برقيّة إلى سيادة رئيس الجمهورية
الصحبي صمارة
الساعة الآن تُشير إلى التاسعة مساء وخمسين دقيقة، من يوم الأحد الموافق لـ 24 ديسمبر 2017 حيث يتكثّف ضجيج منبّهات الصوت في المئات من السيارات بعدد من أحياء العاصمة تعبيرا عن استبشارهم بقرارك إيقاف الرّحلات الجوية بين المطارات التونسية والإماراتية ذهابا وإيّابا.
أعرف جيّدا أنّك وحدك من اتّخذ القرار وأنّ رئيس الحكومة تولّى فقط ترجمته للسيد وزير النّقل، بعد أن تساءل مرتبكا عن تداعيات القرار، وأضنّ أنّ السيد الوزير أعلمه بشرعية القرار وبأنّ المنظّمة الدولية للطيران المدني "إيكاو" والمجلس الدولي للمطارات ستقفان إلى جانب القرار التونسي وقد تتولّى المنظّمة معاقبة الطرف الإماراتي وفقا لاتفاقية شيكاغو ووفقا للقانون الدولي المنظّم لحقّ تنقّل الأشخاص. فضلا عن أنّ الطابع العنصري للقرار الذي يستهدف حرائر تونس قد يتّخذ بعدا سياسيا لدى منظّمة الأمم المتّحدة التي عاقبت لتوّها ترامب بسبب غطرسته إزاء القدس فما بالك بمعاقبة آل زايد وهم مجرّد خدم مطيعين لجاريد كوشنر صهر ترامب.
سيدي الرئيس
تبعا لهذا القرار الذي اتّخذته، أتوجّه إليك بهذه البرقيّة مؤكّدا فيها كمواطن تونسي أنّي مستعدّ للتضحية بحياتي مقابل وضع حدّ للتدخّليّة السافرة والعنجهيّة الفاقدة لكلّ أخلاق سياسية والتي تغلغلت بين ثنايا بلادنا في عدد من الفضاءات الحيوية. فالتدخّل الإماراتي لم يقف عند حدّ تمويل ثلّة من الوشاة المشرفين على بعض الأحزاب والجمعيات ولم يقف عند ثلّة من المرتزقة من منشّطي البرامج الإعلامية المزيّفة للحقائق وإنّما طال تجنيدا ممنهجا لتونسيين بغرض ارتكاب أعمال إرهابية في بلادنا. بل إنّ الأمر وصل حدّ تجنيد جنسيات أخرى لمقيمين في تونس ولبعض من حصلوا منذ سنوات على الجنسية التونسية وتحوّلوا إلى منظّرين وموجّهين داخل الساحة السياسية والإعلامية التونسية.
سيدي الرئيس
طبعا لا أقتصر في هذا الموقف، الذي يساند قرارك، على دولة الإمارات وإنّما هو موقف مبدئي أعبّر عنه بكلّ فخر تجاه كافّة ضروب التدخّل في شأننا الوطني على حدّ السواء من أي دولة كانت ومهما كان نفوذها إقليميا أو دوليّا. ولكنّ الخارطة السياسية تكشف أنواعا من التدخّل منها ما هو مبني على مصالح مشتركة وتبادل للمعطيات وتقاطع في الأهداف ومنها ما هو ذو صبغة إملائية بما يتضمّنه من أصناف الابتزاز والمقايضة وفرض الأمر الواقع وغيرها من الأساليب. ومن الواضح أنّ تعاطي المسيّرين لإمارة أبو ظبي مع الشأن التونسي كان منذ البداية وتحديدا سنة 2011 مبنيا على نوع من الاستضعاف للدولة التونسية نتيجة وضعها الاقتصادي الصّعب وهو ما اعتبره آل زايد أرضية خصبة لممارسة نوع من الوصاية على القرار السيادي الوطني في بلادنا.
لقد سمح لهم المهدي جمعة طيلة سنة كاملة بأن يرتعوا في بلادنا كما شاؤوا وحاول محسن مرزوق أن يوظّف حزب نداء تونس في نفس الاتّجاه لكنّ الوطنيين في الحزب رفضوا ذلك. كما أجرى ياسين ابراهيم اتّصالاته بوسيط آل زايد المدعو محمد دحلان، المطارد من السلطة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية على حدّ السواء، للحصول على دعم إقليمي له كما عملت جمعيّات تتدّعي خدمة الشهداء وأخرى تدّعي مهمّة البحوث الأمنية والدراسات على توفير مادة معلوماتية دقيقة عن الوضع التونسي مقابل تمويلات هذا طبعا دون ذكر بعض الأحزاب الميكروسكوبية التي تتلقّى عبر "السكايب" ما تصرّح به من مواقف.
