JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

ترامب يبرر قصف الكويت... والخليج يدفع ثمن الحرب الأمريكية على إيران

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a24340e87acd4.92893251_qkhlinopmegfj.jpg>


م. وسام الأطرش

لم يكن التصريح الذي نُسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القصف الإيراني للكويت مجرد زلة لسان عابرة يمكن تجاوزها في سياق حرب إقليمية متصاعدة، بل بدا وكأنه مفتاح لفهم جانب مهم من المشهد الذي يتشكل في الخليج منذ أسابيع. فعندما يُسأل رئيس الولايات المتحدة عن قصف استهدف دولة "حليفة" لواشنطن، ثم يكون جوابه أن "هناك سبباً لكل فعل"، وأن ما حدث جاء لأن الولايات المتحدة "استفزت إيران بقوة" وهاجمتها في اليوم السابق، وأن الأمر "ليس مهماً بشكل كبير"، فإن المسألة تتجاوز حدود التفسير السياسي إلى ما يشبه إعادة تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها.

بل إن ترامب لا يكتفي بإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وإنما يعيد تعريف المصطلحات نفسها. فوقف إطلاق النار في قاموسه الجديد لا يعني بالضرورة توقف إطلاق النار، بل قد يعني استمرار إطلاقه بصورة "أكثر اعتدالاً". وإذا كان قصف دولة خليجية يمكن تفسيره بأنه رد مفهوم على استفزازات أمريكية سابقة، فإننا نكون أمام مدرسة سياسية جديدة يصبح فيها التصعيد تهدئة، والضربة رداً طبيعياً، والحليف مجرد ساحة جانبية في معركة أكبر. (روسيا اليوم، 04/06/2026)

خطورة هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في توقيته. فقبل أيام قليلة من هذا التصريح كانت المنطقة قد تلقت رسالة أمريكية أخرى لا تقل إثارة للجدل عندما صدرت تهديدات باستهداف سلطنة عمان على خلفية موقعها الجغرافي ودورها المرتبط بمضيق هرمز. (بي بي سي، 28/05/2026)




وبين التصريحين تتشكل صورة يصعب تجاهلها: الولايات المتحدة لا تتعامل مع دول الخليج باعتبارها شركاء متساوين في الأمن الإقليمي، وإنما باعتبارها ساحات يمكن أن تُدار فوق أراضيها معارك الرسائل والضغوط وإعادة رسم موازين القوى.
خلال الأسبوع الأخير شهد الخليج سلسلة تطورات خطيرة بدأت مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت مطار الكويت الدولي ومنشآت مدنية في الكويت والبحرين، وما أعقبها من موجة إدانات عربية وخليجية واسعة. الإمارات وصفت الهجمات بأنها اعتداء إرهابي وانتهاك صارخ للسيادة والقانون الدولي. السعودية تحدثت عن اعتداء غاشم وانتهاك سافر لسيادة الدول الخليجية. الأردن اعتبرها خرقاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للاستقرار. مجلس التعاون الخليجي رأى فيها تصعيداً غير مسبوق، بينما شددت قطر على أن استهداف المنشآت المدنية يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني.

لكن المفارقة اللافتة أن جميع هذه الإدانات الصاخبة ركزت على إيران، في حين لم يصدر عن أي عاصمة خليجية موقف واضح تجاه التصريحات الأمريكية التي بدت، بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى تبرير الضربات الإيرانية منها إلى إدانتها. فلو أن دولة أخرى غير الولايات المتحدة قالت إن قصف الكويت أو البحرين مفهوم لأنه جاء رداً على "استفزازات" سابقة، لكانت المنطقة شهدت عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة. أما عندما يصدر الكلام من البيت الأبيض، فإن الصمت يصبح سيد الموقف.

هذا الصمت يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبحت دول الخليج طرفاً يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها؟ فالمشهد الحالي يوحي بأن المواجهة الأساسية تدور بين واشنطن وطهران، بينما تتحول الأراضي الخليجية إلى خطوط تماس متقدمة، تُستخدم فيها القواعد العسكرية والمجالات الجوية والموانئ والبنى التحتية كجزء من معركة أكبر لا تملك دول المنطقة السيطرة على مسارها أو نتائجها.

ولعل ما حدث بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تصريحات ترامب يعزز هذه القراءة. فبعد القصف الأمريكي لمواقع رادار إيرانية في جزيرة قشم ومدينة غوروك (الجزيرة، 06/06/2026)، جاء الرد الإيراني باستهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، لتدخل الدولتان مرة أخرى في دائرة النار.

