"صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري": خطوة أولى لرؤية إصلاحية شاملة

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/696e020b24f565.48039329_gpoeqnikmlfjh.jpg width=100 align=left border=0>


منية كواش

تعرف السينما التونسية بأنها نشاط ثقافي يتميّز بقدرات إبداعية وموارد بشرية قوية، وفي نفس الوقت تشكو من قصور هيكلي وأمراض مزمنة، أخطرها يكمن في ارتباطها الوثيق بالدّعم العمومي رغم محدوديته. مما استوجب تحويل هذا النشاط الثقافي إلى صناعة ثقافية لها مقوّمات موضوعية تسمح لها بلعب دور في الحياة الاقتصادية وخلق فرص عمل قارة لمئات الشبان المتخرّجين من المدارس العمومية والخاصة في مختلف مهن السينما والصورة .


استبشر السينمائيون خيرا "بتصويت أغلبية متكوّنة من 74 من نواب الشعب في الجلسة العامة المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، بتاريخ 29 نوفمبر 2025 للمصادقة على إحداث "صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري" بمقتضى الفصل 61 من مشروع قانون المالية في صيغته المعدّلة (مع الشروع في التطبيق في جانفي 2027)، ويعد من أهمّ نقاط مقترح قانون عدد03/2024 المتعلق بالصناعة السينمائية في تونس وقد اشتغلت عليه لجنة السياحة والثقافة منذ حوالي سنتين بعد أن نجح بعض المتخصصين والمتخصصات في السينما من إقناع مجموعة من نوّاب الشعب، بتبنّي هذا الملف، فأصبح من أولويات لجنة السياحة والثقافة بالمجلس.
فما هي أهم ملامح أزمة قطاع السينما التي دفعت إلى أنشاء "صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري"؟ وما هي المراحل التي مرّت بها المبادرة التشريعية؟




تقلص عدد القاعات السينمائية لا يعني عزوف الجمهور على السينما

يشكو قطاع السينما في تونس من سلبيات عديدة ومعوقات هيكلية عميقة، امتدت وتواصلت مما جعل أهل الاختصاص يلقون صيحة فزع. إذ تفاقمت منذ فترة طويلة ظاهرة تقلّص عدد قاعات العرض التجارية من حوالي 100 قاعة مطلع الاستقلال، إلى حوالي 20 قاعة نشطة في 2014.إلا أن المعهد القومي للإحصاء رصد حركة عكسية تدفع إلى تفاؤل حذر، تمثّلت في تصاعد تدريجي وبطيء لقاعات العرض، التي بلغ عددها 31 قاعة سنة 2018 و 41 قاعة سنة2022.
ويرجع الخبراء أسباب تقلّص القاعات إلى انتشار"الشاشة الإلكترونية" الصغرى منذ السبعينات، إذ تحوّلت شاشة جهاز التلفزة إلى "شاشة بديلة"، تعرض أفلاما "مجانا ، بالإضافة إلى تقنية المنصات الرقمية التي تمكن المشتركين من مشاهدة أحدث الأفلام .

الجمهور التونسي جمهور سينمائي بامتياز

والمفرح في الوضع أن هذه السينما لا تزال قائمة ومحافظة على جمهورها الداعم والوفي والمتجدّد أيضا ، تراه متابعا ، منتظما للمهرجانات السينمائية وخاصة أيام قرطاج السينمائية ، بالرغم من سلبيات البنية الأساسية لقطاع السينما التونسية فنلاحظ بالعين المجرّدة مدى إقبال التونسيين ، بأعداد غفيرة على الأفلام التونسية فمن أجلها يعودون ل"الشاشة الكبيرة ". ويصطفون أمام قاعات السينما لمشاهدة ما ينتجه السينمائيون التونسيون من أفلام جديدة ولعل أكبر دليل حيني على ذلك ما حققه فيلم "صاحبك راجل" من إقبال جماهيري غفير حتى أن مخرجه قيس الشقير صرح بأن هذا الفيلم حطّم أرقام الإيرادات في تاريخ السينما التونسية ، مما دفع بمنتجه "مجمع القوبنطيني"على حثه لإنتاج جزء ثان بعنوان "صاحبك راجل 2 الذي عرض في القاعات السينمائية منذ 10/12/ 2025 وقد لقي هو أيضا حضورا جماهيريا كبيرا .