سيدي الرئيس
لا يزال الهدف الإماراتي الرئيسي في تونس هو الديمقراطية الناشئة في بلادنا وذلك نتيجة لخوف بنيوي داخلي استندت إليه المؤسسة السياسية الإماراتية وخصوصا إمارتي أبو ظبي ودبي. مردّ هذا الخوف إلى أنّ الأغلبية من المواطنين الإماراتيين لديهم نزوع شعبي باتّجاه تغيير عائلات الحكم وطبيعة النظام وهو ما يمثّل تهديدا مستمرّا للنظام الإماراتي من احتمالات حراك شعبي قد يطيح به. وعلى هذا الأساس فإنّ الهدف الإماراتي الرئيس في تونس هو إفشال التجربة الديمقراطية التونسية التي جمعت العلمانيين بالإسلاميين تحت سقف احترام الدولة التونسية وقوانينها ونظمها وهويّتها ووضعت حدّا لمعاناة السياسيين بسبب آرائهم أيّا كانت طالما هي في إطار القانون.
يعتقد صنّاع القرار الإماراتي أن تصدير أزمتهم الداخلية عبر تمويل الانقلابات وتخريب الديمقراطيات هو نوع من الوقاية الجغراسياسية وهو ما رفضته تونس. ولعل الفرق الجوهريّ بين تونس والإمارات هو أن تونس دولة لها من العمر آلاف السنين ولها تقاليد ثقافية تسمح لها بتجذير مفهوم المواطنة وتحقيقه بينما لا تزال مرتبة المواطنة بعيدة المنال في ظلّ أنماط الحكم العشائري.
لم يفهم صنّاع القرار الإماراتي وخصوصا في إمارتي أبو ظبي ودبي أنّ دولة المواطنة تعكس أرفع تجلّيات الأخلاق السياسية وأهمّها الحرّية والكرامة الإنسانية وذلك لصغر سنّ دولتهم ولبقائها رهينة مصالح نفوذ عشائري وعائلي ضيّق واستبدادي. ولعلّ ارتكاب أبناء زايد لجرائم التعذيب تجاه الناس وملاحقة البعض من أمراء هذه العائلة نساء ورجالا من طرف القضاء الدولي بسبب هذا الصنف من الجرائم دليل على أنّ هناك دهاليز من الجهل صلب مؤسسة الحكم الإماراتية لم تصل إليها بعد الفلسفة السياسية لتضيئها.
سيّدي الرئيس
سياسيا يحتاج قرارك هذا إلى وقفة وطنية جامعة لدعمه ذلك أنّه تذكير معلن بأنّ تونس لا تخضع إلاّ للإرادة الحرّة لمواطنيها، ولعلّ أهمّ إجراء يتبع هذا القرار هو المتعلّق بفتح ملفّ التواطئ الذي مورس من قبل تونسيين بغرض خدمة أجندات سياسية أجنبية في بلادنا. إجراءات من هذا القبيل سوف تكشف لكم سيدي الرئيس أنّ المشهد السياسي والإعلامي والنقابي والجمعياتي مخترق ويتطلّب سياسة صارمة وحازمة بل إنّ الكثير من الصفقات ذات اليافطات الاستثمارية الإماراتية والبحرينية تخفي تورّط مسؤولين رسميين سامين مؤتمنين على أسرار الدولة في السمسرة والتنفّع مقابل التفويت في عناصر السيادة الاقتصادية للدولة.
سيدي الرئيس
آسف إن أطلت عليكم في هذه البرقية لكنّي أودّ أن أعبّر عن مساندتي لكم في هذا القرار ويشرّفني أن أعبّر عن غبطتي كمواطن تونسي عاش لحظة انتصار للسيادة التونسية التي يجب أن تكون نبراسنا، فمهما اختلفنا تحت سقف البيت الوطني يظلّ استقرار تونس وعزّتها ومناعتها مسألة غير قابلة للنقاش ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تصبح الخيانة وجهة نظر.
سيدي الرئيس
لقد استعدت شعوري بالاعتزاز كوني تونسيا وكونك رئيسا منتخبا من أغلبية المواطنين الناخبين وأفتخر بأنّك أثبتّ لنا جميعا أنّك رئيس لكلّ التونسيين كما إنّي على يقين أنّ قرارك هذا سوف يعيد لتونس وزنها الحقيقي بين الدّول وسوف يمتّن لدى التونسيين شعورهم بالانتماء إلى هذا الوطن.
