« تونس لا تُصدّر الفواكه فقط، بل تُصدّر موائدها المائية… بأثمان بخسة »

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/697665fa6c7a97.23254424_nklofmgehqipj.jpg width=100 align=left border=0>


مختار العماري

ما تصفه تونس اليوم بإنجاز في تصدير الفواكه بات يبدو، أكثر فأكثر، وكأنه بيع مخفّض لمستقبلها المائي. فالمعادلة بسيطة وخطيرة في آن واحد: مياه مدعّمة تُضخّ في فواكه شديدة الاستهلاك للماء، ثم تُصدَّر هذه الفواكه مقابل عملة صعبة قصيرة الأجل، من دون احتساب الكلفة البيئية والاجتماعية والمالية الحقيقية لهذه الصفقة.


تحتفي تونس بتصدير الفواكه، لكنها الأجدر أن تقلق لأنها في الواقع تُصدّر مياهها. فخلف البلاغات المتفائلة والأرقام الصاعدة، تختبئ حقيقة يتمّ تجاهلها عمدًا: كل بطيخة تُباع، وكل رمّانة تُشحن إلى أوروبا أو الخليج، هي حصة ماء تُنتزع من بلد يعاني أصلًا من العطش.

أخبار ذات صلة:
  صادرات غلال تونس تتجاوز 148 مليون دينار وتصل إلى نحو 23 بلدًا خلال سنة 2025
صادرات غلال تونس تتجاوز 148 مليون دينار وتصل إلى نحو 23 بلدًا خلال سنة 2025 ...





هذه ليست استعارة بيئية، بل حقيقة اقتصادية صارخة. ففي سنة 2025، صدّرت تونس فواكه بقيمة 148.66 مليون دينار، أي ما يعادل 38.54 ألف طن. يُقدَّم هذا الرقم كنجاح، لكنه في جوهره أقرب إلى عملية تصفية.

ويُستَشهد بارتفاع الصادرات بنسبة 42% من حيث القيمة و9% من حيث الكمية مقارنة بسنة 2024، كدليل على حيوية القطاع الفلاحي. لكن حيوية مقارنة بماذا؟ بالتأكيد ليس مقارنةً بتوفر الموارد المائية.

تونس بلد شبه جاف، يعاني عجزًا هيكليًا في المياه: السدود تنضب، الموائد المائية تتراجع، والماء الصالح للشرب يُقنّن في مدن بأكملها. ومع ذلك، وقع الاختيار على تشجيع زراعات كثيفة الاستهلاك للماء، مدعّمة، وموجّهة لا لتغذية السكان، بل لإرضاء أسواق خارجية قادرة على الدفع.

نتحدث هنا عن البطيخ، الدلاع، الخوخ، المشمش، الفراولة، التوت الأزرق، الإجاص… ثماني عشرة صنفًا مُصدَّرًا، أغلبها يتطلب ريًا مكثفًا. وقد بلغ إجمالي إنتاج المحاصيل الصيفية الرئيسية والفواكه ذات النواة 609 آلاف طن سنة 2025. ارتفع إنتاج التفاح بـ14%، واللوز الجاف بـ25%، والمشمش بـ4.7%. وكل نقطة نمو تعني مزيدًا من الضخّ، وكل طن مُصدَّر يعني مترًا مكعّبًا من الماء لن يعود أبدًا.

جوهر الفضيحة يكمن هنا: المياه الفلاحية في تونس مدعّمة بشكل مفرط.
تُحتسب بأسعار زهيدة لا تعكس ندرتها، ولا كلفة تعبئتها، ولا قيمتها الاستراتيجية. وهذا الدعم لا يُدرج أبدًا ضمن كلفة التصدير. والنتيجة واضحة: تونس لا تبيع فواكه تنافسية، بل تفرّط في مورد حيوي. تصنع وهمًا بالربحية عبر تحويل المال العام والمياه النادرة إلى ميزة تنافسية مصطنعة.

الأسواق الأوروبية هي المستفيد الأول. فقد استوعبت فرنسا، ثاني وجهة للصادرات التونسية، نحو 1183 طنًا، تلتها إيطاليا بـ982 طنًا. هذه الدول، الغنية والمنظمة وذات السياسات الفلاحية القوية، لا تستورد الفواكه التونسية لأنها أفضل، بل لأنها أرخص، تحديدًا لأن الماء فيها بلا سعر حقيقي. وهكذا، تستهلك أوروبا مياه تونسية دون أن تدفع ثمنها، لا اقتصاديًا ولا سياسيًا.

ويبلغ المشهد حدّ العبث عند النظر إلى أسواق الخليج. فقد استوردت الإمارات نحو 824 طنًا بقيمة 14.5 مليون دينار، تلتها قطر والسعودية والكويت والأردن. دول غنية، شديدة التصحّر، تشتري من تونس فواكه أُنتجت بمياه تُقنّن على المواطنين التونسيين أنفسهم. إنها مفارقة أخلاقية واقتصادية كاملة: بلد فقير مائيًا يدعّم غذاءً طازجًا لبلدان غنية رأسماليًا.

كالعادة، يُقدَّم تبرير العملة الصعبة. يُقال إن تونس تحتاج إلى التصدير لدعم ميزانها التجاري. لكن ما قيمة 148 مليون دينار حين لا تُحتسب الكلفة الحقيقية للمياه؟

وما وزنها أمام تملّح التربة، وانهيار الموائد المائية، وارتفاع كلفة مياه الشرب مستقبلًا، والاستثمارات الضخمة التي ستُفرض لتحلية المياه، والحفر أعمق، ومحاولة إصلاح ما لا يُصلَح؟ هذا النموذج لا يخلق ثروة، بل يستبق الندرة.

الأخطر أن المؤشرات الفلاحية بدأت تتحوّل إلى اللون الأحمر. فقد تراجع إنتاج الرمان بـ11.6%، والعنب بـ12.8%. المردودية الحدّية للماء تنهار: نحتاج إلى مياه أكثر لإنتاج أقل. الاستمرار في التصدير في هذه الظروف ليس استراتيجية، بل إمعان في الاستنزاف. نعصر ليمونة جافة، ثم نحتفي ببضع قطرات.

ويُقدَّم فتح أسواق جديدة، مثل الهند وسنغافورة والنرويج وكندا، كتنويع جريء. لكنه في الواقع هروب إلى الأمام. تصدير التوت الأزرق التونسي إلى أقاصي العالم، ببصمة مائية ولوجستية مرتفعة، في بلد يقطع الماء عن مواطنيه، هو عبث اقتصادي يُسوَّق كنجاح دبلوماسي. نحتفل بولوج أسواق بعيدة، بينما يصبح الماء رفاهًا منزليًا.

البطيخة المُصدَّرة ليست فاكهة، بل مائدة مائية منهوبة.
وصندوق الرمان المشحون ليس إنجازًا، بل فاتورة مؤجَّلة.

بهذا النسق، لن تكون تونس قريبًا قادرة على المنافسة لا في الفواكه ولا في الماء. ستكون قد تعلّمت فقط كيف تحوّل ندرتها إلى سلعة، إلى أن تستنفدها بالكامل. وحين ينفد الماء حقًا، ستجد الأسواق الأوروبية والخليجية موردين آخرين. أما تونس، فستبقى بسدود فارغة، وأراضٍ متملّحة، وبلاغات انتصار فقدت معناها.
ترجمة للنص الأصلي:
« La Tunisie n’exporte pas uniquement des fruits, elle exporte ses nappes phréatiques… à prix cassés »




   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 322537

babnet