فقد أكد الحرس الثوري الإيراني أن قواته الجوية استهدفت قاعدتين جويتين أمريكيتين في الكويت ومنشآت هامة متبقية تابعة للأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين. (روسيا اليوم، 06/06/2026)

الكويت أعلنت تصدي دفاعاتها الجوية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية، فيما دوت الانفجارات نتيجة عمليات الاعتراض. وفي البحرين انطلقت صفارات الإنذار ودعت السلطات السكان إلى التوجه نحو أماكن آمنة. وهكذا تحولت الدول الخليجية مجدداً إلى مسرح مباشر لتبادل الرسائل العسكرية بين واشنطن وطهران.
المفارقة الأشد إيلاماً أن هذا المسار يخدم في نهاية المطاف أجندة أمريكية أوسع. فكلما توسعت دائرة التهديد الإيراني، ازداد اعتماد دول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية. وكلما ارتفع منسوب الخوف، ارتفعت معه ميزانيات التسليح وصفقات الدفاع الجوي والصواريخ وأنظمة الرصد والحماية. وفي كل مرة يزداد فيها التوتر، تتجدد الحاجة إلى المزيد من القوات الأمريكية والقواعد والاتفاقيات الأمنية.
من هنا تبدو الحرب الحالية، بالنسبة لبعض دوائر النفوذ في واشنطن، فرصة استراتيجية واقتصادية في آن واحد، خاصة في عام الانتخابات النصفية. فهي تسمح بإضعاف إيران واستنزافها، لكنها في الوقت نفسه تضمن استمرار الطلب الخليجي على السلاح الأمريكي بمليارات الدولارات. وليس من قبيل المصادفة أن تتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها الاتهامات بشأن المستفيدين مالياً من هذه الحرب. فقد أثار عضو مجلس النواب الأمريكي غريغوري ميكس قضية أرباح ضخمة قال إن ترامب ومقربين منه حققوها من خلال استثمارات في شركات سلاح ونفط استفادت من أجواء الحرب والتصعيد. (الجزيرة، 04/06/2026)
سواء ثبتت هذه الاتهامات أو لم تثبت، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الاقتصاد الأمريكي العسكري كان دائماً أحد أكبر المستفيدين من الأزمات الشرق أوسطية. فالخوف يبيع السلاح أكثر من أي حملة تسويقية، والتوتر الدائم يصنع أسواقاً دائمة، والعدو الذي لا يختفي يضمن استمرار العقود والإنفاق لعقود طويلة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم الخليجية اليوم ليس فقط كيفية الرد على إيران، بل أيضاً كيفية تجنب التحول إلى وقود دائم لمواجهة أمريكية ـ إيرانية مفتوحة. فالمؤشرات الحالية لا توحي بأن الأسابيع المقبلة ستشهد تهدئة، بل على العكس. كل ضربة أمريكية جديدة ستدفع نحو رد إيراني جديد، وكل رد إيراني سيقود إلى مزيد من القلق الخليجي، ومزيد من صفقات السلاح، ومزيد من الارتهان للمعادلة الأمنية التي تديرها واشنطن.
وفي ظل هذا المشهد يبدو أن دول الخليج قد تكون الخاسر الأكبر مهما كانت نتائج الحرب. فإذا انتصرت الولايات المتحدة ستجد المنطقة نفسها أمام واقع أمني أكثر عسكرة وتبعية. وإذا صمدت إيران أو وسعت نطاق ردودها فستكون البنية التحتية الخليجية والاقتصادات الخليجية في قلب دائرة الاستهداف. وبين هذين الاحتمالين يبقى الخليج هو من يدفع الثمن المباشر، بينما تتقاسم القوى الكبرى أرباح السياسة والسلاح والنفط.

ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى تصريحات ترامب باعتبارها مجرد تعليق عابر، بل باعتبارها نافذة تكشف طبيعة العلاقة الحقيقية بين واشنطن وحلفائها المزعومين في الخليج. فالسؤال الذي تطرحه أحداث الحرب الأخيرة على إيران ليس ما إذا كانت أمريكا مستعدة للدفاع عن الخليج، بل ما إذا كان الخليج هو الذي بات يدفع ثمن الدفاع عن الاستراتيجية الأمريكية وفاتورة الاحتماء بالأمريكان في آن واحد.
لقد كشفت المواجهات الأخيرة أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة أصبحت أهدافاً مباشرة للردود الإيرانية، وأن الدول التي تستضيفها هي التي تتحمل أخطار الاستهداف وتداعيات التصعيد. فهل استوعبت العواصم الخليجية الدرس ولو بشكل متأخر؟ وهل يليق بدول تقدم نفسها بوصفها حليفة لواشنطن أن تجد أراضيها ومطاراتها ومنشآتها الحيوية في مرمى النيران بسبب صراع لا تملك قرار إشعاله ولا قرار إطفائه؟ قد تكون هذه هي القضية الحقيقية التي ستفرض نفسها على المنطقة بعد انقضاء ضجيج الحرب، عندما يبدأ الجميع بحساب الكلفة ومن دفعها فعلاً.
روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين".

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 330594

babnet