تصفية “إل مينشو”.. صراع الدولة داخل الدولة وتاريخ طويل من حرب المخدرات في أمريكا اللاتينية

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/699bfd27802c86.54519143_hmgnfekiqljop.jpg>


بقلم: ريم بالخذيري
مختصة في الجريمة المنظمة و الاقتصادية


منذ إعلان الرئيس المكسيكي آنذاك فيليبي كالديرون في ديسمبر 2006 إطلاق الحرب المفتوحة على عصابات المخدرات، دخلت المكسيك مرحلة غير مسبوقة من العنف المسلح. أكثر من 360 ألف قتيل سُجّلوا بين 2006 و2022 وفق أرقام رسمية، إلى جانب عشرات الآلاف من المفقودين. في قلب هذا المشهد برز اسم “إل مينشو”، الزعيم الغامض الذي تحوّل إلى رمز لتحول الكارتلات إلى ما يشبه “دولة داخل الدولة”.

أخبار ذات صلة:
"رويترز": فرقة أمريكية لعبت دورا مهما وساعدت المكسيك في قتل زعيم كارتل خاليسكو "إل مينتشو"...


“إل مينشو” هو اللقب الشهير لـ نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتيس، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد (CJNG)، أحد أخطر التنظيمات الإجرامية في أمريكا اللاتينية خلال العقد الأخير. تأسس الكارتل رسمياً سنة 2010 بعد انشقاقه عن كارتل سينالوا، وسرعان ما تمدد في أكثر من 20 ولاية مكسيكية، مع حضور دولي في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.




بحلول 2018، صنّفت وزارة العدل الأمريكية الكارتل ضمن أخطر الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وقدّرت بعض التقارير أن عائداته السنوية تصل إلى مليارات الدولارات، مستفيدا من تهريب الميثامفيتامين والفنتانيل والكوكايين. وتشير بيانات السلطات الأمريكية إلى أن الفنتانيل المرتبط بشبكات التهريب المكسيكية تسبب في أكثر من 70 ألف وفاة سنوياً في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، ما جعل المواجهة تتجاوز البعد المحلي إلى أزمة صحية إقليمية.

لكن “تصفية إل مينشو” سواء أكانت عملية أمنية مباشرة أو تفكيكاً تدريجياً لشبكته لا يمكن قراءتها فقط في إطار ملاحقة مجرم فار من العدالة، بل في سياق صراع أعمق: صراع الدولة مع كيان موازٍ يمتلك المال والسلاح والقدرة على اختراق المؤسسات. فقد أظهرت السنوات الماضية أن الكارتلات لم تعد مجرد عصابات تهريب، بل شبكات معقدة تسيطر على أراضٍ، وتفرض إتاوات، وتدير اقتصاداً موازياً، بل وتخوض مواجهات عسكرية مفتوحة مع الجيش.

في عام 2019، شهدت مدينة كولياكان ما عُرف بـ “كولياكانازو”، حين اضطرت السلطات للإفراج عن أحد أبناء خواكين إل تشابو غوزمان تحت ضغط مسلحين من كارتل سينالوا، في مشهد كشف حجم القوة التي راكمتها هذه التنظيمات. كما أن اعتقال “إل تشابو” نفسه في 2016 ثم تسليمه إلى الولايات المتحدة في 2017، لم ينه نفوذ الكارتلات، بل أعاد رسم خريطة التحالفات والصراعات.

أخبار ذات صلة:
من هو "إل مينتشو" الذي رصدت واشنطن 15 مليون دولار لضبطه؟...


تاريخ حرب المخدرات في أمريكا الجنوبية أقدم من التجربة المكسيكية. ففي كولومبيا، خاضت الدولة منذ الثمانينيات حرباً دامية ضد بابلو إسكوبار وكارتل ميديلين، وانتهت بمقتله سنة 1993، لكن تجارة الكوكايين لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها عبر شبكات أصغر وأكثر مرونة. وبين 2000 و2015، استفادت بوغوتا من “خطة كولومبيا” المدعومة أمريكياً لتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، غير أن الإنتاج عاد للارتفاع في بعض السنوات اللاحقة وفق تقارير أممية.

المعضلة الجوهرية أن اقتصاد المخدرات مرتبط بسلاسل فقر وتهميش وفساد عابر للحدود. ففي المكسيك، تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن أكثر من 40% من السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر في بعض سنوات العقد الماضي، ما يجعل التجنيد في صفوف الكارتلات خياراً اقتصادياً مغرياً للشباب في مناطق مهمشة. و ان زعماء الكارتل يقومون بحماية الطبقة المفقرة بتوفير العمل و الامان مقابل الولاء و في الظاهر الرجال هم من يقودون و في الحقيقة النساء هن الرائدات و هذا ما يجعل اقتلاعهن صعب، و النساء هن من يؤمنّ تربية الاطفال لآخذ المشعل و البقاء داخل الكرتال.

“تصفية إل مينشو”، قد تشكل ضربة رمزية قوية، لكنها لن تنهي ظاهرة “الدولة داخل الدولة” ما لم تترافق مع إصلاحات عميقة: تطهير مؤسساتي، تنمية محلية، تعاون إقليمي، ومقاربة تعالج الطلب في أسواق الاستهلاك الكبرى، خاصة في الولايات المتحدة.

لقد أثبتت التجارب من ميديلين إلى خاليسكو أن إسقاط الرأس لا يعني نهاية الجسد. فحرب المخدرات في أمريكا اللاتينية، الممتدة لأكثر من أربعة عقود، لم تكن فقط حرباً أمنية، بل اختباراً لصلابة الدولة الحديثة أمام اقتصاد ظلّي عابر للقارات.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 324140

babnet