة.
ربح الوقت قد يريح الإدارة اليوم،
لكن الاقتصاد لا ينسى،
ولا يتسامح مع التأجيل الطويل.
والمحاسبة، مهما تأجّلت،
تبقى حتمية.






Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 322017