الرهدانة في تونس
نورالدين بن منصور
في اللهجة التونسية، الكلمة هي الرهدان وجمعها الرهدانة. والكلمة جلبها الأندلسيون إلى تونس، وجاءت من (الرهدَن) وهو في المغرب بائع العتيقات (أنتيكا) والألبسة والأشياء المستعملة، يجول في الأحياء ومن مكان إلى آخر. وكان الرهادنة من اليهود، وشاعت الكلمة وصارت يترهدن أي يتشبّه باليهود في التظاهر بالضعف والمسكنة لتنفق بضاعته، إلى أن صارت نوعًا من الحِرفة.
وانتشرت الكلمة في تونس مع حلول الأندلسيين، وتكوّنت منها بعض الكلمات مثل الترهدين والرهدان وغيرها.
أصل كلمة رهدن
جاءت كلمة رهدن في لسان العرب بمعنى أبطأ وتراخى في المشي الطري، وفي العامية التونسية تعني ينافق – يتدلّل.
إنّ التفسير لاسم الرهدانيين أو الرادانيين أو الرودانيين في وادي الرون، أنهم كانوا تجارًا يتنقّلون بين أوروبا الغربية والصين، وكانت بعض طرقهم تنطلق من ميناء مرسيليا أو من ساحل إيطاليا. موانئ بروفانس وسبتيمانيا ضمّت مجتمعات يهودية نشطة في ميدان التجارة خلال العصور الوسطى. وكانت هناك تجارة بحرية لليهود بين مرسيليا ونيس، وأخرى بين مرسيليا وروما ونابولي في القرن السادس. وحسب جيستا كارولي، فإنه في نهاية القرن التاسع، وفيما يتعلق بالقوارب التي شوهدت على ساحل ناربونيز، كان هناك خلط بين التجار اليهود أو الأفارقة أو البريتونيين والنورمان المعادين.
نشأة حرفة الرهادنة
حوالي 1200 قبل الميلاد، جاء المستوطنون اليهود الأوائل إلى شبه إسبانيا الحالية مع القرطاجيين. وأقدم دليل هو خاتم عُثر عليه بالقرب من قادس من القرن السابع قبل الميلاد، بنقش عبري مبكر. وكانت إسبانيا تُكنّى آنذاك هاسبانيا أي أرض الأرانب، وهو اسم أطلقه القرطاجيون على تلك المنطقة.
تم ذكر الروابط التجارية اليهودية مع تارسيس، التي تُعرف باسم تارتسوس السلتيبيرية في الأندلس والبرتغال وإكستريمادورا اليوم، وتعاونت مع القرطاجيين حتى حوالي 500 قبل الميلاد.
نشاط اليهود الرهادنة
كان نشاط التجار اليهود من أهم وسائل ما يُسمّى اليوم الجوسسة، أي نقل الرسائل إلى أماكن وأشخاص معيّنين. وتتسم الشهادات التي تتعلق بتحركاتهم، كحاملي رسائل أو مبعوثين أو سفراء أو مسافرين عاديين، بطابع الاستمرارية.
ومن الأمثلة مشاركة اليهودي إسحاق في السفارة التي أرسلها شارلمان إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد ببغداد، أو في القرن العاشر، في رحلات الجغرافي اليهودي الإسباني ابن يعقوب.
إن ذكر التجار اليهود الرهدانيين في كتاب الطرق والممالك لابن خردادبة، في بلاد فارس بين عامي 846 و885، قد تسبب في إشعال الموقف. ينقل ابن خردادبة أن:
تميّز الرهادنة
فرضت النخبة المثقفة من المتعلمين الأندلسيين تفوقها الثقافي والاقتصادي على يهود المغرب العربي. ومن أهم مميزات التجار الرهادنة أنهم يتقنون عدة لغات، وهم على اتصال دائم بموانئ البحر الأبيض المتوسط.
ويُميَّز هؤلاء اليهود الإسبان أحيانًا عن اليهود «الأصليين»، كما هو الحال في تونس، حيث شكّلوا مجتمعًا منفصلًا، إذ سكنوا مناطق حضرية أكثر ازدهارًا، وخاصة لافايات وحلق الوادي. أما اليهود العاديون فسكنوا ما يُسمّى الحارة في منطقة الحفصية، وهي منطقة شعبية.
وفي تونس نجد عائلات لومبروسو وكارتوسو وبوكارة وفالنسي، وقد جاء معظمهم من ليفورنو بإيطاليا.
توجد أحياء يهودية منفصلة في كل مكان. وفي نهاية القرن السادس، في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، تحسّن وضع اليهود في المغرب العربي.