يذكر المعهد القومي للإحصاء، أن مبيعات التذاكر قاربت المليون سنة 2015 لتصل قرابة 4 ملايين تذكرة سنة 2021 ،ثم إنخفضت إلى مليوني تذكرة. أما عدد الأفلام التونسية التي تعرضها القاعات التجارية، فقد سجّل حضورا فعليا على امتداد أكثر من سنة، ولأن الإنتاج السنيمائي التونسي لا يزال متواضعا جعل عروض الأفلام الأجنبية تفوق بكثير عروض الأفلام التونسية .



الحاجة العاجلة إلى تشريعات سينمائية جديدة

عرفت تونس مطلع الستينات محاولة تشريعية رائدة تمثّلت في "مجلة الصناعات السينمائية" (القانون عدد 19 لسنة 1960 Code de l’Industrie Cinématographique)، تنص على إنشاء "صندوق تنمية آلإنتاج السينمائي"، الذي يسمح للبنوك بإسناد قروض لتمويل الأفلام، بضمان من الدولة وفي حدود معينة يضبطها قانون المالية.

وتتفق جميع الأطراف المعنية بقطاع السينما على أن هذه المنظومة التشريعية، وإن كانت رائدة في زمانها فقد تجاوزتها الأحداث، سواء من ناحية تطوّر تقنيات الإنتاج السينمائي في كل مراحله، أو من الناحية التنظيمية ولذلك وجب التفكير في تطويرها، لذلك وبعد نداء واستغاثة ، انطلق منذ سنتين مسار تشريعي، ناتج عن بإقناع واقتناع مجموعة من نواب الشعب، باقتراحات تداولتها الأوساط المهنية السينمائية ، فتبنتها وبدأت في دراستها من أجل تغيير التشريعات السينمائية الجارية في تونس، كمرحلة من مراحل إصلاح شامل للقطاع ولتطويره من نشاط فنّي تغلب عليه الهواية إلى "صناعة سينمائية" لها وزن اقتصادي وقدرة على المساهمة في خلق مواطن شغل في مختلف مهن السينما لتخليص القطاع من تبعية الدعم العمومي.


وهذه أهم مراحل هذا المسار التشريعي :

• 15 فيفري 2024 أحال مكتب مجلس النواب مقترح قانون يتعلق بالصناعة السينمائية في تونس تحت عدد03/2024، إلى لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية بمجلس نواب الشعب.
• الجمعة 21 جوان 2024 ، عقدت لجنة السياحة والثقافة بالبرلمان جلسة استماع إلى جهة المبادرة التشريعية لمشروع قانون عدد،03/2024 المتعلق بالصناعة السينمائية (كتلة "الأحرار").
• 25 نوفمبر 2024 إلى 2 ديسمبر 2024 ، ضمن مناقشات مشروع قانون ميزانية 2025، إقترحت مجموعة من النواب إضافة فصل يتعلّق بإنشاء "صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي" وفضّلت وزارة المالية آنذاك، "توسيع مجال تدخّل صندوق التشجيع والاستثمار في مجال الإبداع الأدبي والفني بعد أن تمّ تنقيحه بمقتضى قانون المالية لسنة 2023، لتشمل تدخلاته مجال الاستثمار في مشاريع القطاع الخاص في الصناعات الثقافية والابداعية لجميع القطاعات الفنّية بما فيها السينما". إلا أن هذا الاقتراح رفض عند التصويت وبأغلبية 70 نائيا.

• الخميس 12 جوان 2025، لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية : عقدت جلسة للاستماع إلى خبراء في مجال الإنتاج السينمائي حول مقترح القانون عدد03/2024 ، المتعلّق بالصناعة السينمائية في تونس.

