الأطفال زمن الحرب ..وقود غير مكلف جرائم ضد الإنسانية

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69ac199dde80b1.37962604_nhoqpgfkjlemi.jpg>
AI Creation


بقلم ريم بالخذيري

تنص مواثيق الأمم المتحدة وبروتوكلاتها على حماية الأطفال في كل الأوقات وخاصة زمن الحرب. ومنها اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 1989 في مادتها 38 التي تلزم الدول صراحة على اتخاذ جميع التدابير الممكنة عمليًا لضمان عدم اشتراك الأشخاص الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة مباشرة في الأعمال الحربية.


وقد عزّز هذا المبدأ لاحقًا البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة سنة 2000، الذي شدّد القيود على تجنيد الأطفال ورفع سن المشاركة في القتال.




كما نصّت المادة 8 من النظام الأساسي على أن تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم في الأعمال القتالية يُعد جريمة حرب. ونص على:
“يُعدّ من جرائم الحرب: تجنيد الأطفال الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة من العمر في القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، أو استخدامهم للمشاركة فعليًا في الأعمال الحربية.”

وبذلك أصبح القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي يعتبران قتل الأطفال أو تجنيدهم أو تعريضهم المتعمد لأخطار الحرب جرائم حرب تستوجب الملاحقة القضائية الدولية.

لكن مثل هذه القوانين تبقى مع الأسف حبرا على ورق ويكون الأطفال في أي حرب أول المستهدفين وأول المجندين. وهم بالتالي يعتبرون وقودا رخيصا لتأجيج الحروب لكن كل استهداف لهم يعدّ أيضا جرائم ضد الإنسانية لا تتساقط بمرور الزمن.

في كل حرب تكون بدايتها محاولة العدو استهداف الأماكن المكشوفة والفئات الهشة وأهمها التلاميذ والأطفال، وهذا ما تأكد في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة حيث تم استهداف ما لا يقل عن مليون طفل توفي منهم أكثر من 16 ألفا فيما أصيب أكثر من 60 ألفا وتشرد عشرات الآلاف، فيما خسر 100 بالمائة منهم سنتين من عمرهم الدراسي.

وتأكد ذلك أيضا في قصف مدرسة التلميذات في إيران ووفاة العشرات في لحظات.

وفي السودان أيضا تم تصفية ما لا يقل عن 10 آلاف طفل خلال ثلاث سنوات من الحرب، إضافة إلى تجنيد الآلاف منهم في العمليات القتالية.

أطفال الحروب: مأساة إنسانية ممتدة بين أعوام 1995 و2025

تكشف التقديرات الدولية حول وفيات الأطفال في مناطق النزاع خلال الفترة الممتدة بين عام 1995 و2025 عن واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث. وتشير الدراسات الأممية والتقارير البحثية إلى أن ملايين الأطفال فقدوا حياتهم خلال هذه العقود نتيجة الحروب، سواء بشكل مباشر بفعل العمليات العسكرية أو بصورة غير مباشرة بسبب الجوع والمرض وانهيار مقومات الحياة الأساسية.

ففي عدد من النزاعات الكبرى بلغت الخسائر مستويات كارثية. فقد تسببت حرب الكونغو الثانية بين 1998 و2003 في نحو 5.4 ملايين وفاة إجمالية، وكان قرابة نصف الضحايا من الأطفال دون سن الخامسة، ومعظمهم قضى بسبب الأمراض وسوء التغذية المرتبطين بالحرب. وفي اليمن، قُدّر بحلول نهاية عام 2021 أن النزاع أودى بحياة نحو 377 ألف شخص، وكان حوالي 70٪ من الضحايا من الأطفال الصغار.

تحوّل طبيعة الحروب

منذ أواخر القرن العشرين تغيّرت طبيعة النزاعات المسلحة بصورة عميقة. فلم يعد القتال مقتصرًا على الجيوش النظامية في ساحات معزولة، بل أصبحت المدن والقرى المأهولة مسارح رئيسية للحرب. ونتيجة لذلك بات المدنيون وفي مقدمتهم الأطفال في قلب دائرة الخطر.

