بعد البريكست Brexit.. الاتحاد الأوروبي مهدد بـ«ديكست» Dexit… أوروبا تفقد عمودها الفقري

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/6966333ff3cad0.17576129_phonkeimqljfg.jpg width=100 align=left border=0>


**بقلم: الأستاذ في القانون الدولي والعلوم السياسية
يوسف بن عثمان – فرنسا**


يبدو أن الاتحاد الأوروبي، التكتّل السياسي والاقتصادي الذي كان إلى وقت قريب من الأقوى في العالم، لم يعد كذلك، وأصبح مهدّدًا في وحدته. فمنذ انفصال المملكة المتحدة عنه في 21 جانفي 2021 ضمن ما يُعرف بخطة البريكست (وهو مصطلح يجمع كلمتي «بريطانيا» (Britain) و«خروج» (Exit) ويعني انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وقد تمّ ذلك بعد استفتاء عام 2016).

واليوم يبدو هذا التهديد أكثر جدّية مع حالة الوهن التي بلغها الاتحاد، والأزمات الداخلية التي تعصف من حين لآخر بأكبر دوله، ما يجعل الأولوية وطنية قبل أن تكون إقليمية، وهو ما فرض على دوله الدخول في اتفاقات سياسية وتجارية مع دول أخرى من خارج الاتحاد للحفاظ على التوازنات الداخلية.




وقد تعالت الأصوات همسًا وعلانية من عدد من الزعماء في أوروبا (خاصة من الوجوه المعارضة) إلى انسلاخ دولهم من هذا التكتّل والبحث عن سبل العيش الكريم بعيدًا عن مظلّته ومع شركاء آخرين من خارجه. بل إن البعض منهم دعا إلى حلّ الاتحاد الأوروبي لعدم جدواه، ولأنه أصبح عبئًا على دول بعينها مثل ألمانيا.

وهو رأي تتبنّاه زعيمة «البديل من أجل ألمانيا» «أليس فايدل»، والتي دعت إلى خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي في خطوة أطلقت عليها اسم «ديكست» (Dexit)، مؤكدة دعمها الصريح لإنهاء عضوية برلين في التكتّل الأوروبي.

وبرّرت «فايدل» تصريحاتها بأن مغادرة الاتحاد الأوروبي لا تعني نهاية السوق المشتركة، بل تمثل عودة مثلى إلى الفضاء الاقتصادي الأوروبي، بعيدًا عمّا وصفته بالبنية الفوقية البيروقراطية في بروكسل (في إشارة إلى مقرّ المفوضية الأوروبية).

وقالت «فايدل»: «هذا الجهاز الضخم يضم عشرات الآلاف من الموظفين غير الضروريين، المبالغ في أجورهم، والذين يتّسمون بتسلّط مفرط»، على حدّ تعبيرها.

كما وجّهت السياسية القومية انتقادات حادّة للسياسات البيئية للاتحاد الأوروبي، مشيرة بشكل خاص إلى حظر محركات الاحتراق الداخلي وفرض الضرائب على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، واعتبرتها إجراءات مبالغًا فيها.

وأضافت بصريح العبارة: «انظروا إلى الحزب الديمقراطي المسيحي وإلى فون دير لايين… تخلّصوا منهم جميعًا. لسنا بحاجة إلى هذا الجهاز الأوروبي المتغلغل».

وفي المقابل، اقترحت «فايدل» إقامة سوق داخلية حرّة بين دول أوروبية ذات سيادة وحدود آمنة، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي ينبغي أن يُلغى من أجل استعادة شكل من أشكال التعاون الاقتصادي القائم على التبادل الحرّ للسلع والخدمات.

هذه الدعوة الصريحة، وإن كان لا يُنتظر منها صدى فوري واستجابة ألمانية آنية بحكم أن العمود الفقري للاتحاد هو ألمانيا، وأن انفصالها عنه يعني تهاوي الاتحاد آليًا، إلا أنها دعوة لها الكثير من المؤيدين من الألمان، وهي مبنية على وقائع وأرقام تؤكّد أن برلين أعطت للاتحاد الأوروبي أكثر ممّا أخذت.