الاستعمار الفرنسي
أدّى الاستعمار الفرنسي عام 1830 إلى فصل اليهود عن المسلمين. وقد حسّنت فرنسا من وضعهم الأدنى (أهل الذمّة). ومنح مرسوم كريميو الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر عام 1870، وقد شاركوا لاحقًا في القتال خلال حرب 1914–1918 في الدردنيل.
تجارة الرقيق والرهادن
في القرن الحادي عشر، لاحظ المؤرخ العربي البكري أنه في أوداغست (موريتانيا الحالية) كانت هناك «نساء سوداوات ماهرات في الطبخ، تبلغ قيمة كل واحدة منهن مئة مثقال على الأقل في السوق، وذلك لأنهن كنّ يُجدن إعداد معجنات رائعة: نوجا الجوز، وكعك العسل، وغيرها».
كان الرهادنة من أهم تجار الرقيق، وهم حلقة الوصل في هذا النوع من التجارة.
في القرن الثاني عشر، شملت المدن التي بيع فيها الرقيق المسيحيون: القسطنطينية، الجزائر، تطوان، فاس، مراكش، سلا، تونس، طرابلس، القاهرة، الإسكندرية، إزمير، وسالونيك.
وشملت المدن التي بيع فيها العبيد المسلمون: ميسينا، البندقية، نابولي، جنوة، مالقة، بالما، فالنسيا، إشبيلية، ولشبونة.
في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت البندقية من أكثر أسواق الرقيق نشاطًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وكان العبيد يأتون أساسًا من السواحل الشمالية للبحر الأسود والقوقاز. كما وُجدت أسواق للرقيق في جنوة وراغوزا، حيث كان يُباع البوسنيون أتباع البوغوميلية، الذين اعتبرتهم الكنيسة الكاثوليكية زنادقة، وهو ما وفّر ذريعة للتجار الكاثوليك لاستعبادهم.
وفي القرن الخامس عشر، ترك المؤرخ البرتغالي غوميز إيانيس دي زورارا وصفًا لسوق الرقيق في لاغوس بالبرتغال. وكان هذا «السوق للرقيق»، الذي افتُتح عام 1444 بعد رحلة الملاح لانكاروت دي لاغوس إلى إفريقيا، أول سوق رئيسي للرقيق السود في أوروبا.
في اللهجة التونسية، الكلمة هي الرهدان وجمعها الرهدانة. والكلمة جلبها الأندلسيون إلى تونس، وجاءت من (الرهدَن) وهو في المغرب بائع العتيقات (أنتيكا) والألبسة والأشياء المستعملة، يجول في الأحياء ومن مكان إلى آخر. وكان الرهادنة من اليهود، وشاعت الكلمة وصارت يترهدن أي يتشبّه باليهود في التظاهر بالضعف والمسكنة لتنفق بضاعته، إلى أن صارت نوعًا من الحِرفة.
وانتشرت الكلمة في تونس مع حلول الأندلسيين، وتكوّنت منها بعض الكلمات مثل الترهدين والرهدان وغيرها.
أصل كلمة رهدن
جاءت كلمة رهدن في لسان العرب بمعنى أبطأ وتراخى في المشي الطري، وفي العامية التونسية تعني ينافق – يتدلّل.إنّ التفسير لاسم الرهدانيين أو الرادانيين أو الرودانيين في وادي الرون، أنهم كانوا تجارًا يتنقّلون بين أوروبا الغربية والصين، وكانت بعض طرقهم تنطلق من ميناء مرسيليا أو من ساحل إيطاليا. موانئ بروفانس وسبتيمانيا ضمّت مجتمعات يهودية نشطة في ميدان التجارة خلال العصور الوسطى. وكانت هناك تجارة بحرية لليهود بين مرسيليا ونيس، وأخرى بين مرسيليا وروما ونابولي في القرن السادس. وحسب جيستا كارولي، فإنه في نهاية القرن التاسع، وفيما يتعلق بالقوارب التي شوهدت على ساحل ناربونيز، كان هناك خلط بين التجار اليهود أو الأفارقة أو البريتونيين والنورمان المعادين.
نشأة حرفة الرهادنة
حوالي 1200 قبل الميلاد، جاء المستوطنون اليهود الأوائل إلى شبه إسبانيا الحالية مع القرطاجيين. وأقدم دليل هو خاتم عُثر عليه بالقرب من قادس من القرن السابع قبل الميلاد، بنقش عبري مبكر. وكانت إسبانيا تُكنّى آنذاك هاسبانيا أي أرض الأرانب، وهو اسم أطلقه القرطاجيون على تلك المنطقة.تم ذكر الروابط التجارية اليهودية مع تارسيس، التي تُعرف باسم تارتسوس السلتيبيرية في الأندلس والبرتغال وإكستريمادورا اليوم، وتعاونت مع القرطاجيين حتى حوالي 500 قبل الميلاد.
