تحولات مفاجئة: كيف غيّرت ميزانية 2026 أولويات الدولة؟
حاتم بولبيار
بين عامي 2010 و2026، شهدت ميزانية الدولة (الجدول المصاحب) تحولات جذرية في أولوياتها، حيث أُعيد توجيه الموارد بشكل كبير. الهدف من هذا التحليل هو محاولة فهم هذا التحول في الأولويات الوطنية وأبعادها.
بين عامي 2010 و2026، شهدت ميزانية الدولة (الجدول المصاحب) تحولات جذرية في أولوياتها، حيث أُعيد توجيه الموارد بشكل كبير. الهدف من هذا التحليل هو محاولة فهم هذا التحول في الأولويات الوطنية وأبعادها.
سوف لن نتبع المسار المعتاد للأرقام فحسب، بل سنركز على الأموال وكيفية توزيعها بين الوزارات، لنعرف أي منها استفادت من الزيادة في الميزانية وأي منها تراجعت حصتها.
التحليل سيكشف لنا مفاجآت مثيرة، ولكن لكي نتمكن من فهم تلك الأرقام بشكل دقيق، سنعتمد على مؤشر أساسي: العمود الذي يظهر “النمو المُعدل 2026 مقارنة بـ 2010” (2026vs2010 normalisé).

هذا المؤشر يساعدنا في تجاوز الزيادة الإجمالية التي قد تكون مضللة، وتتيح لنا فهم أعمق للأرقام. من خلال هذا العمود، نتمكن من تحديد من ربح في المنافسة السياسية ومن تم تهميشه.
النظرة العامة
شهدت ميزانية الدولة قفزة هائلة، حيث ارتفعت من 16 مليار دينار إلى 63 مليار دينار. أي أن الميزانية تضاعفت تقريبًا أربع مرات خلال 16 عامًا.حجم الكعكة الجبائية التي يتم توزيعها أصبح أربعة أضعاف، وهذا تغيير ضخم. هذه الزيادة هي المقياس الذي نستخدمه. إذا كانت ميزانية وزارة قد تضاعفت أربع مرات، فهي ببساطة تتماشى مع النمو العام. لكن إذا كانت ميزانية وزارة أخرى قد تضاعفت مرتين فقط، فهذا يعني أنها لم تواكب النمو العام وقد تراجعت حصتها نسبيًا.
لذلك، العمود الذي يوضح النمو المُعدل هو أداة حاسمة لفهم التوجهات. إذا كانت النسبة صفرًا، فهذا يعني أن الوزارة تواكبت مع النمو العام. إذا كانت في المنطقة الإيجابية، فإن الوزارة تعد من أولويات الدولة، أما إذا كانت في المنطقة السلبية، فإنها لم تعد ضمن أولويات الدولة.
ملاحضة:
لقد قمت بتبسيط الجدول لجعله أكثر فهمًا. اخترت أفضل التصنيفات في كل فئة (تراجع أو تقدم).
أكبر الرابحين
لنبدأ بأكبر الرابحين: قطاع الشؤون الاجتماعية، الذي شهد نموًا هائلًا. هذه الزيادة ليست مجرد نمو، بل انفجار حقيقي في الميزانية، حيث انتقل المبلغ من 364 مليون دينار إلى أكثر من 4068 مليون دينار.هذه الزيادة تعكس تأثير شيخوخة السكان، وتشمل تعويضات صناديق الضمان الاجتماعي (التقاعد، الصحة…).
في المرتبة الثانية، نجد قطاع الأمن (الداخلية والدفاع)، الذي شهد نموًا ضخمًا.
نحن نتحدث عن مقاربة مختلفة تمامًا مقارنة بعام 2010. فقد تم مضاعفة الميزانية 6 مرات، حيث ارتفعت من 2 مليار إلى أكثر من 12 مليار دينار.
ما يثير الاهتمام هنا هو أن هذا القطاع الأمني كان يمثل 12 فقط من إجمالي النفقات في 2010، بينما أصبح في 2026 يشكل 20 من الميزانية. أي أن خُمس ميزانية الدولة موجهة الآن للأمن.
الميزانية غالبًا ما تعكس المخاوف والأولويات في أي فترة زمنية. هذا التحول في توجيه الموارد له تكلفة. فمن الذي دفع ثمن هذا التحول؟
التعليم: تراجع نسبي
الجواب هنا هو قطاع التربية والتعليم العالي.في 2010، كان هذا القطاع هو الأهم بلا منازع. أما في 2026، فقد انتقلت الميزانية من 4 إلى 11 مليار دينار، أي بزيادة قدرها 2.5 مرة.
ورغم هذه الزيادة، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن النمو النسبي لهذا القطاع لا يتماشى مع النمو العام. فالنمو بنسبة 175 لهذا القطاع هو أقل بكثير من النمو العام الذي بلغ 279 .
ما حدث هو أن هذا القطاع قد تراجع نسبيًا في حصته من الميزانية. ففي 2010، كانت حصته تمثل 25 من إجمالي النفقات الحكومية، مما يجعله الأولوية الأولى للدولة. لكن في 2026، انخفضت حصته إلى 18 فقط.
وهذا يمثل تراجعًا في الوزن الاستراتيجي لهذا القطاع الذي كان يمثل حجر الزاوية في تطوير البلاد.
قطاعات أخرى
أما القطاعات الأخرى مثل البيئة والتكنولوجيا فقد شهدت أيضًا تراجعات في ميزانيتها. فحصة البيئة في الميزانية تراجعت من 2 إلى 1 . كما تراجعت حصة قطاع التكنولوجيا والاتصالات من 1 إلى 0.3 .يبدو أن الدولة قررت أن الانتقال الرقمي والانتقال البيئي ليسا من الأولويات التي يجب تمويلها حاليًا.
حالة استثنائية
وأخيرًا، هناك حالة استثنائية: ميزانية رئاسة الجمهورية.ففي 2010 كانت الميزانية 331 مليون دينار، بينما تراجعت إلى 230 مليون دينار في 2026.
رغم أن كل الميزانيات قد زادت بشكل عام في كل القطاعات، إلا أن رئاسة الجمهورية هي القطاع الوحيد الذي تم تقليص ميزانيته. هذه خطوة غامضة.
في الختام، ما الذي يمكن استخلاصه من هذا التحليل؟
نحن في مرحلة إعادة تعريف دور الدولة.
من جهة، هناك تركيز ضخم للموارد على الوظائف الأمنية والاجتماعية. الأولوية: “تأمين الحاضر”.
لكن هذا التركيز على الحاضر جاء على حساب الاستثمار في المستقبل: التعليم الذي يُعد الأجيال القادمة، البيئة التي تضمن استدامتنا، والتكنولوجيا التي من المفترض أن تبني قدرة البلاد التنافسية، تم إيداعهم إلى المرتبة الثانية.
إنه تناقض لافت: الخطابات تشير أن الأولوية للشباب، لكن الأرقام في الميزانية تُظهر قصة مغايرة.







Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 321591