رضا غراب، فنان ملتزم بالقضايا الاجتماعية والبيئية بعيدا عن الأروقة والتصنيفات المعيارية

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/6961407a290937.84723610_ohnmfelgjiqkp.jpg width=100 align=left border=0>


(وات/خديجة السويسي)- داخل فضاء تتراكم فيه اللوحات والمنحوتات والمواد المرسكلة والمُعدة للرسكلة، اتخذ لنفسه ركنا يُمارس فيه شغفه بتحويل المواد المستعملة إلى أعمال فنية إبداعية ذات طابع متفرد، مصنوعة من الجرائد ومن أنواع مختلفة من الورق وغيره من المواد المرسكلة، فضلا عن العديد من الأعمال الإبداعية الأخرى بلمسات فنية يعكسها جمال التصميم، والالتزام الإنساني تُجاه القضايا الاجتماعية والبيئية.
هو الفنان رضا غراب الذي يرفض التصنيفات والانتماءات الجاهزة، ويرى أن الفن يفقد روحه إن تم تصنيفه ضمن تيار فني ما، كما يعتبر أن "الفن التزام بالأساس وتعبير عن مبادئ وأفكار يحملها الفنان ويُجسدها في أعماله".


فنان صديق للبيئة

رضا غراب، هو فنان تشكيلي اختار لنفسه مسارا خاصا ومختلفا عن السائد، إذ آثر ممارسة فنه بمواد قد لا تلقى أهمية كبرى لدى بقية الفنانين، إذ يُحول كل شيء يلمسه إلى عنصر إبداعي، فيصنع من مجلات المساحات التجارية الكبرى لوحات فنية، ومن "الكراتين" المستعملة منحوتات، ويحول الجرائد والورق المستعمل إلى حلي نسائية، فتصبح كل مادة بين يديه، عنصرا جماليا قابلا للاستعمال.
حول هذه الملكة، أشار رضا غراب في لقاء مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء إلى أنه أحيانا ينتج أشياء لا يعرف كنهها مسبقا إذ يقوده حدسه وموهبته وتمكّنه من آليات التصميم، إلى إنتاج أعمال لم يتوقع بنفسه جماليتها، وهو الذي يرى أن الكائن البشري قادر على فعل الكثير حين يقوم بعمل يُحبه.



في العمل على لوحاته، اختار هذا الفنان تقنية القص واللصق، باستعماله لمادتين أساسيتين هما سراويل "الجينز" القديمة من ماركات عالمية مختلفة، ومجلات الفضاءات التجارية الكُبرى وغيرها من المجلات القديمة، وذلك لتجسيم "جسد الإنسان وتحديدا الحركة" كما اختار التعبير عن الحالات النفسية والقلق والمشاغل وغيرها مما يعيشه الإنسان داخليا، وسعى إلى إبراز هذه الأحاسيس من خلال الملامح وحركة اليدين.

ويرى رضا غراب أن الجسد الإنساني هو الموضوع القادر على إيصال مختلف الأشياء، فحتى في إنجازه للبورتريهات يرفض تلك الجامدة ويسعى دائما لإبراز الحركة وتعبيرات الجسد الإنساني، قائلا "أحاول أن أبرز دائما الحالات النفسية القصوى من خلال الحركة" ويضيف في لقائه مع "وات" "أنا متشبث بالاحتجاج على ما تعيشه الطبيعة من انتهاكات، فالفن بالأساس شكل من أشكال المقاومة والاحتجاج".
يُؤمن رضا غراب أن الفن يجب ألا يكون حكرا على النخبة بل يجب أن يكون في متناول كل إنسان، فهو ممارسة يومية على الجميع الانخراط فيها لأنه يُمكّن من التعبير عن خبايا النفس وإيصال المعنى أكثر من الكلمات ومن الصور.
ويرى أن الفنان مطالب بحث الأفراد على ممارسة الفن دون الاعتماد بالضرورة على أدوات باهظة الثمن، إذ يمكن الاستعانة بالمواد المستعملة في محيطهم مع ضرورة مراعاة الخصوصيات الثقافية لكل منطقة.

مبدع يأبى التصنيف ويحتج على مجتمع الاستهلاك

وفي حديثه عن توجهاته الفنية، يقول رضا الغراب " أنتمي إلى تيار يحتج على المتفق عليه في المجال الفني، فأنا أرفض تسليع الفن، وأطبق هذا في أعمالي فما أنجزه فنيا لا يخضع لأي من المعايير المتفق عليها بدءا بالمواد الأساسية المرسكلة التي لا تتماشى مع المسائل المعيارية ذات العلاقة بالإنتاج الفني" واعتبر أن هذه المواد في حد ذاتها تحمل رسائل فاللوحة، في تقديره، ليست مستقلة ولا معزولة عن المواد التي صُنعت منها. ويوضح قائلا "عندما أُنجز عملا من مجلات المساحات الكُبرى بما تحتويه من إشهار لعلامات تجارية داخلها هو احتجاج على "مجتمع الاستهلاك" الذي عززته هذه العلامات التجارية، لتبيان أنه من الممكن إنجاز عمل فني مقبول جماليا ويحمل التزاما اجتماعيا".
وحول العلاقة بين الاحتجاج على مجتمع الاستهلاك وعمله سابقا في مجال الإشهار لسنوات، أوضح الفنان المبدع رضا غراب أن هذا الخيار هو شكل من أشكال "التكفير" عن سنوات من العمل في مجال ساهم في تعزيز مجتمع الاستهلاك من خلال إشهار المواد التجارية، إذ يرى هذا الفنان أن العلامة التجارية لا تعكس جودة المحتوى، بل إن الجودة يمكن أن تتوفر في مواد تونسية ينتجها حرفيون صغار أكثر من توفرها في "ماركات "عالمية كُبرى.
وبين أن توجهه نحو إنتاج لوحات فنية احتجاجية هو عبارة عن بحث عن "الغفران"، لذلك يقوم في أعماله بقص أسماء الماركات أو قلبها أو تغيير ترتيب حروفها تعبيرا عن الاحتجاج على هذه العلامات التجارية.

