منوبة: بنمط “البرماكلتشر”.. شاب يحوّل أرض أجداده بالمهرين إلى ضيعة مغذّية بيولوجية ومستدامة

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/699b2934bf05c1.59699751_jopmhnlfikeqg.jpg>


( تحرير نعيمة عويشاوي) - بين حنين قديم لطفولته في حقول أجداده بالمهرين من معتمدية الجديدة بولاية منوبة، وعملية بحث معمّقة ومعرفة دقيقة بالخصائص البيئية والمناخية والاجتماعية   للمنطقة، وجد صاحب شهادة الهندسة الميكانيكية جهاد البيتري ملاذه في نمط "البرما كلتشر" الزراعي الذي تتكامل فيه النظم الزراعية مع الكائنات الحية والحيوانات والانسان وتحافظ على نفسها بشكل ذاتي.  

تفرّد جهاد بفكرة تحويل أراض الأجداد إلى مشروع ضيعة بيولوجية مغذّية ومستدامة، بعد أن فضّل سنة 2011 التوجه إلى الفلاحة عوض مواصلة عمله كمدير تجاري بإحدى الشركات الكبرى، إيمانا منه بأنّ علمه قد يزهر وسط خصب الريف كما يزهر في عالم الاعمال والهندسة، ليستعيض عن مؤشرات الربح بتفاصيل خصوبة التربة، وجودة المحصول، وأثره الصحي والبيئي.


عرّف جهاد  لصحفية وات "مفهوم الضيعة الصغرى المغذيّة، انها فلاحة عائلية تُدار بأساليب مستدامة تمكّنها من إنتاج غذاء صحي ومتنوّع ذي قيمة غذائية عالية، من خلال استغلال المساحات التي لا تتجاوز 7 هكتارات وتنويع المزروعات فيها، واعتماد الأسمدة الطبيعية، والحفاظ على خصوبة التربة، بأسلوب انتاج تقليدي ومسؤول يراعي التغيرات المناخية القادمة.
وأضاف أنّ الضيعة المغذّية تتميّز بتنوّع المزروعات على النمط البيولوجي من خضر وغلال وحبوب، وتتم فيها تربية الحيوانات وإنتاج البيض والحليب واللحومبطرق طبيعية، مع اعتماد الزراعة البيئية أو المستدامة.



انطلق جهاد في مغامرته في سن الـ30 عاما باعتماد أساليب الزراعة البيولوجية، واحترام الدورات الطبيعية للتربة وترشيد استهلاك المياه، فكان الإنتاج شتاء يرتكز على زيت الزيتون، وصيفا على الحبوب والخضروات وكافة مستلزمات "العولة التقليدية "من بهارات وتوابل وهريسة وغيرها.
وخلال نبشه في أسرار "العولة" باعتبارها طقسا من طقوس الريف يحترم دورة المواسم لا مجرد مؤونة تُخزَّن للشتاء، استلهم جهاد الأفكار وطوّرها، ومن جرار الموالح، وأكياس حبوب القمح ومختلف المواد المحولة منها، والاعشاب المجففة، والعسل، والمربي بمختلف مذاقاته، دخلت ضيعته مرحلة جديدة اعتبرها ضرورية وهي أن تصبح "مغذية" تتسرب مذاقات منتوجاتها الى المنازل بالمدينة.
ومن حلقة تضمّ خمس عائلات فقط يزوّدها جهاد دوريّا بالخضر والغلال ومنتوجات العولة وزيت الزيتون وغيرها، اتسعت الدائرة وفق نمو شبكي   منذ 2011 الى أكثر من 60 عائلة، ليتحوّل المشروع إلى مجتمع مصغر غذائي متكامل، تقوم فيه عائلات بنصح عائلات أخرى ليتضاعف العدد طبيعيا، وتضمن  الضيعة دخلا ثابتا واقبالا طويل الأمد، تدعمه علاقة ثقة متبادلة في إطار دورة نموّ مستدامة.
لم يقتصر على الانتاج الزاعي وتربية الماشية، بل بادر بفتح الضيعة في أيام محدّدة لاستقبال العائلات المتعطّشة لهدوء الريف ولأكلاته التقليدية، وللزيارات البيداغوجية لتلاميذ المؤسسات التربوية، ولاحتضان بعض الملتقيات والندوات، بما اعطاها بعدا سياحيا، و بيداغوجيا، وتعليميا يزرع في النفوس احترام الأرض ويغذّي الأجيال بثقافة صحية متجذّرة.
ورغم نجاح التجربة وإشعاعها، يؤكد جهاد أن بدايتها  لم تكن سهلة، لكن بحثه في العمق ودراسته الطويلة للمشروع منذ 2006، حفزاه لتحويل الضيعة إلى نموذج مستدام، امتزج فيه العلم بالشغف، وكان الإنتاج فيها فلسفة قائمة على الاكتفاء، والتضامن، واحترام دورة الطبيعة، وأصبح منتوجها البيولوجي  ذو مكانة في مطابخ العائلات وجزءا من ثقافتها.  
وفي ختام حديثه، وجّه جهاد نصيحة إلى الشباب ممن تتوفر لديهم أراض فلاحية في مختلف الجهات بأن يدرسوا خصائصها ويحوّلوها بالعزيمة والطموح الى مشاريع عائلية مستدامة منتجة وفق أسلوب تدبير يحمي الحاضر ويصون حق الأجيال القادمة، مؤكدا أن العودة إلى الأرض ليست تراجعا عن الطموح، بل نجاحا جديدا ملهما ومرتبطا بالجذور.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 324093

babnet