تحلية المياه في تونس: من الحلّ التقني إلى الرهان الاستراتيجي
م. د. عماد الحسين
خبير في تحلية المياه
المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان
في زمنٍ يتسارع فيه الجفاف وتزداد فيه التقلبات المناخية حدّة، لم يعد الماء في تونس مجرد مورد طبيعي متاح، بل أصبح قضية سيادية تمسّ الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. فبلدٌ يقع ضمن حزام مناخي شبه جاف، وتتناقص فيه الموارد المائية التقليدية، يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن حلول مبتكرة لضمان حق أجياله القادمة في الماء. ومن هنا برزت تحلية المياه بوصفها أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تتجه إليها الدولة التونسية لتعزيز أمنها المائي وتأمين موارد مستدامة.
تونس: بلد محدود الموارد المائية
تُعد تونس من بين الدول الفقيرة نسبيًا في الموارد المائية، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد السنوي من المياه العذبة المتجددة عتبة الندرة المائية المعترف بها عالميًا، والمقدَّرة بنحو 500 متر مكعب لكل شخص. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية، أبرزها الطبيعة المناخية شبه الجافة، وتذبذب التساقطات المطرية من سنة إلى أخرى — وقد شهدت البلاد في السنوات الأخيرة أكثر من خمس سنوات متتالية من الجفاف — إضافة إلى الضغط المتزايد على الموارد المائية بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني وتطور الأنشطة الاقتصادية.
وتشير التقديرات إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك نحو 80 إلى 84 في المئة من الموارد المائية المتاحة في البلاد، بينما يتزايد الطلب على المياه في المدن والصناعات بوتيرة سنوية تقارب 2.5 في المئة. وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، لم يعد الاعتماد على الموارد التقليدية، مثل السدود والمياه الجوفية، كافيًا لتلبية الحاجات المتزايدة، خصوصًا مع استنزاف بعض الموائد المائية وارتفاع نسبة الملوحة في مناطق عديدة من الجنوب والساحل.
لهذه الأسباب، برزت الحاجة إلى تطوير مصادر غير تقليدية لتعويض النقص الهيكلي في المياه المتجددة، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر والمياه الجوفية المالحة، الى جانب معالجة المياه المستعملة. وقد سمح التطور التكنولوجي خلال العقود الأخيرة بتحسين كفاءة تقنيات تحلية المياه وتقليص استهلاك الطاقة فيها، ما جعلها أكثر واقعية من الناحية التقنية والاقتصادية، وأكثر انتشارًا في العديد من الدول الساحلية التي تواجه تحديات مائية مشابهة. أما فيما يتعلق بالاستعمالات الزراعية والصناعية، فتعتبر المعالجة الثلاثية للمياه المستعملة هي الخيار الأفضل اقتصاديًا وبيئيًا.
وفي هذا السياق، تعمل السلطات التونسية على تطوير عدد من محطات تحلية المياه الجوفية المالحة في المناطق الداخلية، مثل قرقنة وبن قردان ودقاش وقبلي، بهدف تحسين جودة المياه في هذه المناطق وتقليص نسبة الملوحة فيها. ويمثّل هذا التوجه محاولة لبناء منظومة متكاملة للموارد المائية غير التقليدية، تجمع بين تحلية مياه البحر وتحلية المياه الجوفية المالحة، مع إدماج الطاقات المتجددة تدريجيًا بهدف تقليص كلفة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
بدايات التحلية في تونس
يعود الاهتمام العلمي بتحلية المياه في تونس إلى أوائل ستينات القرن الماضي، وتحديدًا إلى عام 1962، حين انطلقت أولى الدراسات والتجارب حول استخدام الطاقة الشمسية لتحلية المياه المالحة داخل الوكالة التونسية للطاقة الذرية بتونس–قرطاج (العوينة)، تحت إشراف العالم التونسي البشير التركي. وكان الهدف آنذاك البحث عن حلول تقنية بسيطة تمكّن من توفير مياه الشرب للمناطق النائية التي تعاني ملوحة المياه الجوفية وشحّ الموارد المائية.
