إلى أبناء جيلي

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/696bec8d4e5ba7.04527397_flnpkoehmjgqi.jpg width=100 align=left border=0>


مهدي عطية

إلى كلّ أبناء جيلي من هذا الوطن من مواليد التّسعينات خاصّةً ... أكتب إليكم بغصّة تملأ الصّدر على حال البلاد والعباد، وخاصّة جيلنا نحن الّذي كان الضّحيّة الأكبر للسّياسات التّنمويّة والاقتصاديّة الفاشلة منذ الاستقلال المزعوم إلى اليوم.


كيف لا، وقد كان جيلنا هو سليل الجيل الأوّل من ذلك التّاريخ مروراً بالجيل الّذي يواليه، ونحن من تعلّمنا وتلقّينا تحصيلنا العلمي من ذاكين الجيلين. وهنا، وإن كنت أثمّن إخلاص وتفاني من علّمونا، إلاّ أنّني كذلك أنوّه إلى الأساليب التّعليميّة العنيفة والمتحجّرة المستعملة من ذلك الجيل، وتركيزهم المطلق على التّلقين والحفظ وكثافة المعلومات دون أيّ مجهود لدفع النّاشئة نحو بذل مجهود ذهنيّ أو التّفكير، ممّا عطّل ملكتي التّفكير والنّقد، وهو ما يتحمّلون مسؤوليّته مناصفة مع المناهج التّعليميّة الموضوعة منذ الاستقلال.




ناهيك عن اعتمادهم أساليب الضّرب والتّعنيف مع المتعلّمين دون أيّ محاولة لاعتماد أساليب التّربية الذّكيّة والإنصات للنّاشئة، ودون أيّ محاولة منهم للقطع مع أسلوب السّلخ البشري الّذين تربّوا عليه، وهو ما يشتركون فيه مع عدد لا بأس فيه من الأولياء الّذين لا يجدون بدّاً من استعمال القوّة وأساليب الابتزاز العاطفي من قبيل:
“ماكش ولدي كان ما …” و“ما نرضاش عليك لو كان …”
عوض التّقرّب من الأبناء واعتماد أسلوب الحوار والتّفهّم وتلقينهم القيم الدّينيّة والإنسانيّة. ولكنّ فاقد الشّيء لا يعطيه.

ولأنّ الحديث يطول حول الآثار المباشرة للواقع المرير الّذي لم تنجح سبيستون في تعويضه، رغم القيم النّبيلة الّتي زرعتها في جيل بأكمله، كان ضحيّة ترذيل التّعليم وتدمير مؤسّسات الدّولة في عهد المقبور، وتجريد الشّعب من كلّ قيم المواطنة والانتماء الدّيني والوطني، وما ترتّب عليه من انحدار أخلاقيّ غير مسبوق.

ومع الانفجار الشّعبي في السّابع عشر من ديسمبر 2010 الّذي توّج بقطع “رأس الحيّة”، واستمرار المنظومة في التّخريب الممنهج لما تبقّى من أسس المناعة النّفسيّة والقيميّة لهذا الشّعب المفقّر المهمّش، عبر وسائل الإعلام وغيرها، وفشل كافّة القوى المناضلة في الاجتماع على مشروع وطني يؤسّس لمستقبل مختلف، تصبح فيه “الدّولة الوطنيّة” و“المجتمع التّونسي” واقعاً ملموساً لا مجرّد سرديّات للاستهلاك الإعلامي والمتاجرة الحزبيّة.

ومع ما رافق ذلك من انسداد سياسيّ ومزيد التّردّي الاقتصادي والقيمي، لم يبقَ بدّ لنا نحن أبناء جيل التّسعينات، أو من يتحلّى بقدرٍ من الوطنيّة ويحمل هموم الوطن داخله، إلاّ أن نغيّر ما بأنفسنا حتّى يغيّر الله أحوالنا، وبذلك أحوال البلاد والعباد.

وذلك، حسب تقديري المتواضع، لا يتمّ إلاّ باتّباع عديد الخطوات، لعلّ من أهمّها أن نتجرّد نحن – ممّن يعاني أغلبنا من البطالة ومن وقع ضحيّة خراب المنظومة التّعليميّة والجامعيّة – من شعارات المطلبيّة، وأن نحاول اقتحام غمار عالم المشاريع الصّغرى والشّركات النّاشئة المتنامي وطنيّاً ودوليّاً.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا المجال محاط بعراقيل البيروقراطيّة والفساد المستشري في كلّ مكان، بالرّغم من بعض التّشجيعات الماليّة، إلاّ أنّه لا بدّ من تجميع المطالب والقوى الشّبابيّة في إطار مدنيّ مجتمعي شبيه بالاتّحاد التّونسي للشّباب “المعطّلين” عن العمل، حتّى لا تبقى الأحلام والمشاريع رهينة فساد المنظومة ورغبتها في إبقاء الهيمنة على الثّروة بأيدي العائلات المتنفّذة.

ولأنّ في الاتّحاد قوّة، وما ضاع حقّ ورائه طالب، فما بالك بالطّالبين.

ثانياً، ممّا لا شكّ فيه أنّ فكرة “الخلاص الفردي” حقّ مشروع ممّن تبخل المنظومة – الّتي تجسّدها الدّولة ومؤسّساتها ظاهريّاً – في توفير أبسط مقوّمات العيش الكريم لأصحابها. وفي هذا الصّدد لا لوم على مئات الآلاف ممّن دفعوا دفعاً للهجرة بكلّ الطّرق بحثاً عن العيش الكريم واحترام إنسانيّتهم.

غير أنّ الواقع المرير يفرض عليهم سياسات هجرة أشدّ تمييزاً وأكثر تضييقاً، ومزايا تضيق تدريجيّاً نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتصاعد التيّارات السّياسيّة الشّعبويّة المتطرّفة. وإن كان حالهم أفضل من حالنا، فذلك يستوجب منّا التّذكير مجدّداً بأنّ الهجرة وضمان مستقبل أفضل خارج البلاد هو لمن استطاع إليه سبيلاً.

ويبقى الحلّ في توعيتنا لبعضنا البعض بضرورة الوقوف سدّاً منيعاً ضدّ قوى الفساد والرّدّة الّتي تحاول إطفاء أيّ شعلة أمل لجيلنا.

حسناً، الكلام الفضفاض جميل، ولكن هل هذا ممكن؟
كلّ شيء ممكن إن وطّنا أنفسنا ومحيطنا المقرّب على نبذ مفاهيم الفردانيّة وأخلاق القطيع من قبيل:
“روحي روحي لا يرحم من مات”،
“ما يندبلك كان ظفرك”،
“ما ينفعك حدّ”.

وأنّ الخلاص لا يكون إلاّ جماعيّاً، وذلك بالانخراط في الشّأن العامّ، ومحاولة التّأثير في الواقع المحلّي والجهوي والإقليمي والوطني بشتى السّبل الممكنة، عبر الانخراط في الجمعيّات والمنظّمات الجادّة وذات المشاريع الوطنيّة، وحشد القوى والصّفوف داخلها، وتوجيهها للضّغط على مؤسّسات الدّولة التّنفيذيّة كالإدارات والوزارات، وحتّى التّشريعيّة كالبرلمانين، في اتّجاه تبنّي مشاريع قوانين ذات رؤية إصلاحيّة واستشرافيّة، من شأنها أن تحدّ وترفع تدريجيّاً من هيمنة المنظومة على كافّة مقدّرات البلاد.

والتّاريخ علّمنا أنّ “اليد الواحدة لا تصفّق”.
وللحديث بقيّة، إن شاء الله.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 322070

babnet