• الخميس 10 جويلية 2025 ، لجنة السياحة والثقافة بمجلس نواب الشعب تنظّم جلسة استماع للنقابة المستقلّة للمخرجين والمنتجين (السيدة سلمى بكار الرئيسة والسيد إبراهيم لطيّف الكاتب العام) . حول مقترح قانون عدد03/2024 ، المتعلّق بالصناعة السينمائية في تونس.
• السبت 29 نوفمبر 2025 : صادق مجلس نواب الشعب في جلسة عامة على إحداث صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري بمقتضى الفصل 61 في صيغته المعدّلة، وذلك بـ 74 صوتا بنعم و9 محتفظين و40 رافضا.
مجالات تدخّل "الصندوق"
أفرز التعاون بين أهل الاختصاص من السينمائيين ونواب المجلس ولادة "صندوق التشجيع على الاستثمار السينمائي والسمعي البصري" وتمت المصادقة عليه ضمن قانون المالية لسنة 2026، إلّا أن الشروع في تفعيله والعمل به بقي معلّقا فقد تم ربطه بميزانية سنة 2027 .
من أهم الأدوار التي سيقوم بها "الصندوق"، تدخّله بقوّة لضمان قروض تحتاجها المؤسسات الناشطة في مجالات الصناعة السينمائية لدى البنوك،. وتشمل مجالات تدخّله الأخرى طيفا عريضا من النشاطات ذات العلاقة بصناعة السينما ومن أهمّها:

- تشجيع إحداث قاعات عرض جديدة وإعادة فتح قاعات سينما مغلقة والعمل على توفير قاعة عرض على الأقل في كل معتمد ية في أفق 2030.
- إحداث استوديوهات عصرية للتصوير ومخابر رقمية متخصصة في معالجة الصوت والصورة.
- تكوين الكفاءات من كتّاب السيناريو ومخرجين وفنيين، وتطوير المهرجانات السينمائية الوطنية والدولية، وحفظ التراث السينمائي من خلال دعم أرشيف السينما السمعي البصري التونسي.
- تعزيز الجاذبية الإقليمية للجهات بإحداث مناطق حرة اقتصادية لتصبح تونس على مدار السنة وجهة مثالية لاستقطاب تصوير أهم الأفلام الأجنبية والأعمال الدرامية ذات الميزانيات الضخمة.
ما هي أهم موارد الصندوق؟

أقرّ المشرّع مجموعة من الموارد المالية المستقرّة، ينتظر أن تضمن له تقريبا" 100 مليون دينار من غير أن يسبب إرهاقا لميزانية الدولة" حسب توقّعات أنصار هذا المشروع، فمصدرها الرئيسي سيكون مجموعة من الضرائب ، تفرض على شركات خاصة مثل شركات خدمة الإنترنت وعلى مواد رقمية مستوردة وهي نشاطات مزدهرة ولها أرقام معاملات محترمة:
- نسبة 1.75% من رقم معاملات موزعي خدمات الإنترنت والمؤسسات الخاضعة للإتاوة على الاتصالات
- إتاوة بنسبة 1% على توريد المعدات الرقمية المختلفة.
- مداخيل مالية من عائدات الإشهار السمعي البصري ومعاليم دخول قاعات السينما، والهبات والموارد التي يتيحها التشريع الجاري به العمل.



الإصلاح يتطلب جهود كل الأطراف الفاعلة
لم ينطلق المسار التشريعي المتعلق بالصناعة السينمائية" و"صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري من فراغ، بل جاء ثمرة جهد فكري مشترك قامت به على مراحل، كلّ الأطراف الفاعلة في حقل الإنتاج السينمائي وهذه بعض مراحله:
لقاءات "جسور التواصل" وهي حلقات نقاش مفتوحة حول كل جوانب العمل الثقافي، بادرت بها وزارة الثقافة، وخصصت لها حلقة نقاش يوم الأربعاء 20 جويلية 2016، بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات حول واقع فطاع السينما في تونس وضمّت مختلف الفاعلين في القطاع السينمائي والمبدعين والهواة، لتدارس الأولويات ومختلف الإشكاليات للنهوض بالفن السابع