ويُعد استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان أحد أبرز أسباب سقوط الضحايا الأطفال، إذ يؤدي القصف الجوي والمدفعي والصاروخي إلى مقتل آلاف الأطفال في منازلهم أو مدارسهم. كما وثقت منظمات دولية حوادث استهداف متعمد للبنية التحتية المدنية بما في ذلك المدارس والمستشفيات، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.

إلى جانب ذلك، يشكل تجنيد الأطفال في الجماعات المسلحة خطرًا إضافيًا، حيث يُزج بالفتيان والفتيات في القتال أو المهام العسكرية، ما يعرضهم للموت أو الإصابات البالغة.

الحرب غير المباشرة على الأطفال

غير أن الخطر الأكبر على حياة الأطفال لا يأتي دائمًا من الرصاص والقصف، بل من النتائج غير المباشرة للحرب. فالنزاعات غالبًا ما تدمر الزراعة وسلاسل الإمداد الغذائي، ما يؤدي إلى تفشي المجاعة وسوء التغذية. وفي كثير من الحالات يموت عشرات الأطفال جوعًا مقابل كل طفل يسقط في المعارك.

كما يؤدي انهيار الأنظمة الصحية إلى انتشار الأوبئة والأمراض المعدية. وقد أظهرت دراسات أن نحو 7٪ من وفيات الأطفال في بعض مناطق إفريقيا ترتبط بالصراعات المسلحة نتيجة انتشار الأمراض وضعف الرعاية الطبية. وتشير أبحاث أخرى إلى أن وجود نزاع مسلح قريب قد يرفع معدل وفاة الرضّع قبل بلوغ عامهم الأول بنحو 7.7٪.

ولا يقل النزوح الجماعي خطورة، إذ يضطر ملايين الأطفال إلى العيش في مخيمات تفتقر إلى المياه النظيفة والخدمات الصحية، ما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية.

رغم تراجع الحروب بين الدول الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة، فإن النزاعات الأهلية والداخلية استمرت وتركزت بشكل خاص في إفريقيا والشرق الأوسط. وقد شهدت التسعينات ذروة مأساوية مع مجازر رواندا وحروب البلقان، ثم تراجع نسبي في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة.

لكن منذ عام 2011 عاد منحنى العنف إلى الارتفاع مع اندلاع حروب جديدة في سوريا واليمن والعراق، إضافة إلى صراعات إفريقية متعددة. وفي الأعوام 2022 و2023 أدت حرب أوكرانيا وتجدد النزاعات في السودان وفلسطين إلى ارتفاع جديد في أعداد الضحايا الأطفال.

ولا تقف آثار هذه الخسائر عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى مستقبل المجتمعات نفسها. فموت هذا العدد الهائل من الأطفال يعني فقدان طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما يترك النزاع آثارًا نفسية عميقة في الأطفال الناجين، ويؤدي إلى أجيال تعاني من الصدمات والاضطرابات الاجتماعية.

كذلك يؤدي تدمير التعليم والبنية الصحية إلى إبطاء مسارات التنمية لعقود طويلة، إذ تحتاج الدول الخارجة من الحروب إلى سنوات وربما عقود لإعادة بناء مؤسساتها الأساسية.

نحو مسؤولية إنسانية مشتركة

إن حماية الأطفال في زمن الحرب هي قضية تتعلق بمستقبل البشرية. فكل طفل يسقط ضحية نزاع هو خسارة للعالم بأسره. لذلك تتزايد الدعوات الدولية لتعزيز تطبيق القانون الإنساني الدولي ومحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الأطفال، وتوسيع الاستجابة الإنسانية في مناطق النزاع.

والواقع أن عددا من المنظمات الدولية والهيئات الخاصة تحاول جاهدة حماية الأطفال زمن الحرب ومعالجة تداعيات ذلك عليهم بعد الحرب، لكن هذه الجهود تبقى منقوصة دون وعي من الدول المتحاربة ومن الميليشيات المسلحة.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 324943

babnet