Bookmark article
Publié le Vendredi 23 Janvier 2026 - 07:31
قراءة: 4 د, 37 ث
بقلم: مختار العماري
E4T
بينما كان عشرات التونسيين يخوضون في الوحل (مياه الصرف الصحي) ويغرقون في شوارع تونس خلال شهر جانفي 2026، كانت على بُعد 400 كيلومتر جنوبًا، في جبل مطماطة، منشآت تعود إلى آلاف السنين تواصل عملها المنقذ في صمت.
لقد واصلت الجسور والطوابي – وهي أنظمة ذكية لالتقاط مياه الجريان السطحي – أداء ما تعجز الدولة التونسية الحديثة عن القيام به: التصرّف الرشيد في المياه داخل بلد ينبغي أن تكون فيه كل قطرة مقدسة.
المفارقة قاسية. هذه المنشآت التقليدية، التي شيّدها فلاحون أمازيغ منذ قرون في مناطق لا يتجاوز فيها معدل الأمطار 150 مم سنويًا، ما تزال إلى اليوم تحمي السواحل من الفيضانات المدمّرة القادمة من الجبال. في المقابل، تترك تونس “الحديثة”، بمهندسيها ووزاراتها المتضخّمة وميزانياتها الضخمة، مواطنيها يغرقون بسبب غياب صيانة شبكات الصرف.
الذكاء الهيدروليكي للأجداد
محمد، فلاح يبلغ 63 سنة من توجان، يتأمل الجسور التي ورثها عن جدّه، قائلاً:
“هذه الجدران الحجرية الجافة تلتقط كل قطرة مطر تسقط على الجبل. الماء يتجمع، يتسرّب، ويغذي زيتوننا وتيننا بـ120 مم سنويًا بينما في تونس العاصمة، بـ450 مم، يغرقون. فسّروا لي المنطق.”
المنطق بسيط: الجسور هي سدود مبنية وفق خطوط الارتفاع، تحجز المياه والرواسب الخصبة التي يجرفها السيل. شبكة جسور مصممة جيدًا قادرة على:
* إبطاء السيول الجارفة
* تمكين تسرب 60 إلى 80% من المياه
* خلق جيوب تربة زراعية في بيئة جافة
* حماية المناطق السفلى من الفيضانات
وكل ذلك دون مضخات، دون كهرباء، دون تقنيين، فقط بالحجر والملاحظة والذكاء.
تشير التقديرات إلى أن جنوب تونس لا يزال يضم بين 30 و40 ألف جسـر صالح للعمل، تغطي نحو 250 ألف هكتار. هذه المنشآت تحجز سنويًا عشرات ملايين الأمتار المكعبة من المياه، أي ما يعادل عدة سدود حديثة كانت ستكلف مئات ملايين الدنانير.
الدرع المنسي للساحل
فاطمة، أستاذة من قابس، تستحضر فيضانات 2018:
“كان كبار السن يقولون: لولا جسور مطماطة، لجرف الوادي كل شيء. هذه الجدران غير المرئية على بعد 60 كيلومترًا تحمينا. وماذا نفعل نحن لحمايتها؟ لا شيء.”
وهي محقة. فالجسور تعمل كنظام هيدروليكي إقليمي متكامل. عند الأمطار الغزيرة التي تحول أودية الجنوب إلى سيول هائجة، يحتجز كل جسر جزءًا من المياه ويخفف حدّة التدفق.
دون هذه الآلاف من السدود الصغيرة الموزعة على السفوح، كانت مدن مثل قابس ومدنين وجرجيس ستشهد فيضانات كارثية مع كل عاصفة.
يوسف، مهندس موارد مائية بالمعهد الوطني للفلاحة، يؤكد:
“نماذجنا تُظهر أن شبكة جسور بحالة جيدة يمكن أن تخفض ذروة السيل بنسبة 40 إلى 60%. هذا رقم ضخم. يعادل منشآت إسمنتية بمئات ملايين الدنانير. الفرق أن الجسور موجودة أصلًا… ومجانية. فقط تحتاج إلى صيانة.”