(*) إعلامي
الساعة الآن تُشير إلى التاسعة مساء وخمسين دقيقة، من يوم الأحد الموافق لـ 24 ديسمبر 2017 حيث يتكثّف ضجيج منبّهات الصوت في المئات من السيارات بعدد من أحياء العاصمة تعبيرا عن استبشارهم بقرارك إيقاف الرّحلات الجوية بين المطارات التونسية والإماراتية ذهابا وإيّابا.
أعرف جيّدا أنّك وحدك من اتّخذ القرار وأنّ رئيس الحكومة تولّى فقط ترجمته للسيد وزير النّقل، بعد أن تساءل مرتبكا عن تداعيات القرار، وأضنّ أنّ السيد الوزير أعلمه بشرعية القرار وبأنّ المنظّمة الدولية للطيران المدني "إيكاو" والمجلس الدولي للمطارات ستقفان إلى جانب القرار التونسي وقد تتولّى المنظّمة معاقبة الطرف الإماراتي وفقا لاتفاقية شيكاغو ووفقا للقانون الدولي المنظّم لحقّ تنقّل الأشخاص. فضلا عن أنّ الطابع العنصري للقرار الذي يستهدف حرائر تونس قد يتّخذ بعدا سياسيا لدى منظّمة الأمم المتّحدة التي عاقبت لتوّها ترامب بسبب غطرسته إزاء القدس فما بالك بمعاقبة آل زايد وهم مجرّد خدم مطيعين لجاريد كوشنر صهر ترامب.
سيدي الرئيس
تبعا لهذا القرار الذي اتّخذته، أتوجّه إليك بهذه البرقيّة مؤكّدا فيها كمواطن تونسي أنّي مستعدّ للتضحية بحياتي مقابل وضع حدّ للتدخّليّة السافرة والعنجهيّة الفاقدة لكلّ أخلاق سياسية والتي تغلغلت بين ثنايا بلادنا في عدد من الفضاءات الحيوية. فالتدخّل الإماراتي لم يقف عند حدّ تمويل ثلّة من الوشاة المشرفين على بعض الأحزاب والجمعيات ولم يقف عند ثلّة من المرتزقة من منشّطي البرامج الإعلامية المزيّفة للحقائق وإنّما طال تجنيدا ممنهجا لتونسيين بغرض ارتكاب أعمال إرهابية في بلادنا. بل إنّ الأمر وصل حدّ تجنيد جنسيات أخرى لمقيمين في تونس ولبعض من حصلوا منذ سنوات على الجنسية التونسية وتحوّلوا إلى منظّرين وموجّهين داخل الساحة السياسية والإعلامية التونسية.
سيدي الرئيس
طبعا لا أقتصر في هذا الموقف، الذي يساند قرارك، على دولة الإمارات وإنّما هو موقف مبدئي أعبّر عنه بكلّ فخر تجاه كافّة ضروب التدخّل في شأننا الوطني على حدّ السواء من أي دولة كانت ومهما كان نفوذها إقليميا أو دوليّا. ولكنّ الخارطة السياسية تكشف أنواعا من التدخّل منها ما هو مبني على مصالح مشتركة وتبادل للمعطيات وتقاطع في الأهداف ومنها ما هو ذو صبغة إملائية بما يتضمّنه من أصناف الابتزاز والمقايضة وفرض الأمر الواقع وغيرها من الأساليب. ومن الواضح أنّ تعاطي المسيّرين لإمارة أبو ظبي مع الشأن التونسي كان منذ البداية وتحديدا سنة 2011 مبنيا على نوع من الاستضعاف للدولة التونسية نتيجة وضعها الاقتصادي الصّعب وهو ما اعتبره آل زايد أرضية خصبة لممارسة نوع من الوصاية على القرار السيادي الوطني في بلادنا.
لقد سمح لهم المهدي جمعة طيلة سنة كاملة بأن يرتعوا في بلادنا كما شاؤوا وحاول محسن مرزوق أن يوظّف حزب نداء تونس في نفس الاتّجاه لكنّ الوطنيين في الحزب رفضوا ذلك. كما أجرى ياسين ابراهيم اتّصالاته بوسيط آل زايد المدعو محمد دحلان، المطارد من السلطة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية على حدّ السواء، للحصول على دعم إقليمي له كما عملت جمعيّات تتدّعي خدمة الشهداء وأخرى تدّعي مهمّة البحوث الأمنية والدراسات على توفير مادة معلوماتية دقيقة عن الوضع التونسي مقابل تمويلات هذا طبعا دون ذكر بعض الأحزاب الميكروسكوبية التي تتلقّى عبر "السكايب" ما تصرّح به من مواقف.
