قصة التوافق..

Samedi 21 Septembre 2019



Samedi 21 Septembre 2019
نصرالدين السويلمي

إذا قررنا أن نقيس التجربة التونسية بمحيطها، ونعتمد محاكاة تجربة بتجربة أو تجربة بتجارب، فلا مناص من استحضار التجربة المصرية وماذا فعلت الدولة العميقة ومكينة الحزب الوطني والمعارضة لقرار الجماهير وخيار الصناديق، واين توجد الآن 25 يناير؟ واين المعارضة بيمينها ويسارها وسائر تشكيلاتها، اين التيار القومي"الكرامة" الذي تحول الى مهزلة، حتى إن عمرو أديب في رده على تهديد حزب صباحي بتجميد نفسه، احتجاجا على الوضع السائد قال "يعني هو كان سائل عشان يجمد". وكذا وجب استحضار التجربة الليبية التي حاولت فيها الثورة المرور القوي باستعمال وهج الكتائب المسلحة لكنها انتكست ثم فشلت حتى في التوافق، انخرطت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والوجهاء والأعيان والقبائل.. الكل انخرط في تقريب وجهات النظر لبناء حالة توافق فلم يفلحوا، حتى أصبح المطلوب رقم واحد اليوم في ليبيا هو التوافق تحت شعار لا للإقصاء.


الثورة اليمنية بدورها تجاوزت مرحلة سحق الازلام وتصفية الخصوم والتمكين المظفر للثورة النقية، الكل يطلب التوافق مع الكل، لكن الحسابات الإقليمية والطمع الطائفي ومجنون المنشار وضبع النفط، يرفضون فكرة الإسهام في إرساء التوافق كما يرفضون ترك التوافق وحاله، بل يقطعون الطريق عن أي محاولة او شبهة محاولة للتوافق، حتى ان بعض اللقاءات المحدودة بين فرقاء الساحة اليمنية في ضاحية من ضواحي بيروت تفطن لها محمد بن زايد واعتبرها خيانة وعاقب بعض أطرافها اللقاء الذي لم يأخذ التأشيرة من أبو ظبي.

في الجزائر يتكفل العسكر برسم الطريق، ليس خارطة الطريق بل الطريق الى الانتخابات كما ترتضيها النياشين، بينما التوافق مازال بعيد المنال، مازالت الأطراف غير قادرة على بناء فكرة جامعة أو صياغة مسودة توافق اولية. نفس الأمر في السودان، أُنجز التوافق ! لكنّه لم بُنجز بين قوى مدنية مدنية، بل تمّ بين بعض القوى المدنية والعسكر!!! أي نعم العسكر الذي ثار عليه الشعب هو الذي توافق مع بعض ممثلي الشعب! ويضطلع بنصيب الأسد في صياغة معالم المرحلة الانتقالية، وبعض أبناء تونس يثمنون ذلك ويتوسعون في الإعجاب ثم يلتفتون إلى هنا، ويصرخون في وجه ثورة سبعطاش ديسمبر"شوفوا الثورات بالحق في السودان، موش الانبطاح والتوافق"!
في الاثناء بعض الذين يلعنون التوافق في تونس و ينهشون به النهضة وزعيمها ، كل ما التقى السراج بحفتر يرفعون أكف التضرع "اللّهم ألف بين قلوب الليبيين واحقن دماءهم"، ثم و خلال ساعات المفاوضات الحرجة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري السوداني، تلهج الالسن بالدعاء اللهم سدد الثورة السودانية، اللهم وفقهم في توقيع اتفاق التوافق"! إنه الدعاء حين يبارك اتفاق المدني مع العسكري! 5 من مدنيين و5 من قيادات الجيش على رأسهم الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري، نائب رئيس المجلس العسكري الفريق محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي"، الفريق ياسر العطا وغيرهم، احد هؤلاء الجنرالات يتحمل المسؤولية كاملة على مجزرة "القيادة العامة"، البعض في بلادنا تستهويه التوافقات تحت حراب العسكر، ويجرم التوافقات تحت ظلال الديمقراطية.
يتسول حمدين صباحي"المدني" قطعة توافق صغيرة في حجم الخيبة، يرفضها السيسي العسكري، ويدعوه الى الالتحاق بركب بناء مصر تحت لوائه، ليس بعيدا عن مصر وعلى ضفة النيل الأخرى يعبّر الناطق الرسمي باسم تجمع المهنيين السودانيين الدكتور أمجد فريد الطيب عن سعادته بإنجاز اتفاقية التوافق بين قوى الثورة والمجلس العسكري تحت هيمنة محمد حمدان دقلو –حميدتي- او ما يلقب في السودان براعي الإبل.. يستبشر البعض في تونس بالتوافق المدني العسكري في السودان الذي تم في الثكنات وتحت حراب الجيش، ثم يلتفتون الى التوافق التونسي الذي فرضته صناديق الاقتراع النزيهة والشفافة، فيلعنونه لعنا كبيرا ويهرسلون عقوله المدبرة!
*كل هذا لا يعنينا، نحن في تونس حالة فريدة لا تقارن بغيرها، هكذا يرد البعض!