وفي هذا الإطار، شهدت سنتا 1967 و1968 إنجاز ثلاث محطات صغيرة لتحلية المياه المالحة بالطاقة الشمسية. فقد أُقيمت محطة في واحة شاكمو من ولاية توزر بطاقة إنتاجية بلغت نحو 800 لتر يوميًا، وأخرى في منطقة الشيبو بولاية مدنين بطاقة 300 لتر يوميًا، إلى جانب محطة ثالثة في عمادة السعد من ولاية المهدية بطاقة تقارب 2000 لتر يوميًا. وقد مثّلت هذه التجارب، رغم تواضع طاقتها الإنتاجية، خطوة علمية رائدة في استكشاف إمكانات التحلية باستخدام الطاقة الشمسية في البيئات الجافة.
وبعد عقود من هذه البدايات البحثية، شهد عام 1997 إنشاء محطة تجريبية لتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية في المعهد الوطني للبحث العلمي والتقني ببرج السدرية، بطاقة إنتاجية تقارب ألف لتر يوميًا. وقد اعتمد هذا المشروع على تقنيةٍ مبتكرةٍ لترطيب الهواء متعددةِ المراحل، كجزء من مشروع بحثي دولي وتحت إشرافي العلمي والتقني.
محطات تحلية المياه في تونس: العاملة والمبرمجة
تعتمد معظم محطات التحلية الحديثة اليوم على تقنية التناضح العكسي، وهي تقنية تقوم على دفع مياه البحر تحت ضغط عالٍ عبر أغشية شبه منفذة تفصل الأملاح والمعادن الذائبة عن الماء، لتنتج مياهًا صالحة للشرب. وتُعد هذه التقنية، في الوقت الراهن، الخيار الأكثر انتشارًا وواقعية من الناحيتين التقنية والاقتصادية في أغلب مشاريع التحلية حول العالم.
وفي تونس، شرعت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في إنشاء أول محطة حضرية لتحلية المياه الجوفية المالحة بجزيرة قرقنة، حيث دخلت حيّز الاستغلال سنة 1983. ومنذ ذلك الحين، شهدت مشاريع التحلية توسعًا تدريجيًا إلى أن بلغت اليوم مرحلة إنشاء محطة تحلية مياه البحر بسوسة، والتي يُنتظر أن تدخل حيّز الاستغلال خلال صائفة 2026. ومع تشغيل هذه المحطة، يُتوقع أن يصل الإنتاج الإجمالي لمختلف محطات التحلية في تونس إلى نحو 370 ألف متر مكعب يوميًا. وفيما يلي قائمة بالمحطات التي تعمل حالياً، وتلك قيد الإنشاء، والمحطات المخطط إنشاؤها في المستقبل:
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقرقنة (صفاقس): دخلت طور الاستغلال سنة 1983 بطاقة إنتاجية تبلغ 3,300 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالديسة (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 1995 بطاقة إنتاجية تبلغ 34,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالظويهر (جرجيس): دخلت طور الاستغلال سنة 1999 بطاقة إنتاجية تبلغ 15,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقلالة (جربة): دخلت طور الاستغلال سنة 2000 بطاقة إنتاجية تبلغ 25,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببن قردان (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2013 بطاقة إنتاجية تبلغ 1,800 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بمطماطة (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بمارث (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 5,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببلخير (قفصة): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 1,600 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالرحمات (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 8,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بدوز (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بسوق الأحد (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بحزوة (توزر): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 800 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بنفطة (توزر): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بتوزر المدينة: دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببني خداش (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 800 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بجربة (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2018 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 75,000.
· محطة تحلية مياه البحر بالزارات (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2024 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى100,000.
· محطة تحلية مياه البحر بقرقور (صفاقس): دخلت طور الاستغلال سنة 2026 بطاقة إنتاجية تبلغ 100,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 250,000.
