ال&1704;رش" في القصرين… طقس يسبق الهلال ويوقظ ذاكرة القرى

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69972f073011e9.19503724_oghkenlpmfjqi.jpg width=100 align=left border=0>


(وات/تحرير لطيفة مدوخي) - في بعض قرى ولاية القصرين، لا يقتصر استقبال هلال رمضان على الدعاء والترقّب فحسب، بل تُفتَح له أبواب الذاكرة الجماعية بعادة متجذّرة تُعرف بـ"الڨرش"، وهو طقسٌ يسبق حلول شهر الصيام بيوم واحد، وتلتقي فيه الروحانيات بكرم الضيافة، ويغدو مناسبةً للفرح والتكافل واستعادة دفء العائلة.

مع الساعات الأخيرة من شهر شعبان، تدبّ الحياة في البيوت، خاصة في الأرياف، فتُنظَّف المنازل بعناية، وقد يُعاد دهن جدرانها أو تزيينها، وتُقتنى أوانٍ جديدة كإشارة رمزية لبداية مختلفة، غير أن الاستعداد الأبرز يظلّ اقتناء الذبيحة المخُصّصة لهذه المناسبة والتي تختلف بإختلاف الإمكانيات، فقد تكون خروفًا أو جديا، أو ديكًا، أو دجاجة، أو حتى أرنبًا، ومن ضاقت به الحال يشتري ما تيسّر من اللحم، أو يتقاسم مع جيرانه ذبيحة واحدة، في مشهدٍ تختلط فيه البساطة بالتضامن.

وفور إعلان مفتي الجمهورية ثبوت رؤية الهلال وتحديد أول أيام الشهر الكريم، تتعالى الزغاريد في بعض القرى، وتُشعل المواقد، وتبدأ طقوس الذبح وسط رهبة المناسبة وبهجتها.

استذكرت الخالة خديجة هيشري، أصيلة منطقة هنشير الورغي بزلفان من معتمدية تالة، مثلا يقول "الليلة ليلة الڨرش وغدوة خياطة الكرش"، وهي عبارة شعبية تختزل معنى الشبع والإستعداد لصيام شهر كامل، موضحة أن مصطلح "قرش" هو تحريف، وفق قولها، لكلمة "قرص" فهو "يقرص" آخر يوم من شهر شعبان، أي يقطعه ويفصل بين زمنين، زمن العادات اليومية وزمن العبادة.



وتستعيد خديجة، بنبرة يغلّفها الحنين، أجواء ذلك اليوم قائلة "إن العائلة كانت تجتمع حول طبق دسم، غالبًا كسكسي باللحم تتبعه الفواكه والشاي والقهوة والعصائر، وتُضاء المصابيح باكرًا، وتتبادل النسوة الأطباق، ويعلو ضحك الأطفال وهم يستشعرون قدوم رمضان، كان الناس يدخلون الصيام وهم شباعى"، تختم كلامها متنهدة متحسّرة على تراجع هذه العادة بسبب إهمالها من قبل شباب اليوم في ظل ارتفاع أسعار الماشية واللحوم. 

بدوره، يؤكد الشيخ الثمانيني أحمد بن نصر، أن "الڨرش" ارتبط برمضان منذ أجيال بعيدة، وكان عنوانًا لإستقبال الشهر بالكرم والفرح، غير أن حضوره اليوم يقتصر على بعض المناطق الريفية، بعد أن اندثر تقريبًا في المدن، مستحضرا أجمل ما في هذا الطقس وهو تخصيص نصيبٍ من اللحم أو الطعام للفقراء والمحتاجين، حتى تعمّ البركة الجميع.
أما زينة عوادي، من معتمدية فريانة، فترى في "الڨرش" عادة حميدة متوارثة عن الأجداد، تُجسّد صلة الرحم، وروح المشاركة، واستحضار المحتاجين قبل حلول شهر الرحمة، معربة عن أسفها لتقلّص حضورها، حيث يحرص قلّة من كبار السن على إحيائها، بينما ينصرف كثير من الشباب عنها تحت وطأة غلاء المعيشة وتسارع نسق الحياة. وتأمل زينة أن تستعيد هذه العادة بريقها، ومعها عادات أخرى طواها النسيان.
"الڨرش" في القصرين ليس مناسبة غذائية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليمثّل طقسًا اجتماعيًا يعبّر عن فلسفة جماعية في استقبال رمضان، شبعٌ قبل صيام، ولمةٌ قبل انشغال، وعطاءٌ قبل طلب، إنه لحظة عبور رمزية بين شهرين، تُختبر فيها قدرة المجتمع على صون ذاكرته الشعبية في مواجهة تحوّلات الزمن.
وبين حنين وحرص الكبار وتردّد الشباب، يظلّ السؤال القائم: هل ينجح "الڨرش" في الصمود كجزء من هوية القرى التونسية، أم يتحوّل إلى حكاية تُروى كل عام مع اقتراب الهلال؟

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 323946

babnet