 احتضنت وزارة الثقافة في 27 جانفي 2023، الجلسة الاستشارية الأولي للعاملين في قطاع السينما من مخرجين ومنتجين وموزعين ومسؤولين بالإدارة، لمتابعة أبرز قضايا الإصلاح في القطاع السينمائي، وتم تنظيم يوم دراسي مفتوح بتاريخ 25 نوفمبر 2022، بعنوان "واقع السينما التونسية ومشاغل القطاع" بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، بمشاركة المصالح المعنية بالوزارة ومختلف العاملين في القطاع إنتاجا وتوزيعا.
 بادر المجمع المهني للصّناعة السّينمائية المنضوي تحت منظمة الأعراف كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية "كونكت"(والذي تحوّل لاحقا إلى منظّمة نقابية مستقلّة "الاتحاد المهني للصناعات السينمائية والسمعية البصرية")، بتنظيم ما عرف في الوسط السينمائي والإعلامي ب"لقاءات الخميس"، طوال شهري جوان وسبتمبر 2024، ووضع خطة شاملة وجامعة ، تمت مناقشتها في منتدى حواري بين القطاعين العام والخاص، حول "تحسين مناخ الأعمال ودفع التحول الاقتصادي للقطاع السينمائي والسمعي البصري" يومي 3 و4 ديسمبر 2024 .

ملف إصلاح قطاع السنيما يصلح ليكون نموذجا

تميّز المسار الإصلاحي ، تارة بالتعاون والتكامل وتقسيم الأدوار بين الفاعلين الرسميين والمهنيين المبدعين بمختلف تخصصاتهم أو الفاعلين الاقتصاديين الذين يستثمرون بأموالهم في قطاع السينما، وطورا غلب عليه الانكماش المصلحي والانفراد بالقرار، لكنّه في نهاية المطاف ظل متمسكا بمنطق التعاون والاحترام المتبادل خاصّة وأن عدد المنشغلين والمتفرّغين لهذا الفن ولهذه الصناعة محدود، وتجمعهم تجارب عديدة مشتركة وعلاقات إنسانية واجتماعية ، عززت لديهم عقلية "الأسرة المهنية الواحدة"، وميّزتهم عن الكثير من القطاعات الأخرى.

ليس من المبالغ أن نقول أن ملف إصلاح قطاع السينما يمكن أن يكون موضوع دراسة لتجربة طريفة التقت فيها مهن السينما وعاشت حالة مخاض عسير ، كان خلاقا وسمح بإنضاج الرؤى وبتقاربها وأبرز تفاعل نواب الشعب مع مقترحات أهل القطاع وشروعهم في تحويلها إلى مشاريع نصوص قانونية تم تسجيلها رسميا منذ سنتين، ضمن قائمة أشغال لجنة السياحة والثقافة تحت مسمى مقترح قانون عدد03/2024 المتعلق بالصناعة السينمائية، وما "صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري" إلا الثمرة الأولى .
إنتصار مرحلي في طريق تحويل السنيما التونسية من الهواية إلى الصناعة
مثّل الفصل 61 من قانون المالية 2026 الذي أنشأ "صندوق التشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري"، انتصارا مرحليا لكل من دافع عنه بحماس، في الوسط المهني وللنواب في مجلس الشعب. إلّا أن تأجيل البدء بتطبيقه إلى جانفي 2027 أدخل خيبة أمل نسبية، لكنه مما لا شكّ فيه يعد خطوة إيجابية ستليها خطوات أخرى بمواصلة النقاش وتطويره ، صلب لجنة السياحة والثقافة حول مقترح قانون عدد03/2024 المتعلق بالصناعة السينمائية في تونس، فسنة 2027 لناظريها قريبة جدا .

يمكن القول أن الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارة الثقافة، والأطراف الحرفية والصناعية، تحتاج إلى رؤية جامعة،تأليفية بعد مرحلة الاختلاف الطبيعي والمفيد، للتجنّد بإستمرار حول الأهداف الواضحة والمشتركة للنهوض بالقطاع السينمائي ولو تدريجيا وعلى على مراحل ، فعراقة السينما التونسية وكسبها لجمهور شغوف ووفي ، يعدان ركيزتان أساسيتان، تستحقان التضحية من كلّ الفاعلين في الحقل السنيمائي .

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 322145

babnet