· محطة تحلية مياه البحر بسيدي عبد الحميد (سوسة): الدخول في الخدمة مبرمج في سنة 2026 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 100,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقرقنة (صفاقس): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 8,000 م³/يوم قابلة للتوسعة إلى 12,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بدقاش (توزر): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 2,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بسيدي بوزيد: مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 3,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببن قردان (مدنين): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 9,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالمظيلة (قفصة): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 9,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالرديف (قفصة): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بجرجيس (مدنين): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بالمهدية: مبرمجة بطاقة إنتاجية قد تصل إلى نحو 100,000 م³/يوم.
إلى جانب هذه المنشآت، توجد في تونس عدة محطات تحلية داخل بعض المؤسسات الصناعية والسياحية والفلاحية. ومن أبرزها محطة التحلية التابعة إلى المجمع الكيميائي التونسي في الصخيرة بطاقة إنتاجية تبلغ 12,000 م³/يوم، ومحطة الشركة الإيطالية التونسية لاستغلال النفط (سيتاب) في البرمة بطاقة 300 م³/يوم، إضافة إلى محطة تحلية المياه في المنطقة السقوية القونات بسيدي علوان من ولاية المهدية بطاقة 300 م³/يوم، ومحطة تحلية مياه البحر بميناء الكتف في بن قردان بطاقة 50 م³/يوم.
مقارنة إقليمية
عند النظر إلى تجارب دول المغرب العربي في مجال تحلية المياه، يتبيّن أن الجزائر قد استثمرت على نطاق واسع في إنشاء محطات كبرى لتحلية مياه البحر، حتى بلغت قدرتها الإنتاجية عدة ملايين من الأمتار المكعبة يوميًا، مستفيدة في ذلك من مواردها الكبيرة من النفط والغاز التي مكّنتها من تمويل مشاريع ضخمة في هذا القطاع.
أما المغرب فقد اعتمد بدوره استراتيجية طموحة تجمع بين التحلية والطاقات المتجددة، مع إطلاق مشاريع كبيرة في مدن مثل الدار البيضاء وأكادير، بهدف تأمين جزء مهم من احتياجاته المائية عبر هذه التقنية.
وفي المقابل تواجه ليبيا صعوبات كبيرة في تشغيل محطات التحلية بسبب الظروف الأمنية وضعف الصيانة، رغم امتلاكها بنية تحتية مهمة في هذا المجال.
وفي خضم هذا المشهد الإقليمي، اختارت تونس نهجًا يقوم على إنشاء محطات صغيرة ومتوسطة الحجم، تستجيب للحاجات الملحّة للمناطق الجنوبية والساحلية التي تعاني محدودية الموارد الطبيعية أو ارتفاع ملوحة المياه الجوفية، مع الحرص على تحقيق توازن بين الكلفة الاقتصادية ومتطلبات الاستدامة البيئية.
التحدي الاقتصادي
على الرغم من الأهمية المتزايدة لتحلية المياه في تعزيز الأمن المائي، فإنها تظل عملية مكلفة نسبيًا مقارنة بالمصادر التقليدية. ففي تونس تبلغ كلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة نحو ثلاثة دنانير تقريبًا، وهو رقم يفوق بكثير كلفة المياه المستخرجة من السدود (0.25 دينار) أو الموائد الجوفية.
ويعود جزء كبير من هذه الكلفة إلى استهلاك الطاقة، التي تمثل نحو 40 في المئة من المصاريف التشغيلية لمحطات التحلية. كما أن الأسعار التي يدفعها المستهلكون تبقى مدعومة من الدولة، ما يشكل ضغطًا ماليًا على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه.
في المقابل استطاعت بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، خفض كلفة التحلية إلى أقل من نصف دولار للمتر المكعب، بفضل الاستثمارات الضخمة والتقدم التكنولوجي ووفرة الطاقة الرخيصة، إضافة إلى اقتصاديات الحجم الكبير في المشاريع العملاقة.
ومع ذلك، يأمل الخبراء أن تنخفض كلفة التحلية في تونس تدريجيًا مع تطور التكنولوجيا ودمج الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية في تشغيل المحطات.