نشاط اليهود الرهادنة
كان نشاط التجار اليهود من أهم وسائل ما يُسمّى اليوم الجوسسة، أي نقل الرسائل إلى أماكن وأشخاص معيّنين. وتتسم الشهادات التي تتعلق بتحركاتهم، كحاملي رسائل أو مبعوثين أو سفراء أو مسافرين عاديين، بطابع الاستمرارية.ومن الأمثلة مشاركة اليهودي إسحاق في السفارة التي أرسلها شارلمان إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد ببغداد، أو في القرن العاشر، في رحلات الجغرافي اليهودي الإسباني ابن يعقوب.
إن ذكر التجار اليهود الرهدانيين في كتاب الطرق والممالك لابن خردادبة، في بلاد فارس بين عامي 846 و885، قد تسبب في إشعال الموقف. ينقل ابن خردادبة أن:
«تجار اليهود يُنعتون بمسمّى الرِضانية، يتكلمون العربية والفارسية والروميّة والإفرنجية والأندلسية والسلافية، ويسافرون من الشرق إلى الغرب وبالعكس، برًا وبحرًا، ويستوردون من الغرب الخصيان والعبيد الصغار من كلا الجنسين، والديباج، وجلود القندس، والسمور والفراء، وكذلك السيوف».
تميّز الرهادنة
فرضت النخبة المثقفة من المتعلمين الأندلسيين تفوقها الثقافي والاقتصادي على يهود المغرب العربي. ومن أهم مميزات التجار الرهادنة أنهم يتقنون عدة لغات، وهم على اتصال دائم بموانئ البحر الأبيض المتوسط.ويُميَّز هؤلاء اليهود الإسبان أحيانًا عن اليهود «الأصليين»، كما هو الحال في تونس، حيث شكّلوا مجتمعًا منفصلًا، إذ سكنوا مناطق حضرية أكثر ازدهارًا، وخاصة لافايات وحلق الوادي. أما اليهود العاديون فسكنوا ما يُسمّى الحارة في منطقة الحفصية، وهي منطقة شعبية.
وفي تونس نجد عائلات لومبروسو وكارتوسو وبوكارة وفالنسي، وقد جاء معظمهم من ليفورنو بإيطاليا.
توجد أحياء يهودية منفصلة في كل مكان. وفي نهاية القرن السادس، في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، تحسّن وضع اليهود في المغرب العربي.
الاستعمار الفرنسي
أدّى الاستعمار الفرنسي عام 1830 إلى فصل اليهود عن المسلمين. وقد حسّنت فرنسا من وضعهم الأدنى (أهل الذمّة). ومنح مرسوم كريميو الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر عام 1870، وقد شاركوا لاحقًا في القتال خلال حرب 1914–1918 في الدردنيل.تجارة الرقيق والرهادن
في القرن الحادي عشر، لاحظ المؤرخ العربي البكري أنه في أوداغست (موريتانيا الحالية) كانت هناك «نساء سوداوات ماهرات في الطبخ، تبلغ قيمة كل واحدة منهن مئة مثقال على الأقل في السوق، وذلك لأنهن كنّ يُجدن إعداد معجنات رائعة: نوجا الجوز، وكعك العسل، وغيرها».كان الرهادنة من أهم تجار الرقيق، وهم حلقة الوصل في هذا النوع من التجارة.
في القرن الثاني عشر، شملت المدن التي بيع فيها الرقيق المسيحيون: القسطنطينية، الجزائر، تطوان، فاس، مراكش، سلا، تونس، طرابلس، القاهرة، الإسكندرية، إزمير، وسالونيك.
وشملت المدن التي بيع فيها العبيد المسلمون: ميسينا، البندقية، نابولي، جنوة، مالقة، بالما، فالنسيا، إشبيلية، ولشبونة.
في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت البندقية من أكثر أسواق الرقيق نشاطًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وكان العبيد يأتون أساسًا من السواحل الشمالية للبحر الأسود والقوقاز. كما وُجدت أسواق للرقيق في جنوة وراغوزا، حيث كان يُباع البوسنيون أتباع البوغوميلية، الذين اعتبرتهم الكنيسة الكاثوليكية زنادقة، وهو ما وفّر ذريعة للتجار الكاثوليك لاستعبادهم.
وفي القرن الخامس عشر، ترك المؤرخ البرتغالي غوميز إيانيس دي زورارا وصفًا لسوق الرقيق في لاغوس بالبرتغال. وكان هذا «السوق للرقيق»، الذي افتُتح عام 1444 بعد رحلة الملاح لانكاروت دي لاغوس إلى إفريقيا، أول سوق رئيسي للرقيق السود في أوروبا.







Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 322532