فتضرّر ألمانيا من الاتحاد الأوروبي ليس خسائر اقتصادية مباشرة فقط، بل أيضًا قيود سياسية واستراتيجية فرضها منطق الاتحاد ومنطقة اليورو، حيث فقدت مع اعتماد اليورو أداة سعر الصرف التي كانت تمكّنها من حماية صناعتها، وأصبحت خاضعة لسياسة نقدية موحّدة لا تعكس دائمًا قوة اقتصادها.

كما اضطرت لتحمّل العبء الأكبر في خطط إنقاذ دول الجنوب الأوروبي المتعثّرة ماليًا عبر آليات مثل الصناديق الأوروبية وبرامج الإنقاذ، ما خلق ضغطًا سياسيًا داخليًا وساهم في صعود التيارات الشعبوية.

وتظلّ ألمانيا أكبر مساهم صافٍ في ميزانية الاتحاد الأوروبي، إذ دفعت أكثر ممّا تلقّت بنحو 17.4 مليار يورو في 2023 و13.1 مليار يورو في 2024، ما يجعلها الداعم الأكبر ماليًا، تليها فرنسا وإيطاليا، في حين تستفيد دول مثل اليونان وبولندا أكثر من المال الأوروبي.

هذا العبء المالي طالما أثار نقاشات سياسية داخل ألمانيا حول حجم المساهمات ومستقبل الاتحاد، واستُعمل كورقة انتخابية.

أمّا المعضلة الأكبر التي تواجه ألمانيا فهي قواعد المنافسة الأوروبية التي حدّت من قدرتها على دعم صناعتها التاريخية، كما منعتها من إنجاز اندماجات استراتيجية كبرى، في حين تتمتّع الولايات المتحدة والصين بمرونة أكبر في دعم شركاتهما. وزادت سياسات المناخ الأوروبية وأزمة الطاقة من كلفة الإنتاج، ما أضعف تنافسية قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب والكيماويات، وجعل ألمانيا تدفع ثمن التحوّل الطاقي بينما تواجه منافسة شرسة من الخارج.

كما شكّلت حرية التنقّل داخل الاتحاد وأزمات الهجرة عبئًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا تحمّلته ألمانيا أكثر من غيرها، خاصة خلال أزمات مثل 2015. وأدّى بطء القرار الأوروبي القائم على الإجماع إلى الحدّ من قدرتها على التحرك السريع دفاعًا عن مصالحها القومية الخالصة، مما أبقاها مرتهنة إلى حدّ بعيد لحلف شمال الأطلسي.

وبذلك، ورغم استفادتها التجارية الكبيرة من السوق الموحّدة واليورو على المدى القصير، فإن ألمانيا وجدت نفسها مقيّدة سياديًا واستراتيجيًا، تتحمّل أعباء الآخرين وتخسر جزءًا من استقلال قرارها كقوة صناعية وسياسية كبرى على المدى المتوسط والطويل.

في المحصّلة، يبدو أن ألمانيا سائرة في اتجاه الانسلاخ عن الاتحاد الأوروبي، إن لم يكن اليوم فغدًا، وهو ما يُنذر بتفكّك هذا التكتّل وربما انصهار دوله في تكتّلات أخرى، بغضّ النظر عن القواسم المشتركة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي.

خاصة وأن الإدارة الأمريكية، منذ تولّي الرئيس ترامب مقاليد الحكم، أصبحت تتعامل مع القانون الدولي بانتقائية، وتقدّم المصلحة القومية على الالتزامات الدولية، ما أثّر على الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية مع الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن توجّه ترامب الواضح في تحجيم كلّ القوى الاقتصادية لصالح الريادة الأمريكية.

ما تقدّم يؤكّد صحّة سياسة تونس في تنويع شراكاتها الاقتصادية وعدم جعلها حكرًا على الاتحاد الأوروبي، رغم أنه لا يزال الشريك التجاري لبلادنا. لكن قراءة الواقع ونتائجه، واستشراف المستقبل وآفاقه، تجعل من العبث المراهنة على جسد أوروبي قد يكون بصدد الاحتضار.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 321807

babnet