بين الضرورة والاستدامة
لا يمكن النظر إلى تحلية المياه في تونس باعتبارها مجرد مشروع تقني أو بنية تحتية إضافية، بل هي في الحقيقة رهان استراتيجي على مستقبل البلاد المائي. فهي تتيح تأمين مياه الشرب للمناطق الجنوبية والساحلية، وتخفف الضغط على الموارد الجوفية، وتساعد على مواجهة آثار التغير المناخي.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب أيضًا سياسات مرافقة، من بينها ترشيد استهلاك المياه، وتحديث شبكات التوزيع للحد من التسربات، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة.
فالماء في النهاية ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو عنصر أساسي في استقرار المجتمعات واستدامة التنمية.
نحو أمن مائي مستدام
تخوض تونس اليوم تجربة مهمة في إدارة ندرة المياه، تحاول من خلالها مواجهة تحديات طبيعية بحلول تقنية وتنظيمية. فمن جربة إلى الزارات، ومن صفاقس إلى سوسة، تتشكل تدريجيًا منظومة جديدة للأمن المائي تعتمد على التكنولوجيا والتخطيط بعيد المدى.
ورغم الصعوبات المالية والتقنية التي ترافق هذا التحول، يعكس المسار المعتمد وعيًا متزايدًا بأن مستقبل التنمية في القرن الحادي والعشرين سيرتبط أيضًا بمسألة الماء.
وفي عالم يتزايد فيه الضغط على الموارد المائية عامًا بعد عام، قد تصبح القدرة على تحلية مياه البحر عاملاً مهمًا في تعزيز الاستقلالية الوطنية. وتونس، بخطواتها المتدرجة، تسعى إلى الانضمام إلى الدول التي أدركت أن أمنها المائي مرتبط بأمنها الاقتصادي والاجتماعي.
خبير في تحلية المياه
المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان
في زمنٍ يتسارع فيه الجفاف وتزداد فيه التقلبات المناخية حدّة، لم يعد الماء في تونس مجرد مورد طبيعي متاح، بل أصبح قضية سيادية تمسّ الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. فبلدٌ يقع ضمن حزام مناخي شبه جاف، وتتناقص فيه الموارد المائية التقليدية، يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن حلول مبتكرة لضمان حق أجياله القادمة في الماء. ومن هنا برزت تحلية المياه بوصفها أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تتجه إليها الدولة التونسية لتعزيز أمنها المائي وتأمين موارد مستدامة.
تونس: بلد محدود الموارد المائية
تُعد تونس من بين الدول الفقيرة نسبيًا في الموارد المائية، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد السنوي من المياه العذبة المتجددة عتبة الندرة المائية المعترف بها عالميًا، والمقدَّرة بنحو 500 متر مكعب لكل شخص. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية، أبرزها الطبيعة المناخية شبه الجافة، وتذبذب التساقطات المطرية من سنة إلى أخرى — وقد شهدت البلاد في السنوات الأخيرة أكثر من خمس سنوات متتالية من الجفاف — إضافة إلى الضغط المتزايد على الموارد المائية بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني وتطور الأنشطة الاقتصادية.وتشير التقديرات إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك نحو 80 إلى 84 في المئة من الموارد المائية المتاحة في البلاد، بينما يتزايد الطلب على المياه في المدن والصناعات بوتيرة سنوية تقارب 2.5 في المئة. وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، لم يعد الاعتماد على الموارد التقليدية، مثل السدود والمياه الجوفية، كافيًا لتلبية الحاجات المتزايدة، خصوصًا مع استنزاف بعض الموائد المائية وارتفاع نسبة الملوحة في مناطق عديدة من الجنوب والساحل.