بداية نسجتها الأقدار

مولع بالأنشطة اليدوية منذ صغره، وبجمع الأشياء القديمة التي يعيد استعمالها لصنع أشياء أخرى، خاض رضا غراب على مرّ السنوات العديد من التجارب التي ساهمت في صقل موهبته، بدءا بالتكوين الذي تلقاه في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، وتجاربه المهنية المتعددة وأبرزها عمله في مجال الإشهار لما يزيد عن ربع قرن، فضلا عن حبه للترحال والسفر، أين قادته كل رحلة داخل المناطق التونسية للتعرف على خصوصياتها الثقافية، وإلى التشبث بروح فنية تحول كل ما تلمسه يداه إلى عمل إبداعي يتماشى وتراث المنطقة. من ذلك أنه في المناطق المعروفة بإنتاج التُمور يستعمل المواد المستخرجة من النخيل على غرار "السعف".
في لحظة ما من مساره المهني، قرر رضا غراب وضع حد لهذا التوجه الذي يمنعه من تخصيص وقت لممارسة فنه، والتأسيس لمشروع اقتصادي يكون امتدادا لروحه الفنية ويعتمد فيه على ثلاثة مفاهيم أساسية هي، الإيكولوجيا والفن والتصميم، وهو مسار قادته إليه الأقدار من خلال قصة عائلية تجسد قيم التضامن الأسري.
في حديثه عن هذه القصة العائلية، أشار الفنان إلى أنه انطلق في مشروعه من مفارقة طريفة، إذ أخبره ابن شقيقته، باكيا، بأنه كان مطالبا في إطار أنشطته المدرسية باصطحاب شيء للمدرسة، للعرض والبيع في معرض من تنظيم التلاميذ، فسعى الخال إلى إيجاد حل بمساعدته بمعية بقية أفراد العائلة من خلال عقد ورشة أعدوا فيها مجموعة حلي نسائية مصنوعة من الورق، شارك بها الطفل في نشاطه المدرسي، وكانت المفاجأة أنه عاد إليه بمبلغ مالي مقابل بيع مختلف القطع التي نالت إعجاب الجميع. ومن هنا جاءت فكرة بعث مشروع لإنتاج حلي من الورق، واشتغل "الخال - الفنان" على تطوير التصميم أكثر وعلى تحسين الجانب الجمالي، لينطلق في مشروعه الذي تطور عبر الزمن حتى أصبح هذا الفنان اليوم يبتكر العديد من المنتجات الأخرى، ونجح في دخول سوق التصدير، حيث اقتحم بنماذج من الحلي الورقي التي ابتكرها، بعض أسواق الدول الأوروبية.

إيمان بلامعيارية الفن وبضرورة إتاحته للجميع

رضا غراب الذي يعتبر عصامي التكوين في المجال الفني، يؤمن بضرورة نقل المعرفة، مع وجوب توفر الشغف. وفي هذا السياق يُساهم في تأثيث ورشات بيداغوجية في المدارس والجمعيات والجامعات المختصة في الفنون الجميلة، من أجل إبراز لامعيارية الفن إيمانا بأن كل إنسان يمكنه التعبير فنيا، انطلاقا من تجربته وثقافته، معتبرا هذه الورشات مناسبة للتوعية بأهمية المحافظة على الطبيعة عبر التأكيد على ضرورة استخدام مواد صديقة للبيئة.
هذا الفنان الذي يرفض ربط الفن بالشهادات العلمية وبالمنظومات "المقيدة له"، يرفض أيضا عرض أعماله في أروقة الفن التشكيلي، رغبة منه في ألا يكون الفن نخبويا، متشبثا بفكرة أن تكون إبداعاته متاحة للجمهور الواسع في معارض الحرف والصناعات التقليدية وغيرها من الفضاءات التي يزورها المواطنون من مختلف الطبقات والشرائح العمرية، على غرار معرض Upcycl’Art et Design الذي انتظم في دورتين سنتي 2024 و 2025، ويجمع الفنانين المُختصين في الرسكلة.
وكما يحتج رضا غراب على مجتمع الاستهلاك من خلال اعتماد العلامات التجارية الكبرى الموجود في المجلات و"السراويل المصنوعة من الجينز" في لوحاته، فإنه يُعبر عن احتجاجه أيضا من خلال توقيعه بأشكال مختلفة، إذ يعتمد اللون الأحمر على أقمشة "الجينز" في اللوحات بما يحمله هذا اللون من رمزيات ودلالات، من بينها الثورة، فضلا عن كتابة اسمه بحروف العلامات التجارية على اللوحات التي تعتمد المجلات الإشهارية.
وفي صناعة الحلي الورقية، يحتج رضا غراب أيضا على الصحافة والمحتوى الصحفي من خلال استغلال الجرائد في هذه الحلي، معتبرا أنها طريقته الخاصة في الاحتجاج على النظام الإعلامي بشكل عام.
متأثرا بالثقافات الغربية وبلوحات فنانين عالميين على غرار "فان غوغ"، يقوم رضا غراب بمحاكاة لهذه الأعمال لينتج لوحات فنية ذات طابع جمالي، نابعة من تجاربه الشخصية التي راكمها، من مسقط رأسه مدينة غمراسن بالجنوب التونسي، إلى تونس العاصمة حيث يقيم، مرورا بعديد البلدان التي زارها والتي طبعت مسيرة فنان متفرد.



   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 321616

babnet