جو بايدن في ثوب الرئيس "الموحد" لبلد منقسم وجريح بعد رئاسة ترامب

Gage Skidmore  CC BY-SA 2.0  via Wikimedia Commons


فرانس 24 - دخل جو بايدن السباق إلى البيت الأبيض باتهامه دونالد ترامب بتغطية عنف اليمين المتطرف واعدا بشن "معركة من أجل روح" المجتمع الأمريكي. وينبغي على بايدن (78 عاما) المخضرم في السياسة والذي شهدت حياته مآسي عائلية، وضع صورته كشخصية جامعة في خدمة بلد يشهد انقسامات كبيرة ويعاني صدمة الهجوم القاتل على الكونغرس.

"الثالثة ثابتة"


وبعد محاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأمريكية وحملة انتخابية طغى عليها وباء كوفيد-19 وفوز شابته ادعاءات لا أدلة عليها لحصول تزوير أطلقها منافسه دونالد ترامب، سيحقق جو بايدن الأربعاء حلمه بدخول البيت الأبيض رئيسا هذه المرة. وحجزبايدن لنفسه من الآن موقعا في كتب التاريخ على أنه الرجل ألذي أسقط دونالد ترامب.

ومنذ إعلان ترشحه في 2019 حتى تنصيبه الأربعاء، لم يكف بايدن نائب الرئيس باراك أوباما، عن محاولة تجسيد هذه الوحدة واعدا بالعودة إلى الهدوء بعد رئاسة ترامب العاصفة. وهو يتهم الرئيس الجمهوري بأنه "مزق" الشعب الأمريكي. إلا أن الانقسامات الكبيرة ازدادت عمقا منذ ذلك الحين.

لكن بعد أعمال العنف في الكونغرس وأمام الحصيلة الهائلة لجائحة كوفيد-19 يستمر بايدن الذي سيصبح الأربعاء أكبر رؤساء الولايات المتحدة سنا، بالدعوة إلى الوحدة.

وقال الرئيس الديمقراطي المنتخب "سنخرج من المأزق معا. ولا يمكننا أن ننجح في ذلك ونحن منفصلون ومنقسمون. الطريقة الوحيدة لإنجاز ذلك هي في رص الصفوف كأمريكيين وكجيران وكولايات متحدة أمريكية".

تعاطف وهفوات

وكان بايدن باشر في سن التاسعة والعشرين مسيرته الوطنية منتصرا على مأساة عائلية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 1972، احتفل السناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطا بأسرته بفوزه في الانتخابات. وبعد شهر قضت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.

ونمّت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر العام 2015، مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له. وجعل بايدن من التعاطف إحدى سمات مسيرته السياسية البارزة.

في 2021، لا يزال بايدن يتمتع بطلته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده كنائب للرئيس باراك أوباما.

فحين يكون واقفا على المنصة يبدو واهنا أحيانا فيما يغطي الشيب شعره. وكان البعض حتى في صفوف داعميه يخشون عليه من التعثر أو الوقوع خلال معركته الطويلة ضد دونالد ترامب (74 عاما) الذي اعتمد أسلوبا هجوميا.

وقد حرمته جائحة كوفيد-19 لفترة طويلة من إحدى نقاط قوته الأساسية أي التواصل المباشر مع الناخبين.

ومع أنه استأنف في نهاية آب/اغسطس رحلاته بشكل مكثف أكثر، إلا أن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم تواجده على الأرض. ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له بالقيام بحملة انتخابية بعيدا عن الناخبين ومتجنبا في غالب الأحيان الصحافة.

وكان دونالد ترامب يطلق عليه ساخرا اسم "جو الناعس" وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة معتبرا أنها "موجهة لأطفال" ولا يتوانى عن انتقاد لياقته البدنية والعقلية.

ويتناقل أنصار ترامب بكثرة عبر تويتر تلعثم جو بايدن كما أن فريق حملة الملياردير الأمريكي يصفه بأنه رجل عجوز يعاني الخرف.

ومن الصعب في هذا الإطار تصور أن "يده الممدودة" ستلقى ترحيبا في صفوف مؤيدي ترامب.

تحول تاريخي

لكن سبق لبايدن أن كذّب التوقعات. ففي ربيع العام 2020 سجل عودة تاريخية في السياسة الأمريكية من خلال فوزه الكبير في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

ومع أن البعض اعتبره متقدما جدا في السن ووسطيا كثيرا، تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأمريكيين السود، حجر الزاوية لكل ديمقراطي على المرشح ساندرز.

وخلافا للمعركة المريرة والطويلة بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2016، تمكن بايدن سريعا من جمع التيار اليساري في الحزب مركزا على هدف واحد يتمثل بالحاق الهزيمة بدونالد ترامب.

وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن "الموحد" المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة بعد دخوله البيت الأبيض.