لهذه الأسباب، برزت الحاجة إلى تطوير مصادر غير تقليدية لتعويض النقص الهيكلي في المياه المتجددة، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر والمياه الجوفية المالحة، الى جانب معالجة المياه المستعملة. وقد سمح التطور التكنولوجي خلال العقود الأخيرة بتحسين كفاءة تقنيات تحلية المياه وتقليص استهلاك الطاقة فيها، ما جعلها أكثر واقعية من الناحية التقنية والاقتصادية، وأكثر انتشارًا في العديد من الدول الساحلية التي تواجه تحديات مائية مشابهة. أما فيما يتعلق بالاستعمالات الزراعية والصناعية، فتعتبر المعالجة الثلاثية للمياه المستعملة هي الخيار الأفضل اقتصاديًا وبيئيًا.
وفي هذا السياق، تعمل السلطات التونسية على تطوير عدد من محطات تحلية المياه الجوفية المالحة في المناطق الداخلية، مثل قرقنة وبن قردان ودقاش وقبلي، بهدف تحسين جودة المياه في هذه المناطق وتقليص نسبة الملوحة فيها. ويمثّل هذا التوجه محاولة لبناء منظومة متكاملة للموارد المائية غير التقليدية، تجمع بين تحلية مياه البحر وتحلية المياه الجوفية المالحة، مع إدماج الطاقات المتجددة تدريجيًا بهدف تقليص كلفة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
بدايات التحلية في تونس
يعود الاهتمام العلمي بتحلية المياه في تونس إلى أوائل ستينات القرن الماضي، وتحديدًا إلى عام 1962، حين انطلقت أولى الدراسات والتجارب حول استخدام الطاقة الشمسية لتحلية المياه المالحة داخل الوكالة التونسية للطاقة الذرية بتونس–قرطاج (العوينة)، تحت إشراف العالم التونسي البشير التركي. وكان الهدف آنذاك البحث عن حلول تقنية بسيطة تمكّن من توفير مياه الشرب للمناطق النائية التي تعاني ملوحة المياه الجوفية وشحّ الموارد المائية.وفي هذا الإطار، شهدت سنتا 1967 و1968 إنجاز ثلاث محطات صغيرة لتحلية المياه المالحة بالطاقة الشمسية. فقد أُقيمت محطة في واحة شاكمو من ولاية توزر بطاقة إنتاجية بلغت نحو 800 لتر يوميًا، وأخرى في منطقة الشيبو بولاية مدنين بطاقة 300 لتر يوميًا، إلى جانب محطة ثالثة في عمادة السعد من ولاية المهدية بطاقة تقارب 2000 لتر يوميًا. وقد مثّلت هذه التجارب، رغم تواضع طاقتها الإنتاجية، خطوة علمية رائدة في استكشاف إمكانات التحلية باستخدام الطاقة الشمسية في البيئات الجافة.
وبعد عقود من هذه البدايات البحثية، شهد عام 1997 إنشاء محطة تجريبية لتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية في المعهد الوطني للبحث العلمي والتقني ببرج السدرية، بطاقة إنتاجية تقارب ألف لتر يوميًا. وقد اعتمد هذا المشروع على تقنيةٍ مبتكرةٍ لترطيب الهواء متعددةِ المراحل، كجزء من مشروع بحثي دولي وتحت إشرافي العلمي والتقني.
