منوبة: الموقع الاثري "المربّع " ببرج العامري "ذاكرة مدينة رومانية تبحث عن هويّة وشاهد على نظام مائي نادر ومميّز"

<img src=http://www.babnet.net/images/2b/6277eb74d39ec6.14253638_ogjphknemqfli.jpg>


تحرير نعيمة عويشاوي - على جبل يقع بمنطقة برج العامري في إحدى ضواحي العاصمة تونس يتربع الموقع الاثري"المربع" شامخا على هذه الهضبة، موشى بحلته الخضراء ومزين بألوان طبيعته البكر التي لا تزال تحافظ على عنفوانها وتصارع و تقاوم من أجل البقاء رغم تقلبات الزمان وتغيراته.

الموقع الاثري "المربع" يمثل شاهدا على مدينة رومانية لم تبح بعد بكامل أسرارها رغم البحوث والحفريات المنجزة في المكان... الصخور والاحجار الاثرية المنتصبة باعمدتها ودعاماتها الحجرية القوية المتماسكة تختزل ذاكرة الحضارة الرومانية الصامدة رغم تعاقب الازمان، كما تحيل خزانات المياه التي تحتضنها هذه الاثار العريقة على نظام ري نادر ومتميز كان سائدا خلال تلك الحقب الغابرة.


العديد من الحضارات التي عاصرت هذه الخزانات الجوفية اندثرت وظلت هذه المعالم المائية مستبسلة، وفي حالة حفظ جيدة، تشهد على بصمات وإرث حضارة رومانية شامخة وعريقة. هذه المدينة التاريخية، وإن احتفظت ببعض مكوناتها الاثرية، ومنها بقايا معبد ، فانها لا تزال مجهولة الاسم.




ووفق الباحثة في المعهد الوطني للتراث والمختصة في المعالم المائية للفترة القديمة، والمسؤولة عن الموقع، منية عديلي، فإنه لم يتحدد بعد تاريخ هذا المعلم الاثري بدقة خلال فترة تواجد الرومان بتونس ما بين 146 قبل الميلاد الى القرن الخامس ميلادي، وهو يمسح حوالي 45 هكتارا، ويحنفظ بمختلف مكوناته الاثرية من جدران وارضيات وحجارة وبقايا البناء ذات الصبغة الرومانية الخالصة، التي تزاوج بين الجرأة والبراعة وحسن التنظيم والقوة..

هذه الشواهد هي عناصر من نظام ري للمياه "نادر و مميز ومختلف"، وفق الباحثة التي بينت، انه على خلاف اغلب المدن الرومانية المزودة بمياه العيون الجبلية المتدفقة في قنوات الحنايا او بمياه الابار والاودية، فإن المدينة الرومانية المعروفة حاليا ب"المربع" كانت تتغذى بمياه الامطار.

فقد هيأ سكان المدينة القدامى جزءا من الهضبة لتجميع مياه الامطار، ونجحو في خلق نظام مائي خاص بمدينتهم، لتفادي نقص المياه، خصوصا في ظل ارتفاع الموقع، وتمثلت التهيئة في منظومة متكاملة تضم الجدارين العازلين في أعلى الهضبة لتجميع التدفق الأولي لمياه الامطار من الاعلى، وقنوات ومسار منحدر مبلّط يتجه نحو صهاريج تصفية صغرى، ثم الخزانات الجوفية أو الغرف العملاقة، التي تصل طاقة استيعابها إلى 04 الاف متر مكعب من المياه.

نظام مياه نادر ومميّز


ومن ضمن أول عناصر النظام المزود للمياه الأرضية المغطاة بملاط عازل، ويحدها شرقا وشمالا جدار من الحجارة الصغيرة لا تزال اجزاء منه تطل شامخة على سهول وتلال برج العامري المجاورة، وتشكلّ حاجزا قويا لتجميع التدفق الأولي للمياه من الهضبة.

ومن خلال الارضية المنحدرة التي تم تبليطها، حسب ما ظهر من الاجزاء التي نجت من فعل الزمن، بالاسمنت والملاط العازل ذي الصلابة العالية الذي يمنع تسرب الماء الى التربة، تم ربط المسار بجدار ثان موجه لاتجاه مختلف عن الجدار الفوقي. وهذا الربط يندرج ضمن نظام محكم يعمل على زيادة معدلات تدفق المياه مع تقليل التسرب نحو الصهاريج الصغرى المعدة للتصفية و الترسيب، وهو ما يساعد على تقليل أي رواسب او اتربة تجلبها سيول المياه من أعلى الهضبة.

