الصناديق الاجتماعية في تونس: على الدولة أن تتحمّل مسؤولية اختياراتها
حاتم بولبيار
غالبًا ما تُقدَّم أزمة الصناديق الاجتماعية في تونس على أنها مسألة تقنية بحتة: عجز مالي متزايد، شيخوخة ديمغرافية، واستمرار الاقتصاد غير المنظم. ورغم أن هذه القراءة ليست خاطئة تمامًا، فإنها تُغفل جوهر الإشكال. فالمشكلة الأساسية ليست في سوء تصرّف معزول للصناديق، ولا في سلوك الأفراد، بل في غموض بنيوي تُبقيه الدولة قائمًا بين منطق التضامن الوطني ومنطق الصناديق الاجتماعية القائم على المساهمات.
غالبًا ما تُقدَّم أزمة الصناديق الاجتماعية في تونس على أنها مسألة تقنية بحتة: عجز مالي متزايد، شيخوخة ديمغرافية، واستمرار الاقتصاد غير المنظم. ورغم أن هذه القراءة ليست خاطئة تمامًا، فإنها تُغفل جوهر الإشكال. فالمشكلة الأساسية ليست في سوء تصرّف معزول للصناديق، ولا في سلوك الأفراد، بل في غموض بنيوي تُبقيه الدولة قائمًا بين منطق التضامن الوطني ومنطق الصناديق الاجتماعية القائم على المساهمات.
على مدى سنوات، اختارت تونس — عن وعي — توسيع نطاق الحقوق الاجتماعية. فإتاحة العلاج في المؤسسات العمومية للعائلات المعوزة، ولحاملي البطاقات البيضاء والصفراء، والتكفّل بفئات غير منخرطة في أنظمة المساهمة، إضافة إلى برامج الانتداب في الوظيفة العمومية الموجّهة لمن طالت بطالتهم، كلها تعكس إرادة سياسية واضحة: عدم ترك الفئات الهشة دون حماية اجتماعية.
غير أنّ هذا الخيار المشروع لم يُرافقه توضيح لا يقلّ أهمية: من الذي يمول هذا التضامن على المدى الطويل؟
من الناحية القانونية، تُعدّ الصناديق الاجتماعية — الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، والصندوق الوطني للتأمين على المرض — مؤسسات قائمة على المساهمات، ويُفترض أن يقوم توازنها المالي على اشتراكات الأجراء والمؤجرين. لكن في الواقع، تُستَخدم هذه الصناديق بشكل متزايد لتمويل حقوق اجتماعية لا تقابلها دائمًا مساهمات فعلية، لتتحول بذلك إلى ممتص للصدمات الاجتماعية والمالية دون أن تتوفر لها أدوات التمويل الكافية للقيام بهذا الدور.
إن العجز المالي والديون المتبادلة بين الصناديق ليست سوى التعبير المحاسبي عن هذا التناقض. فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يشهد تآكلًا في قاعدته المساهمة، في حين يُطالَب بتغطية مسارات مهنية مختلطة وتمويل حقوق تقاعد وعلاج لا يتحصل دائمًا مقابلها على الموارد اللازمة. ويتكفّل صندوق التقاعد بدفع جرايات تشمل فترات لم تُموَّل بالكامل. أما صندوق التأمين على المرض، فيقدّم خدماته لشريحة واسعة من السكان بينما يواجه اختناقات حادة في السيولة.
المشكلة ليست في أن تمارس الدولة التضامن، بل في أنها تمارسه من دون تحمّل صريح وكامل لكلفته المالية، وتترك الصناديق و الصيادلة يتحملون أعباء تتجاوز طبيعتها التساهمية.
هذا الغموض يولّد آثارًا سلبية متعددة. فهو يُربك العقد الاجتماعي من خلال إضعاف العلاقة بين المساهمة والحق، ويغذّي حوافز غير مباشرة للاشتغال خارج المنظومة المنظمة عندما يبقى النفاذ إلى العلاج أو بعض فرص الانتداب العمومي ممكنًا دون انخراط فعلي، كما يضعف القبول المجتمعي بأي إصلاح يُطلب فيه المزيد من التضحيات من قاعدة مساهمين تتقلّص باستمرار.
ما لم تحسم الدولة هذا الخيار بوضوح، فإن كل إصلاح سيظل هشًّا سياسيًا. فمراجعة سنّ التقاعد، أو الترفيع في نسب المساهمات، أو تشديد الرقابة، لن تكون كافية طالما ظلّ السؤال الجوهري مؤجلًا: أي جزء من التضامن يجب أن يُموَّل عبر الجباية، وأي جزء ينبغي أن يبقى مرتبطًا بالمساهمة؟
إن توضيح هذا الفصل لا يعني تقليص التضامن، بل جعله قابلًا للتمويل، واضحًا، ومستدامًا. فإذا كانت بعض السياسات الاجتماعية تندرج ضمن التضامن الوطني، فيجب تمويلها صراحة من ميزانية الدولة، عبر تحويلات شفافة نحو الصناديق المعنية. أمّا إذا كانت حقوق أخرى تندرج ضمن النظام التساهمي، فيجب أن تعود المساهمة والتصريح بالعمل إلى موقعهما الطبيعي كشرط أساسي للانتفاع بها.
لا تعاني تونس من فائض في الحماية الاجتماعية، بل من نظام تُوزَّع فيه المسؤوليات بشكل ضبابي، وتُخفى فيه الكلفة الحقيقية، وتُستَعمل فيه الصناديق التساهمية لتعويض اختيارات سياسية لم يُحسَم تمويلها بوضوح.
لن تكون إصلاحات الصناديق الاجتماعية ذات مصداقية إلا عندما تقبل الدولة باتخاذ خيار صريح وعلني. فمواصلة توسيع الحقوق من دون تحديد واضح لمموليها يهدّد الأسس التي يقوم عليها التضامن نفسه.
المسألة إذن ليست في الإكثار أو التقليل من التضامن، بل في سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: من يدفع؟ كيف؟ ولماذا؟
القرار عند صاحب القرار .
و تكلفة اللا قرار باهضة على الكل.






Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 322016