محطات تحلية المياه في تونس: العاملة والمبرمجة
تعتمد معظم محطات التحلية الحديثة اليوم على تقنية التناضح العكسي، وهي تقنية تقوم على دفع مياه البحر تحت ضغط عالٍ عبر أغشية شبه منفذة تفصل الأملاح والمعادن الذائبة عن الماء، لتنتج مياهًا صالحة للشرب. وتُعد هذه التقنية، في الوقت الراهن، الخيار الأكثر انتشارًا وواقعية من الناحيتين التقنية والاقتصادية في أغلب مشاريع التحلية حول العالم.وفي تونس، شرعت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في إنشاء أول محطة حضرية لتحلية المياه الجوفية المالحة بجزيرة قرقنة، حيث دخلت حيّز الاستغلال سنة 1983. ومنذ ذلك الحين، شهدت مشاريع التحلية توسعًا تدريجيًا إلى أن بلغت اليوم مرحلة إنشاء محطة تحلية مياه البحر بسوسة، والتي يُنتظر أن تدخل حيّز الاستغلال خلال صائفة 2026. ومع تشغيل هذه المحطة، يُتوقع أن يصل الإنتاج الإجمالي لمختلف محطات التحلية في تونس إلى نحو 370 ألف متر مكعب يوميًا. وفيما يلي قائمة بالمحطات التي تعمل حالياً، وتلك قيد الإنشاء، والمحطات المخطط إنشاؤها في المستقبل:
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقرقنة (صفاقس): دخلت طور الاستغلال سنة 1983 بطاقة إنتاجية تبلغ 3,300 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالديسة (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 1995 بطاقة إنتاجية تبلغ 34,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالظويهر (جرجيس): دخلت طور الاستغلال سنة 1999 بطاقة إنتاجية تبلغ 15,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقلالة (جربة): دخلت طور الاستغلال سنة 2000 بطاقة إنتاجية تبلغ 25,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببن قردان (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2013 بطاقة إنتاجية تبلغ 1,800 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بمطماطة (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بمارث (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 5,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببلخير (قفصة): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 1,600 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالرحمات (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 8,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بدوز (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بسوق الأحد (قبلي): دخلت طور الاستغلال سنة 2016 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بحزوة (توزر): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 800 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بنفطة (توزر): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 4,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بتوزر المدينة: دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببني خداش (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2017 بطاقة إنتاجية تبلغ 800 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بجربة (مدنين): دخلت طور الاستغلال سنة 2018 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 75,000.
· محطة تحلية مياه البحر بالزارات (قابس): دخلت طور الاستغلال سنة 2024 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى100,000.
· محطة تحلية مياه البحر بقرقور (صفاقس): دخلت طور الاستغلال سنة 2026 بطاقة إنتاجية تبلغ 100,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 250,000.
· محطة تحلية مياه البحر بسيدي عبد الحميد (سوسة): الدخول في الخدمة مبرمج في سنة 2026 بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم، قابلة للتوسعة إلى 100,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بقرقنة (صفاقس): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 8,000 م³/يوم قابلة للتوسعة إلى 12,000.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بدقاش (توزر): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 2,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بسيدي بوزيد: مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 3,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة ببن قردان (مدنين): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 9,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالمظيلة (قفصة): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 9,000 م³/يوم.
· محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بالرديف (قفصة): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 6,000 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بجرجيس (مدنين): مبرمجة بطاقة إنتاجية تبلغ 50,000 م³/يوم.
· محطة تحلية مياه البحر بالمهدية: مبرمجة بطاقة إنتاجية قد تصل إلى نحو 100,000 م³/يوم.
إلى جانب هذه المنشآت، توجد في تونس عدة محطات تحلية داخل بعض المؤسسات الصناعية والسياحية والفلاحية. ومن أبرزها محطة التحلية التابعة إلى المجمع الكيميائي التونسي في الصخيرة بطاقة إنتاجية تبلغ 12,000 م³/يوم، ومحطة الشركة الإيطالية التونسية لاستغلال النفط (سيتاب) في البرمة بطاقة 300 م³/يوم، إضافة إلى محطة تحلية المياه في المنطقة السقوية القونات بسيدي علوان من ولاية المهدية بطاقة 300 م³/يوم، ومحطة تحلية مياه البحر بميناء الكتف في بن قردان بطاقة 50 م³/يوم.
مقارنة إقليمية
عند النظر إلى تجارب دول المغرب العربي في مجال تحلية المياه، يتبيّن أن الجزائر قد استثمرت على نطاق واسع في إنشاء محطات كبرى لتحلية مياه البحر، حتى بلغت قدرتها الإنتاجية عدة ملايين من الأمتار المكعبة يوميًا، مستفيدة في ذلك من مواردها الكبيرة من النفط والغاز التي مكّنتها من تمويل مشاريع ضخمة في هذا القطاع.أما المغرب فقد اعتمد بدوره استراتيجية طموحة تجمع بين التحلية والطاقات المتجددة، مع إطلاق مشاريع كبيرة في مدن مثل الدار البيضاء وأكادير، بهدف تأمين جزء مهم من احتياجاته المائية عبر هذه التقنية.