سيدي الرئيس
لا يزال الهدف الإماراتي الرئيسي في تونس هو الديمقراطية الناشئة في بلادنا وذلك نتيجة لخوف بنيوي داخلي استندت إليه المؤسسة السياسية الإماراتية وخصوصا إمارتي أبو ظبي ودبي. مردّ هذا الخوف إلى أنّ الأغلبية من المواطنين الإماراتيين لديهم نزوع شعبي باتّجاه تغيير عائلات الحكم وطبيعة النظام وهو ما يمثّل تهديدا مستمرّا للنظام الإماراتي من احتمالات حراك شعبي قد يطيح به. وعلى هذا الأساس فإنّ الهدف الإماراتي الرئيس في تونس هو إفشال التجربة الديمقراطية التونسية التي جمعت العلمانيين بالإسلاميين تحت سقف احترام الدولة التونسية وقوانينها ونظمها وهويّتها ووضعت حدّا لمعاناة السياسيين بسبب آرائهم أيّا كانت طالما هي في إطار القانون.
يعتقد صنّاع القرار الإماراتي أن تصدير أزمتهم الداخلية عبر تمويل الانقلابات وتخريب الديمقراطيات هو نوع من الوقاية الجغراسياسية وهو ما رفضته تونس. ولعل الفرق الجوهريّ بين تونس والإمارات هو أن تونس دولة لها من العمر آلاف السنين ولها تقاليد ثقافية تسمح لها بتجذير مفهوم المواطنة وتحقيقه بينما لا تزال مرتبة المواطنة بعيدة المنال في ظلّ أنماط الحكم العشائري.
لم يفهم صنّاع القرار الإماراتي وخصوصا في إمارتي أبو ظبي ودبي أنّ دولة المواطنة تعكس أرفع تجلّيات الأخلاق السياسية وأهمّها الحرّية والكرامة الإنسانية وذلك لصغر سنّ دولتهم ولبقائها رهينة مصالح نفوذ عشائري وعائلي ضيّق واستبدادي. ولعلّ ارتكاب أبناء زايد لجرائم التعذيب تجاه الناس وملاحقة البعض من أمراء هذه العائلة نساء ورجالا من طرف القضاء الدولي بسبب هذا الصنف من الجرائم دليل على أنّ هناك دهاليز من الجهل صلب مؤسسة الحكم الإماراتية لم تصل إليها بعد الفلسفة السياسية لتضيئها.
سيّدي الرئيس
سياسيا يحتاج قرارك هذا إلى وقفة وطنية جامعة لدعمه ذلك أنّه تذكير معلن بأنّ تونس لا تخضع إلاّ للإرادة الحرّة لمواطنيها، ولعلّ أهمّ إجراء يتبع هذا القرار هو المتعلّق بفتح ملفّ التواطئ الذي مورس من قبل تونسيين بغرض خدمة أجندات سياسية أجنبية في بلادنا. إجراءات من هذا القبيل سوف تكشف لكم سيدي الرئيس أنّ المشهد السياسي والإعلامي والنقابي والجمعياتي مخترق ويتطلّب سياسة صارمة وحازمة بل إنّ الكثير من الصفقات ذات اليافطات الاستثمارية الإماراتية والبحرينية تخفي تورّط مسؤولين رسميين سامين مؤتمنين على أسرار الدولة في السمسرة والتنفّع مقابل التفويت في عناصر السيادة الاقتصادية للدولة.
سيدي الرئيس
آسف إن أطلت عليكم في هذه البرقية لكنّي أودّ أن أعبّر عن مساندتي لكم في هذا القرار ويشرّفني أن أعبّر عن غبطتي كمواطن تونسي عاش لحظة انتصار للسيادة التونسية التي يجب أن تكون نبراسنا، فمهما اختلفنا تحت سقف البيت الوطني يظلّ استقرار تونس وعزّتها ومناعتها مسألة غير قابلة للنقاش ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تصبح الخيانة وجهة نظر.
سيدي الرئيس
لقد استعدت شعوري بالاعتزاز كوني تونسيا وكونك رئيسا منتخبا من أغلبية المواطنين الناخبين وأفتخر بأنّك أثبتّ لنا جميعا أنّك رئيس لكلّ التونسيين كما إنّي على يقين أنّ قرارك هذا سوف يعيد لتونس وزنها الحقيقي بين الدّول وسوف يمتّن لدى التونسيين شعورهم بالانتماء إلى هذا الوطن.
(*) إعلامي






Comments
9 de 9 commentaires pour l'article 153069