رقمنة الجباية في اقتصاد غير مهيكل:ماذا تريد الدولة ؟
بقلم حاتم بولبيار
ابتداءً من 1 جانفي 2026، الدولة التونسية فرضت الفاتورة الإلكترونية على جميع المؤسسات، من أكبر شركة (مجموعة عالمية) لأصغر هيكل (باتيندة). القرار هذا وقع تقديمه في الخطاب الرسمي كخطوة نحو التحديث ومحاربة الاقتصاد غير المنظم.
ابتداءً من 1 جانفي 2026، الدولة التونسية فرضت الفاتورة الإلكترونية على جميع المؤسسات، من أكبر شركة (مجموعة عالمية) لأصغر هيكل (باتيندة). القرار هذا وقع تقديمه في الخطاب الرسمي كخطوة نحو التحديث ومحاربة الاقتصاد غير المنظم.
أمّا الواقع يقول حاجة أخرى: الإصلاح هذا ما جاش على قياس النسيج الاقتصادي التونسي.
تونس تضم حوالي 824 ألف مؤسسة خاصة. أكثر من 97% منها مؤسسات صغرى جدًا، وأكثر من 619 ألف تخدم بصيغة شخص طبيعي (باتيندة). هالفئة الواسعة ما عندهاش إدارات منظّمة، ما عندهاش أنظمة معلومات، وبرشة منها ما عندهاش حتى محاسب قار. هذا موش نقد، هذا توصيف لواقع اقتصادي معروف.

ورغم هذا التفاوت في النسيج المؤسساتي، مطلوب من هالناس الكل فجأة — (وهذا يذكّرنا بقانون الشيكات اللي وقع فرضه على الجميع ودخل حيّز التنفيذ في غرة فيفري 2025 بدون أي تدرّج) — إنّهم يواكبوا منظومة رقمية معقّدة، فيها قواعد جبائية دقيقة، آجال صارمة، تصحيحات رقمية، ومسؤوليات قانونية مباشرة.
السؤال اللي يطرح روحو هنا بسيط وواضح: هل الدولة فاهمة وضع الشركات وواعية بالواقع هذا، ولا تتجاهلو عن قصد؟
الفاتورة الإلكترونية موش “أبليكاسيون” والسلام، هي منظومة تتطلّب فهم قوانين جبائية، إدخال معطيات صحيحة في كل عملية، تصحيح الأخطاء في وقتها، وتحمل المسؤولية على أي غلط.
بالنسبة لشركة كبيرة عندها إدارة ومحاسب ونظام معلومات، هذا روتين يومي.
أمّا بالنسبة لشخص طبيعي يخدم وحدو أو شركة فيها 5 موضفين، هذا ضغط يومي إضافي فوق ضغط المعيشة، وغلاء الكلفة، وعدم الاستقرار السياسي والتشريعي والجبائي.
الفاتورة الإلكترونية، بالشكل هذا، ما هيش مجرّد خيار تقني. هي قرار سياسي بامتياز، وجا في سياق مالي ضاغط: أزمة ميزانية، عجز متواصل، وضغط كبير لتحسين المداخيل الجبائية. في الوضع هذا، الرقمنة ولات الحلّ الإداري الأسرع.
لكن السياسة العمومية ما تنجّمش تُقاس بالسرعة؛ الواقع يتطلّب تدرّجًا ومرافقة.
وقت اللي الدولة تختار توحيد القاعدة وتسريع التطبيق، وتقدّم الامتثال على المرافقة، فهي عمليًا تختار تحميل كلفة الإصلاح للفئات الأضعف، لأنها الأقل قدرة على التفاوض والاعتراض.
اليوم، ثمّة تململ واضح في التطبيق. الصعوبات موجودة، والإدارة نفسها قرّرت التعامل مع القانون بمرونة، من غير الرجوع إلى الوراء، ومن غير تأخير رسمي في آجال التطبيق. ظاهريًا، هذا يبدو حلّ عملي ومتوازن.
لكن في العمق، هذه مرونة غير مؤطّرة.
مرونة بلا إطار
المرونة اللي ما تكونش:* بمراحل واضحة
* بآجال معلنة
* وبحقوق وواجبات مفهومة
تولّي ضبابية إضافية.
المتعامِل الصغير ما عادش فاهم والو: شنوّة مسموح مؤقتًا، قدّاش تدوم المرونة، وعلى شكون تنطبق. هكّا، ما عندناش لا تطبيق صارم ولا تدرّج حقيقي، بل حالة وسط رمادية.
وهذا أخطر من التأجيل، لأن:
* القانون يبقى قائم
* العقوبة تبقى ممكنة
* المرونة تبقى تقديرية
يعني، قانون صارم على الورق، وتطبيق مرن وغير مضمون في الواقع. في الوضع هذا، الأقوى يلقى طريقو، والأضعف يبقى متردّد وخايف.
الفاتورة الإلكترونية كانت تنجّم تكون خطوة إيجابية. لكن بالطريقة الحالية، تنجّم زادة توسّع الهوّة بين الدولة والاقتصاد الموازي، تعمّق حالة اللايقين، وتضرب الثقة في الدولة والمسؤول.
الدولة ما تنجّمش تحكم بالمنطقة الرمادية.
الإصلاح يا يكون واضح، متدرّج، وعادل، يا يتحوّل عبء على اللي أضعف.
وفي الأخير، تتحوّل الفاتورة الإلكترونية من مسألة تقنية إلى آلة ردع إضافية عند الإدارة لمن سوّلت له نفسه وحاول التهرّب من المجبى الديجيتال.






Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 322071