Bookmark article
Publié le Jeudi 29 Janvier 2026 - 20:35
قراءة: 4 د, 37 ث
مختار العماري E4T,
قد توحي القراءة الأولى لآخر تقرير حول القطاع البنكي التونسي الصادر عن BMI – Fitch Solutions (في 71 صفحة) بشيء من الطمأنينة: أصول في ارتفاع، قروض في نمو، ودائع تواكب، وبنوك ما تزال صامدة رغم اقتصاد يرزح تحت الضغط. غير أن التمحيص يكشف تشخيصًا أكثر قتامة: النظام البنكي التونسي لم يعد يموّل الاقتصاد، بل يموّل الدولة؛ لم يعد يدير المخاطر، بل يراكمها؛ لم يعد يهيّئ للمستقبل، بل يؤجّل الاستحقاقات؛ ولم يعد يعزّز الإدماج، بل يكرّس الإقصاء (crowding out).
الأداء المعلن شكلي ومضلّل، وليس نجاحًا حقيقيًا. إنه تأجيل للأزمة وتجميل لاختلالات مزمنة لا يُراد إظهارها للمستثمرين وللممولين الدوليين. وتتحمّل البنك المركزي التونسي في هذا السياق مسؤولية كبيرة، إذ لا يضطلع بدوره كما ينبغي.
الأرقام واضحة. ففي سنة 2025 بلغت الأصول البنكية نحو 191 مليار دينار، أي ما يفوق 109٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع مسار تصاعدي متواصل إلى حدود 2034 وفق توقعات Fitch-BMI.
ظاهريًا، يبدو القطاع البنكي التونسي في توسّع وتكثّف. لكن في العمق، هو يزداد ثِقلاً ويغوص أكثر، ويتحوّل هذا التضخم إلى عبء. فهذه الزيادة في حجم الميزانيات لا تعكس طفرة صناعية، ولا استثمارًا خاصًا ديناميكيًا، ولا نموًا اقتصاديًا سليمًا حاملاً للازدهار الجماعي.
إنها قبل كل شيء نتيجة اعتماد مفرط على الدين السيادي.
خلال عشر سنوات، تضاعفت حصة القروض المسندة للدولة لتقترب من 22٪ من إجمالي القروض سنة 2025، مع نمو سنوي يتجاوز 30٪. في المقابل، ركد الائتمان الموجّه للقطاع الخاص بالكاد ينمو، بل يتراجع نسبيًا.
بعبارة أخرى، لم تعد البنوك التونسية وسيطًا ماليًا في خدمة الاقتصاد الحقيقي، بل تحوّلت إلى صناديق تمويل لدولة تعاني عجزًا مزمنًا.
لم يعد «الإقصاء المالي» خطرًا نظريًا، بل الآلية المركزية للنظام، تعمل بلا ضجيج، وبمباركة إعلاميين واقتصاديين من داخل المنظومة.
ولا تخلو هذه المصادرة للسيولة من تبعات: تجفيف تمويل المؤسسات، تثبيط الاستثمار المنتج، وحبس النمو في مسار واهن.
التقرير صريح: خلال التسعة أشهر الأولى من 2025، نمت القروض الموجهة للقطاع العام بعشرة أضعاف وتيرة نمو القروض الموجهة للقطاع الخاص. البنك التونسي يقرض حيث المخاطر السياسية آنية، ويرفض حيث خلق القيمة غير مضمون.
جودة القروض
بنسبة قروض متعثرة تقارب 15٪، تُعد تونس من بين أسوأ الحالات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ثلاثة من أكبر سبعة بنوك تسجّل نسب قروض غير عاملة تفوق 10٪. لم يعد الأمر ظرفيًا، بل خللًا بنيويًا.
والأسوأ أن الدولة، بدل تشديد الانضباط الائتماني، تتدخل بما يفاقم هشاشة الميزانيات: إعادة هيكلة قسرية للديون الفلاحية، تخفيضات إجبارية لنسب الفائدة على قروض قائمة، وقروض دون فائدة مفروضة على البنوك.
تحت عناوين العدالة الاجتماعية أو الدعم القطاعي، يُنقل الخطر إلى البنوك دون تعويض، ودون إصلاح، ودون رؤية بعيدة المدى.
الرسالة مدمّرة: المخاطر بلا ثمن، والعقود البنكية لم تعد مُحصّنة، والملاءة أصبحت متغيّرًا سياسيًا.