وفي المقابل تواجه ليبيا صعوبات كبيرة في تشغيل محطات التحلية بسبب الظروف الأمنية وضعف الصيانة، رغم امتلاكها بنية تحتية مهمة في هذا المجال.
وفي خضم هذا المشهد الإقليمي، اختارت تونس نهجًا يقوم على إنشاء محطات صغيرة ومتوسطة الحجم، تستجيب للحاجات الملحّة للمناطق الجنوبية والساحلية التي تعاني محدودية الموارد الطبيعية أو ارتفاع ملوحة المياه الجوفية، مع الحرص على تحقيق توازن بين الكلفة الاقتصادية ومتطلبات الاستدامة البيئية.
التحدي الاقتصادي
على الرغم من الأهمية المتزايدة لتحلية المياه في تعزيز الأمن المائي، فإنها تظل عملية مكلفة نسبيًا مقارنة بالمصادر التقليدية. ففي تونس تبلغ كلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة نحو ثلاثة دنانير تقريبًا، وهو رقم يفوق بكثير كلفة المياه المستخرجة من السدود (0.25 دينار) أو الموائد الجوفية.ويعود جزء كبير من هذه الكلفة إلى استهلاك الطاقة، التي تمثل نحو 40 في المئة من المصاريف التشغيلية لمحطات التحلية. كما أن الأسعار التي يدفعها المستهلكون تبقى مدعومة من الدولة، ما يشكل ضغطًا ماليًا على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه.
في المقابل استطاعت بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، خفض كلفة التحلية إلى أقل من نصف دولار للمتر المكعب، بفضل الاستثمارات الضخمة والتقدم التكنولوجي ووفرة الطاقة الرخيصة، إضافة إلى اقتصاديات الحجم الكبير في المشاريع العملاقة.
ومع ذلك، يأمل الخبراء أن تنخفض كلفة التحلية في تونس تدريجيًا مع تطور التكنولوجيا ودمج الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية في تشغيل المحطات.
بين الضرورة والاستدامة
لا يمكن النظر إلى تحلية المياه في تونس باعتبارها مجرد مشروع تقني أو بنية تحتية إضافية، بل هي في الحقيقة رهان استراتيجي على مستقبل البلاد المائي. فهي تتيح تأمين مياه الشرب للمناطق الجنوبية والساحلية، وتخفف الضغط على الموارد الجوفية، وتساعد على مواجهة آثار التغير المناخي.لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب أيضًا سياسات مرافقة، من بينها ترشيد استهلاك المياه، وتحديث شبكات التوزيع للحد من التسربات، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة.
فالماء في النهاية ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو عنصر أساسي في استقرار المجتمعات واستدامة التنمية.
نحو أمن مائي مستدام
تخوض تونس اليوم تجربة مهمة في إدارة ندرة المياه، تحاول من خلالها مواجهة تحديات طبيعية بحلول تقنية وتنظيمية. فمن جربة إلى الزارات، ومن صفاقس إلى سوسة، تتشكل تدريجيًا منظومة جديدة للأمن المائي تعتمد على التكنولوجيا والتخطيط بعيد المدى.ورغم الصعوبات المالية والتقنية التي ترافق هذا التحول، يعكس المسار المعتمد وعيًا متزايدًا بأن مستقبل التنمية في القرن الحادي والعشرين سيرتبط أيضًا بمسألة الماء.
وفي عالم يتزايد فيه الضغط على الموارد المائية عامًا بعد عام، قد تصبح القدرة على تحلية مياه البحر عاملاً مهمًا في تعزيز الاستقلالية الوطنية. وتونس، بخطواتها المتدرجة، تسعى إلى الانضمام إلى الدول التي أدركت أن أمنها المائي مرتبط بأمنها الاقتصادي والاجتماعي.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334368