الإهمال الإجرامي
لكن الدولة التونسية قررت، في “حكمتها”، أن هذه المنشآت لا تستحق الاهتمام. من بين 40 ألف جسر، 30% منها في حالة تدهور متقدمة.
الجدران تنهار، الرواسب تسدّ السعات التخزينية، والشباب يهاجرون إلى المدن تاركين الصيانة التقليدية.
الميزانية السنوية المخصصة لإعادة تأهيل الجسور؟ هزيلة: 2 إلى 3 ملايين دينار فقط لكل الجنوب.
في المقابل، تهدر الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه 164 مليون متر مكعب سنويًا بسبب التسربات، أي 26% من إنتاجها، وهو ما يعادل ما تخزنه كل جسور تونس مجتمعة.
سالم، إطار تنمية فلاحية بمدنين، يقول بمرارة:
“نطلب 50 ألف دينار لإصلاح شبكة جسور تحمي منحدرًا كاملًا، فيُقال لنا لا توجد ميزانية. ثم أرى في التلفاز انتداب 500 موظف جديد بالوزارة. موظفون لإدارة ماذا؟ زحف الصحراء؟”
المواطن شريك في الجريمة
لكن الدولة ليست وحدها المذنبة. المواطن التونسي أصبح مسرفًا مرضيًا في بلد يعاني ضغطًا مائيًا حادًا. في تونس العاصمة، يتجاوز الاستهلاك الفردي 120 لترًا يوميًا، مقابل 100 لتر في باريس.
ليلى، من المرسى، تغسل سيارتها كل أحد بالخرطوم:
“هذا حقي، أدفع الفاتورة.”
فاتورتها: 25 دينارًا لـ15 مترًا مكعبًا. بهذا السعر المدعّم، لماذا الاقتصاد؟
في المقابل، فلاح من مطماطة يزرع الزيتون بـ120 مم سنويًا، مستغلًا كل قطرة.
الحمّامات ومحطات غسل السيارات تستهلك دون حساب. التسربات المنزلية لا تُصلح. الحدائق تُسقى ظهرًا بمياه الشرب. المسابح الخاصة تتكاثر، بينما انخفض نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة من 500 م³ سنة 1990 إلى أقل من 400 م³ اليوم، أي دون عتبة الإجهاد المائي المطلق.
كريم، سبّاك من سوسة، يقول:
“عندي حرفاء عندهم تسرب في المرحاض منذ أشهر، 240 لترًا يوميًا تهدر. لا يصلحونه لأن الماء رخيص. لو كان بسعره الحقيقي لاتصلوا في الساعة نفسها.”
ثمن الجحود
الجسور تعلمنا أربع دروس ترفض تونس الحديثة تعلّمها:
الدرس الأول: كل قطرة مهمة. في الجنوب، 150 مم تعيش بها مجتمعات كاملة. في الشمال، 450 مم تقتل.
الدرس الثاني: الصيانة أهم من الاستثمار. جسر مُعتنى به يعمل قرونًا، سد حديث يُهمل ينهار في عقود.
الدرس الثالث: اللامركزية الذكية تتفوق على المركزية العاجزة. الجسور تُدار محليًا وتنجح. البنى الوطنية تُدار بيروقراطيًا وتُهدر ربع المياه.
الدرس الرابع: التكيّف مع الواقع يتفوق على إنكاره. الأجداد قبلوا بندرة الماء وابتكروا حلولًا. نحن ندّعي وفرته ثم نندهش من نضوبه.
حكم الحجر
هذه الجدران الحجرية الجافة، التي شيدها فلاحون أميون، تفعل لأمن تونس المائي أكثر مما يفعل كل المتخرجين والبيروقراطيين مجتمعين.
تحجز الماء حيث يسقط، تحمي السواحل، تغذي الموائد المائية، تسمح بالزراعة، وتكبح التصحر.
Comments
1 de 1 commentaires pour l'article 322385