لا بأس، لنتعامل مع بلادنا كهبة من رب الكون مفصولة عن تسونامي الصراعات والمؤامرات والاكراهات والتوازنات، لنفترض أن مناخات التخصيب التاريخي الثقافي السياسي الفكري غير مناخات الجوار والجوار القريب والجوار الملاصق، لنسلم بكل ذلك وأكثر من ذلك، ونستدعي فقط حيثيات الداخل التونسي لا غير. إذا لنقف على معارك 2013 وانسحابات النهضة المتأنية والمدروسة، ثم مقايضتها لقوى الثورة المضادة بالمرحلة الأخير من الانسحاب مقابل التوقيع على الدستور، ولا انسحاب دون إنهاء عملية الختم والاحتفال بذلك بمشاركة الرؤساء الثلاثة وتحت رعاية المجلس الوطني التأسيسي، لنتذكر جيدا ان النهضة لم تكن في مواجهة السيستام فقط ، بل كانت في مواجهة الاتحاد ويسار الاستئصال وقوى التشبيح، تلك القوى التي كانت احرس من منظومة بن علي على حل النهضة وتجريمها وقتل 20 ألف من انصارها! هذه القوى التي تدعو الى سحل أنصار الحزب الأول في البلاد وتقتيلهم على خلفية انتصارهم في الانتخابات ثم على شرط ارتباطهم المستفز بالهوية، تلك القوى الدموية هي التي يتحدث البعض على ضرورة احتماء النهضة بها ومقاطعتها للنداء والسبسي والمنظومة العائدة، في حين عادت المنظومة على ظهر البغال النقابية اليسارية التشبيحية ! فكيف بها اذا ركنت النهضة الى من يطلب دمها بشراهةّ ؟ ليس ذلك كل شيء، الغريب ان ثلاثي الاستئصال والحقد اشترط على السبسي عدم التوافق مع النهضة!!! إذًا وإذا ما اختارت النهضة المعارضة، لن تجد خصومها في المعارضة بل سينتقلون الى السلطة لتصفيتها ومن ثم تصفية التجربة ككل.
*كان على النهضة أن لا تقبل بالتوافق مع النداء وان تتحد مع قوى المعارضة لإضعاف المنظومة العائدة كما أضعفت هي وحلفائها الترويكا!!!