هشاشة السيولة
يتجاوز معدل القروض إلى الودائع 155٪، وهو من أعلى المعدلات إقليميًا. أي أن البنوك تُقرض أكثر بكثير من مواردها المستقرة، ما يعرّضها لتوترات سيولة حادّة عند أي صدمة. صحيح أن التوقعات تشير إلى تحسّن طفيف، لكن المعدّل—even بعد التصحيح—يبقى خطرًا بنيويًا.
في بلد معرّض للصدمات المناخية والاحتقان الاجتماعي وعدم الاستقرار المالي، تبدو هذه الهشاشة كلعبة رولت مالية.
رأس المال… مفارقة مقلقة
يسجّل تقرير BMI حقيقة صادمة: أكبر البنوك التونسية لا تنشر نسب كفاية رأس المال.
في عالم ما بعد الأزمة المالية، حيث أصبحت الشفافية حدًا أدنى، تبدو هذه العتمة خارج الزمن. والأخطر أن تونس لا تزال تحتسب النسب وفق معايير قريبة من بازل I، بينما انتقلت أغلب الدول المماثلة إلى بازل III.
بمعنى آخر، لا أحد يعلم حقًا إن كان النظام البنكي قادرًا على امتصاص صدمة جدّية. نفترض. نأمل. نؤجّل.
ربحية تحت الضغط
في جانب الربحية، المشهد هشّ بدوره. بعض البنوك ما تزال تحقق عوائد مقبولة، لكن الاتجاه نحو التآكل. رفع الضريبة على أرباح البنوك إلى 40٪، إلى جانب سقوف تنظيمية للفوائد، يضغط بقوة على الهوامش. الربحية موجودة، لكنها غير متوازنة، مقيّدة، وأكثر ارتباطًا بقرارات إدارية غير متوقعة.
خلاصة
يبدو النظام البنكي التونسي عملاقًا موصولًا بالمحاليل. يكبر دون أن يقوى. يُقرض، لكن بشكل سيّئ. يستمر، بثمن انكشاف متزايد على الخطر السيادي، وتدهور جودة الأصول، وضعف الشفافية.
السؤال ليس: هل ما تزال البنوك واقفة؟
السؤال الحقيقي: إلى متى يمكن الخلط بين الاستقرار والجمود، وبين تضخّم الميزانيات والصحة المالية؟
حين تعجز الدولة عن الاقتراض، أو تشتدّ أزمة السيولة، أو تنفجر القروض المتعثرة، لن يبقى الكثير من هذا الأداء الواجهاتي. ولن تكون الأزمة البنكية مفاجأة؛ ستكون موثّقة سلفًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن إلا تفسير التضخم الكبير في السيولة بالسوق (27 مليار دينار)، بالتوازي مع ازدهار سوق الصرف الموازية.
الخلاصة التنفيذية: خمس قنابل موقوتة
1. اعتماد مفرط على الدولة
في سبتمبر 2025، بلغت حصة القروض الموجهة للقطاع العام 21,9٪ مقابل 9,1٪ في 2015. خلال التسعة أشهر الأولى من 2025، نمت قروض الدولة بأكثر من 30٪ مقابل 3٪ فقط للقطاع الخاص. المصدر: BMI – Fitch Solutions.
2. قروض متعثرة بمستوى نظامي
بلغت نسبة القروض غير العاملة 14,7٪ في مارس 2025. ثلاثة من أكبر سبعة بنوك تفوق فيها النسبة 10٪، أي أعلى بكثير من معايير المنطقة. المصدر: BMI – Fitch Solutions.
3. معدل قروض/ودائع هو الأعلى إقليميًا
وصل إلى 155,4٪ في 2025، مع توقعات تفوق 150٪ حتى 2030، ما يعرّض البنوك لتوترات سيولة حادّة. المصدر: BMI – Fitch Solutions.
4. عتمة مقلقة حول متانة رأس المال
غياب نشر نسب كفاية رأس المال، واعتماد إطار قريب من بازل I بدل بازل III، يجعل تقييم صلابة النظام مستحيلًا. المصدر: BMI – Fitch Solutions.
5. ربحية تحت ضغط سياسي وجبائي
منذ جانفي 2025 ارتفعت الضريبة على أرباح البنوك من 35٪ إلى 40٪، مع إلزام بخفض فوائد بعض القروض القائمة حتى 50٪، ما ضغط الهوامش وربط الربحية بقرارات إدارية. المصدر: BMI – Fitch Solutions.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 322826