تشير الباحثة أيضا إلى ما تبقى من صهاريج الترسيب وهما إثنان فقط، بعد ان تداعت جدران البقية وتساقطت أحجارها، مؤكدة أن قوّة هذا النظام المائي تكمن في أدقّ تفاصيله إذ يرتبط كل صهريج صغير بالخزانات الجوفية العملاقة بفتحات مياه تسيل عبرها المياه العذبة الخالية من الرواسب وهي أكثر من خمس فتحات.

وعلى الجهة الشمالية للموقع ، تعد الخزانات من أهم مكونات الموقع وهي تعكس صلابة العمارة الرومانية، وتتمثل في صهريج أو خزان عملاق مغطى بقبو مجوّف بالإتساع، مرتكز على 15 عمودا حجريا صلبا، ويضم جدرانا وأقواسا و24 فتحة تهوئة، وارضية مبطنة بإسمنت وملاط كلسي مقاوم للماء لحفظه والتحكم في إستغلاله.

وتنقسم الخزانات إلى أجزاء من خلال الدعامات والاقواس نصف دائرية الافقية، التي كانت تعتمد لدعم ضغط الماء في الخزان بشكل فعال، تعلو كل جزء فتحة خاصة لجلب المياه، مرتبطة بصهاريج التصفية بقنوات داخلية تمتد على مساحة خمس امتار.

كما تضم فتحات خارجية مائلة الى الداخل تعمل على تزويد المدينة الرومانية بالمياه العذبة الصافية عبر خزانات التوزيع ومنها الى الصنابير العمومية، والحمامات، والبساتين، والضيعات الفلاحية المترامية..

وتضم الخزانات، وفق الباحثة، نوعين متلاصقين من المباني، يعد الاوّل في حالة حفظ جيدة جدا، اما الثاني الملاصق له والمبني على قبة دوحية كتقينة لحفظ مياه الأمطار، فهو في حال حفظ سيئة، تناثرت حجارته وتساقطت اجزاؤه وبقايا جدرانه متحولة إلى أنقاض تروي سحر تاريخ لا يزال يحتفظ بمسحة من جماله رغم تقادم العهد.

ارضية خصبة قد تكشف المزيد من الاسرار

يعود اكتشاف الموقع إلى أواخر القرن التاسع عشر إذ ذكر المربّع او جبل المربّع بالاطلس الاثري للبلاد التونسية، على الورقة الأثرية اوذنة تحت عدد 54و55 ، وفق ما أكدته الباحثة، منية عديلي.

كما قدم عالم الاثار الفرنسي، بول قوكلار، سنة 1898، في تقرير عن المنشآت المائية الرومانية بالبلاد التونسية، معلومات عن الموقع الاثري الذي يقع على ارتفاع يقدر ب 364 م، مرجحا أن عدد سكانه في تلك الفترة يتراوح بين 800 و1000 ساكن.

وقامت الباحثة المرحومة، نادية فرشيو، بدراسة أولية حول الموقع تضمنت العديد من المعطيات، كما قامت بأعمال حفر وثقت من خلالها عددا من المكونات والقطع الاثرية بالموقع ومنها بقايا معبد، ومهاوي أعمدة ملساء، وحوض متعدد الاضلاع يعتقد أنه حوض نافورة رومانية، وقطعة فسيفساء ذات خلفية بيضاء تابعة للحوض ايضا، وقوالب وتيجان أعمدة ..

ووتتولى الباحثة منية العديلي القيام بدراسات إضافية حول هذا المعلم المائي، وقد أشارت إلى أن الموقع ككل، وعلى اهميته التاريخية، ورغم ما يحتكم عليه من مخزون اثري ومعماري لم يتم دراسته بالشكل المطلوب والأمثل، ومازال ينشد مزيد الدراسات والرفوعات الهندسية، وهو يشكل أرضية خصبة قد تكشف المزيد من الاسرار عن اهميته التاريخية وعن دوره في الملفّ المائي في تونس، خلال الفترة القديمة.

هذا الموقع يمكن أن يكون أيضا حقلا ملائما للبحوث والدراسات الاثرية في إطار اتفاقية او تعاون بين جامعات تونسية وأجنبية حتى يبوح بما تخفيه مكوناته التي لا تزال مطمورة تحت الارض.



   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 245873

babnet