حين تكون النهضة في طريقها الى المعارضة، ستكون المعارضة قد انتقلت مع النداء الى السلطة، لكن لنفترض أن ذلك لن يحصل، هل ستتعاون النهضة مع الجبهة الشعبية ومع الاتحاد بعمقه الوطدي التشبيحي، ثم هل ستتعاون القوى التي تمنت نقل مجازر السيسي الى تونس واستجدت البيان الأول من جيشنا الوطني وأعادت منظومة بن علي الى السلطة وقطعت الطريق على المرزوقي لصالح السبسي، ورحلت مرارا الى سفاح الشام لتهنئته بانتصار براميله المتفجرة على الشعب السوري، ووصفت القذافي بالشهيد والثورة الليبية بالخيانة وشنعت بقطر على مساعدتها للدولة التونسية بعد الثورة ودخلت في عداوة مع تركيا التي وفرت لجيشنا معدات متقدمة لمحاربة الإرهاب ونبذت الجزيرة لأنها لم تقم بتغطية عادلة خلال مداولات الثورة التونسية و انحازت إلى الشارع.. هل ستتعاون تلك القوى بتلك المواصفات مع النهضة لحماية الثورة!

ثم هل تدرك انت وانتِ ان مواقف الباجي قائد السبسي من النزاع في ليبيا وفي سوريا كانت أكثر توازنا من قوى الاستئصال الأحمر وجحافل التشبيح والتنقيب الهائج، هل تدرك ان الرئيس الراحل لم يذكر ولا حتى أشار الى الانقلابات من قريب ولا من بعيد وان الأوبئة استجدت الثكنات وسال لعابها على أحذية العسكر! ثم هل تعلم ان الباجي اكد في لقاء تلفزيوني أن تركيا وقطر من أكبر الدول التي ساعدت تونس خلال انتقالها الديمقراطي، وان قوى الحقد الداكن انحازت لابو ظبي ضد قطر وطالبت السبسي بذلك، وان قوى الموت كانت تقيس نجاح السبسي بقدرته على تقليم النهضة وظلت طوال 4 سنوات تلح على تبني ملفات مشبوهة تدين النهضة تمهيدا لحلها! وان الكثير من غربان الثورجوت المزور التي تتحامل اليوم على النهضة وتألّب عليها قواعدها تعتبر حمة من وجوه الانتقال الديمقراطي ومن رموز الثورة وتنكر ذلك على الحركة التي نجرت من لحمها لتحافظ على توازن المركب!

الم تكن الصورة تشير الى تجمعات كارثية يسارية تجمعية مالية اعلامية نقابية توافقت على وضع جميع بيضها في سلة السبسي، الم ترسل الامارات سيارات المرسيدس الى رئيس النداء استعدادا للاتفاق الوشيك، ألم تصل ملايين الدولارات كدفعة أولى على الحساب لجبهة الانقاذ، ألم يبشر ضاحي خلفان في تدوينة بعد انقلاب مصر "قريبا تونس.." ألم يقل كبير دهاقنة الاعلام العسكري في مصر "لسه تونس ونخلص.."، ثم ماذا وقع حتى سقط كل ذلك في الماء؟! من أنقذ السبسي من سوء الخاتمة، كيف دفن بورقيبة في صمت ودفن بن علي في صحراء الحجاز وأقيمت للسبسي جنازة وطنية مهيبة واستحسن غالب الطيف سياساته؟ من دخل على الخط وعوض الإمارات وقوى الانقلابات وجحافل الخيانات وشجع السبسي على التسلح بــ"الكوراج" الوطني، من قلص غريزة التدمير لدى المنظومة، من جعلها تتدافع على السلطة ونزع عنها الخوف من الآخر ودفعها الى الاشتباك فيما بينها.. ألم يقل النداء حين كان ينزع عند موتته الإكلينيكية "ان النهضة قبلتني في فمي.. فقطعت لي شفتي..".


  
  
     
  
festival-d6c9bc742abff495baef9bafbd96dcb5-2019-09-21 22:50:17






0 de 0 commentaires pour l'article 189548






Présidentielles 2019
Législatives 2019
En continu


الأحد 13 أكتوبر 2019 | 14 صفر 1441
العشاءالمغربالعصرالظهرالشروقالفجر
19:14 17:48 15:18 12:13 06:25 04:58

24°
24° % 73 :الرطــوبة
تونــس 23°
2.6 كم/س
:الــرياح

الأحدالاثنينالثلاثاءالأربعاءالخميس
24°-2330°-2227°-2124°-1926°-19









Derniers Commentaires