Bookmark article
Publié le Jeudi 12 Février 2026 - 21:05
قراءة: 3 د, 17 ث
بقلم الأستاذ يوسف بن عثمان باريس
يشهد المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في معدلات تعاطي المخدرات واستهلاك الكحول بين فئة الشباب، متزامنًا مع تنامي مظاهر العنف وبعض أنماط الجريمة في الفضاء العام. غير أن تناول هذه الظاهرة غالبًا ما يتم في إطار أخلاقي اختزالي يحمّل الشباب وحدهم مسؤولية ما يحدث، ويغفل السياقات البنيوية التي أسهمت في إنتاج هذا الواقع. فالشباب الذين يُتهمون اليوم بالانحراف هم، في كثير من الحالات، نتاج بيئات اجتماعية واقتصادية مضطربة، تعكس اختلالًا في أدوار الأسرة وضعفًا في السياسات العمومية الموجهة إليهم.
لم تعد صور المراهقين المتورطين في تعاطي المواد المخدرة أو في أعمال عنف حضري حوادث استثنائية، بل أصبحت جزءًا من مشهد يومي في بعض المناطق. ومع ذلك، يستمر الخطاب العام في الحديث عن “تراجع القيم” و“فساد الجيل الجديد” دون مساءلة حقيقية للمنظومات التي يفترض أن تضطلع بوظيفة الحماية والتوجيه. إن اختزال الأزمة في بعدها الأخلاقي يطمس أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ويحوّل النقاش من تحليل الأسباب إلى جلد الضحية.
تلعب الأسرة، باعتبارها النواة الأولى للتنشئة الاجتماعية، دورًا محوريًا في تشكيل سلوك الأفراد. إلا أن التحولات الاقتصادية وضغوط الحياة اليومية أضعفت قدرة العديد من الأسر على أداء دورها التربوي والرقابي. فضعف التواصل بين الآباء والأبناء، والانشغال الدائم بتأمين متطلبات العيش، وغياب الحوار حول المخاطر التي تحيط بالشباب، كلها عوامل تترك فراغًا تربويًا تملؤه جماعات الأقران أو الفضاءات الرقمية غير المراقبة. يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات التفكك الأسري والنزاعات المنزلية، وهو ما يخلق بيئة نفسية هشة قد تدفع بعض الشباب إلى البحث عن ملاذ بديل في المخدرات أو في سلوكيات عدوانية. والأخطر من ذلك أن ثقافة الإنكار لا تزال سائدة في بعض الأوساط، حيث يُفضَّل التستر على المشكلة بدل الاعتراف بها ومعالجتها مبكرًا، خوفًا من الوصم الاجتماعي.
غير أن مسؤولية الأسرة، على أهميتها، لا تعفي الدولة وصنّاع القرار من نصيبهم في هذه الأزمة. فالمقاربات الرسمية غالبًا ما تميل إلى الطابع الزجري، حيث يُنظر إلى الشاب المتعاطي باعتباره جانحًا يستوجب العقاب، لا فردًا يحتاج إلى علاج وتأهيل. التركيز على الردع القانوني دون توفير بدائل علاجية وإعادة إدماج فعّالة يحوّل المشكلة من أزمة صحية واجتماعية إلى قضية جنائية، ويعمّق الإقصاء بدل معالجته. كما أن خدمات الصحة النفسية في المؤسسات التعليمية محدودة، في حين تشير الأدبيات العلمية إلى أن اضطرابات القلق والاكتئاب تمثل عوامل خطورة رئيسية لتعاطي المواد ذات التأثير النفسي.
إلى جانب ذلك، تظل البطالة المرتفعة في صفوف الشباب، خاصة حاملي الشهادات، عاملًا بنيويًا لا يمكن تجاهله. فالإحباط الناتج عن انسداد الآفاق المهنية وضعف الحركية الاجتماعية يخلق شعورًا بالتهميش وفقدان المعنى، وهو ما قد يدفع البعض إلى البحث عن تعويض نفسي عبر المخدرات أو إلى الانخراط في أنشطة غير قانونية كمصدر بديل للدخل. كما تعاني العديد من الأحياء ذات الكثافة السكانية من نقص واضح في الفضاءات الثقافية والرياضية، مما يفاقم حالة الفراغ ويجعل السلوكيات الخطرة أكثر جاذبية في ظل غياب البدائل.
أما العلاقة بين تعاطي المخدرات وارتفاع بعض أنماط الجريمة، فلا يمكن اختزالها في علاقة سببية مباشرة، لكنها علاقة ارتباطية واضحة في سياقات الهشاشة الاجتماعية. فالحاجة إلى تمويل الاستهلاك، وتأثير المواد المخدرة على الإدراك وضبط النفس، إضافة إلى التهميش الاقتصادي، كلها عوامل قد تزيد من احتمالات الانخراط في السرقة أو العنف. بذلك تصبح الجريمة، في بعض الحالات، عرضًا جانبيًا لأزمة أعمق تتعلق بالإقصاء وفقدان الثقة في المؤسسات.
إن تصوير الشباب باعتبارهم خطرًا يهدد المجتمع يخفي حقيقة أكثر إزعاجًا، وهي أن المجتمع ذاته أخفق في احتوائهم. فتعاطي المخدرات وشرب الكحول وارتفاع بعض مظاهر الجريمة ليست سوى مؤشرات على خلل في منظومة القيم والسياسات العامة. المطلوب ليس مزيدًا من الخطابات الوعظية أو الحملات الظرفية، بل مراجعة جذرية تعيد الاعتبار لدور الأسرة في التربية والحوار، وتعزز الاستثمار في الصحة النفسية، وتوفر فرصًا حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي. كما يتعين الانتقال من منطق العقاب إلى منطق الوقاية والتأهيل، وإشراك الشباب أنفسهم في صياغة السياسات التي تمس مستقبلهم.
إن إنقاذ جيل كامل من الانزلاق نحو الإدمان والعنف ليس مسؤولية فردية، بل هو اختبار لمدى قدرة الأسرة والدولة على تجديد عقدهما الاجتماعي مع الشباب. فإما أن تُعاد صياغة الأولويات بما يضع هذه الفئة في قلب المشروع الوطني، أو سيستمر المجتمع في مواجهة نتائج إهمالٍ لم يعد من الممكن تجاهله أو تبريره.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 323564