القصرين: خيرة الشابي .. ملمح إنساني نابض بالقوة والصبر تحصد الكرامة من الأرض

<img src=http://www.babnet.net/images/2b/olivierx1.jpg width=100 align=left border=0>


(وات/مكتب القصرين - تحرير لطيفة مدوخي ) - قبل أن ينسلّ ضوء الفجر على معتمدية سبيطلة من ولاية القصرين، تكون خيرة الشابي قد استيقضت، لتبدأ يوما جديدا من الكدّ والجدّ ينتهي مع غروب الشمس.
في الخامسة والستين من عمرها، لا تزال خيرة تستيقظ على سكون الفجر، تبدأ يومها بالصلاة والدعاء بان يبارك الله جهدها ويساعدها على اداء عملها لمجابهة ضروريات الحياة، فمنذ فقدت زوجها قبل عشرين عامًا، لم تعرف للراحة يوما إلا ما تمنحه لها الأرض حين تجود بثمارها، فصارت الضيعة بيتها الثاني، والعمل قدرها الذي اختارته بوعي وكرامة.


تقول خيرة، لصحفية وكالة تونس افريقيا للانباء، وهي تخطو بثبات بين حقول الزيتون الوارفة "لا أرضى الا بما أحصل عليه من عرق جبيني، لأن طعم الرزق بعد التعب مغاير" كلمات قليلة تختصر فلسفة حياة كاملة، عنوانها الإعتماد على النفس والإيمان بأن العمل ليس فقط وسيلة للعيش بل كرامة وهوية.
في إحدى الضيعات الفلاحية بعمادة القرعة الحمراء بمعتمدية سبيطلة، الممتدة على 18 هكتارًا من غراسات الزيتون (مقسّمة بين زيتون مروي يضم قرابة 6 آلاف أصل وزيتون مطري يناهز 1500 أصل زيتون) تفرش خيرة الشابي الشباك تحت ظلال الأشجار المعمّرة، تنحني لتجني حبات الزيتون المتساقطة واحدة تلو الأخرى وتعيد ترتيبها بعناية بأصابع صقلتها السنوات وبنَفَس طويل إعتاد العمل الشاق والجادّ، في مشهد يختزل علاقة متجذّرة بين المرأة والأرض، علاقة لا تقوم على الإمتلاك بل على الشراكة والصبر.
تتقاسم خيرة العمل مع نساء أخريات، يمثلن بدورهنّ قصص كفاح صامتة، وبين حركة وأخرى، تتعالى الزغاريد والأغاني الشعبية، تُروى الطرائف و"الحجيات"، وتُنسج نكتا عفوية تخفّف وطأة الساعات الطويلة فيتحول الجني إلى مساحة تضامن نسوي وإلى مقاومة يومية لقساوة العيش.



لا يقتصر عمل خيرة على موسم الزيتون، بل تمدّ يديها للعمل في كل مواسم الفلاحة، تجمع الفلفل والطماطم والبطاطا والجلبانة والفول، تحصد القمح والشعير، تعزق الأرض، تغرس وتسقي، لا تتثنيها حرارة الصيف ولا تخيفها شدة برد الشتاء، فبالنسبة لها "قساوة الفقر أشدّ من تقلّبات المناخ".
لدى خيرة خمسة أبناء (04 ذكور وابنة متزوجة) ورغم محدودية الدخل وقساوة الظروف، أصرت على تعليمهم جميعًا حتى أصبحوا اليوم قادرين على العمل والاعتماد على أنفسهم، تقول خيرة بنبرة هادئة "مادمت في وطني ومادامت صحتي بخير، سأظل أعمل إلى آخر رمق"
لا تنفصل قصة خيرة الشابي عن محيطها الفلاحي، فمعتمدية سبيطلة تُعدّ قطب إنتاج الزيتون بولاية القصرين، محتلة المرتبة الأولى جهويًا خلال الموسم الفلاحي الحالي، وتمتد غابات الزيتون بها على نحو 36 ألفًا و500 هكتار، أي ما يعادل مليونين و200 ألف شجرة زيتون، من جملة 144 ألف هكتار على المستوى الجهوي تضم حوالي 15 مليون أصل زيتون، 38 بالمائة منها غراسات فتية.
وقُدّرت صابة الزيتون بسبيطلة خلال الموسم الحالي بنحو 36 ألف طن من إجمالي 160 ألف طن على مستوى ولاية القصرين، صابة وُصفت بالاستثنائية وغير المسبوقة بعد دخول الغراسات الفتية مرحلة الإنتاج واتساع المساحات المزروعة إلى جانب الظروف المناخية الملائمة.
ورغم وفرة الإنتاج، يتجدّد الإشكال ذاته كل موسم، وهو نقص اليد العاملة، حيث تقدَّر حاجيات ولاية القصرين لجني صابة الزيتون خلال الموسم الحالي بنحو مليونين و428 ألف يوم عمل، أي ما يعادل قرابة 20 ألف عامل لمدة 120 يومًا، تشكّل النساء غالبيتهم باعتبارهن العمود الفقري لهذا الموسم وملح الأرض الحقيقي.
وجّهت خيرة الشابي، في تصريحها لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء، رسالة صادقة إلى فئة الشباب لا سيما الذكور العازفين عن العمل الفلاحي، في ظل النقص الحاد في اليد العاملة وارتفاع مؤشرات البطالة ، اكدت من خلالها أنّ الفلاحة تظلّ مورد رزق كريم وفرصة حقيقية للإدماج الإقتصادي والإجتماعي.
خيرة الشابي ليست مجرد عاملة فلاحية، بل ملمحا إنسانيا نابضا بالصبر والقوة والإيمان، امرأة تشبه شجرة الزيتون، جذورها ثابتة في الأرض وثمارها كرامة وعطاء، تثبت أن العزيمة الصادقة قادرة على صناعة الأمل حتى في أحلك الظروف.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 321553

babnet