وقال باراك أوباما إنه حتى لو عرض بايدن البرنامج "الأكثر تقدمية" في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن البعض من اليسار سيعتبرونه فاترا للغاية وهم ينتقدونه عندما يتحدث عن استئناف الحوار مع الجمهوريين.





"غير حاقد"

كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في 1988 و2008.

فخلال محاولته الأولى، اضطر سريعا للانسحاب بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.

شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاما (1973-2009) ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017 ما مكنه من التواجد على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.

وتخللت حياته السياسية الطويلة فصول مثيرة للجدل فضلا عن نجاحات يبرزها اليوم.

في السبعينيات وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما يسمى سياسة "الحافلات" التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.

وأرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما أخذته عليه السناتورة السوداء كامالا هاريس التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، في خضم مناظرة تلفزيونية.

لكن بايدن أعلن أنه "غير حاقد"، حين اختار كامالا هاريس مرشحته لنيابة الرئاسة، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.

ويحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأمريكيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائبا محليا في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، ما أثار استياء السكان البيض. وغالبا ما يروي كيف أسست تجربته كمنقذ بحري في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.

لكن، ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على مسيرته السياسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق العام 2003 أو جلسة الاستماع العاصفة برئاسته في مجلس الشيوخ العام 1991.

يضاف إلى ذلك تأييده القوي لـ"قانون الجريمة" العام 1994 الذي اعتبر مسؤولاً عن ارتفاع كبير في عدد السجناء بينهم نسبة كبيرة من الأمريكيين السود.

ويعترف بايدن اليوم بأن ذلك كان "خطأ" مشددا على شق آخر من هذا الإصلاح الواسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف في حق النساء والذي يشكل "أكبر مصدر فخر" بالنسبة له.

في 2017 تعاون مع ليدي غاغا لمكافحة التحرش الجنسي. وستغني النجمة الأمريكي الأربعاء في مراسم تنصيبه.

فور وصوله إلى البيت الأبيض نائبا للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.

وغالبا ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه إنعاش الاقتصاد مجددا، بعدما تضرر كثيرا بسبب تداعيات الوباء.

"ابن" سكرانتون

سعى دونالد ترامب إلى انتقاد بايدن باستمرار وقال عنه "يعمل في السياسة منذ 47 عاما، ولم يقم بشيء إلا في العام 1994، عندما تسبب في الكثير من الأذى لمجتمع السود".

رد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختيارا بين الطبقتين العاملة والوسطى اللتين يدافع عنهما، و"بارك أفينيو" الجادة النيويوركية الفخمة التي تشكل رمزا للوريث الثري.

ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزف روبينيت بايدن الابن في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.

في الخمسينات من القرن الماضي شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة. وبحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد عدة زيارات نقل العائلة إلى ويلمنغتون وكان جو بايدن في سن العاشرة. وجعل منها معقله لاحقا.

وقال بايدن "كان والدي يقول دائما: "نحكم على رجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض ".

"هل هو فخور بي؟"

نددت نساء عديدات بسلوكيات جو بايدن الذي يقبل على ملامسة الناس، واعتبرن أنها غير مناسبة. ووعد بالانتباه من الآن وصاعدا "للمساحة الشخصية" للآخرين، واعتذر في نيسان/أبريل 2019.

أما دونالد ترامب المتهم من قبل أكثر من عشر نساء بالاعتداء الجنسي أو التحرش، فلم يعلق كثيرا على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد وتقول إن جو بايدن تعدى عليها في التسعينيات. وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.

ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاما) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، على هذا الاتهام.

وجيل بايدن المعلمة الديناميكية، شكلت إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن. ولقد تزوجا العام 1977 ولهما ابنة تدعى آشلي.

وروى بايدن في مذكراته أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها "لقد منحتني الحياة مجددا".

غالبا ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ العام 2015 قائلا "هذا لا يختفي أبدا". وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية العام 2016.

تولى جو بايدن الذي أصبح أرملا بعد حادث السيارة المأسوي، مهامه كسناتور في كانون الثاني/يناير 1973 وكان في المستشفى بجانب ابنيه اللذين اصيبا في حادث السير.

حتى اليوم، غالبا ما يوجه التحية إلى المسعفين مذكرا بأنهم "أنقذوا حياة" ولديه وحياته أيضا.

ففي العام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. واعتبرت حالته خطيرة لدرجة أنه تم استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.

وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الأيرلندية ويذهب كل يوم أحد تقريبا إلى كنيسة القديس يوسف الصغيرة في برانديواين في الحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون. ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أمريكية.

وفي كانون الثاني/يناير، قال جو بايدن عن ابنه "كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: "هل هو فخور بي؟ "

فرانس 24 / أ ف ب

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 219019