النقل الجماعي في تونس الكبرى... كيف تحوّل من حلّ إلى مشكل؟

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69b831d2d85ac0.00955862_mhfkeljpoqngi.jpg>
AI Creation


بقلم ريم بالخذيري.
رئيسة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط


لايختلف اثنان أن النقل الجماعي أو التاكسي الجماعي خاصة على مستوى ولايات تونس الكبرى كان له الأثر الإيجابي في تسهيل حياة المواطنين وتنقلاتهم خاصة في ظل اهتراء منظومة النقل العمومي. وقد تحوّل بالتالي الى جزء لاغنى عنه من منظومة النقل في تونس بل إن الكثيرين يفضلون هذه التاكسيات عن غيرها لأسباب تتعلّق بـ القرب وسرعة الوصول وحسن المعاملة من قبل السوّاق.

ويبلغ عدد رخص التاكسي الجماعي حوالي 4000 رخصة تتفرّد ولاية بن عروس وحدها بـ 400 رخصة كأكثر ولاية في الجمهورية ينشط فيها مثل هذا النقل.




ويخضع نشاط هذا القطاع إلى ترخيص يسند من الولاية وفيه إجراءات طويلة ومعقدّة. ويطالب السواق كل مرة بـ مضاعفة هذه التراخيص لأن الطلب على التاكسي الجماعي يفوق بكثير العرض.

ولم يعد الأمر يقتصر على تمتع أشخاص طبيعيين بهذه التراخيص إذ أنشأت شركات تنشط في مجال التاكسي الجماعي وتملك أسطولا من السيارات. وبالتالي فالهدف أصبح تحقيق أكبر نسبة من الأرباح ولو على حساب الأرواح.

التاكسي الطائر

هي نكتة تندّر بها التونسيون حول السرعة الجنونية لسائق سيارة تاكسي جماعي لكنها تترجم واقعا مخيفا حيث أن هؤلاء السوّاق هدفهم كما قلنا تحقيق أكثر عدد من الرحلات من وإلى وجهته لأنه مطالب بذلك من طرف مشغّله بل إن أغلبهم يشتغلون بنظام النسبة من المداخيل اليومية (عادة تكون في حدود 30 بالمائة).

لكن هذا لايبرّر تصرفاتهم في الطريق حيث أصبحوا ينعتون بـ "الباندية" يقفون حيثما يشاؤون ويسرعون ويتجاوزون دون مراعاة للآخرين في الطريق ومنهم المبتدؤون ومنهم كبار السن ردّة فعلهم أطول. هذا دون الحديث عن المنظر الجمالي لأغلب هذه السيارات إذ تعدّ النظافة آخر همهم.

غير أن ما يحدث اليوم في قطاع التاكسي الجماعي لا يمكن اختزاله فقط في سلوك عدد كبير من هؤلاء السوّاق بل هو في العمق نتيجة خلل أعمق في تنظيم قطاع النقل برمّته. فقد تحوّل هذا النشاط تدريجيا من حلّ اجتماعي مبتكر لسدّ الفراغ في النقل العمومي إلى مجال شبه فوضوي تتحكم فيه الضرورات الاقتصادية وغياب الرقابة الصارمة. فـ الدولة التي سمحت بـ توسّع هذا القطاع لم تواكب تطوره بـ إطار قانوني وتنظيمي يفرض قواعد واضحة للعمل ويحمي في الوقت نفسه سلامة الركاب ومستعملي الطريق.

كما أن ضعف المراقبة الميدانية وحملات التفقد شجّعا بعض السائقين على التمادي في المخالفات، في حين يجد السائق الملتزم نفسه في منافسة غير عادلة مع من يغامرون بـ القانون وبـ سلامة الناس من أجل تحقيق عدد أكبر من السفرات في اليوم الواحد.

والأخطر من ذلك أن أزمة النقل العمومي في تونس الكبرى ساهمت بدورها في تكريس هذه الفوضى. فـ الاكتظاظ في الحافلات والمترو وقلّة الخطوط المنتظمة يدفعان آلاف المواطنين يوميا إلى البحث عن أي وسيلة نقل متاحة، حتى وإن كانت ظروفها غير مريحة أو غير آمنة. وهكذا أصبح التاكسي الجماعي يستغلّ في كثير من الأحيان كـ بديل اضطراري لا كـ خيار نقل منظم. وهو ما يمثلّ استغلال الحاجة لفرض واقع يعرّض حياة المواطنين للخطر وهو ما نكاد نشاهده يوميا من خلال الحوادث المرتكبة من هذه التاكسيات.

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر تشديد العقوبات على السوّاق، بل من خلال إصلاح شامل للقطاع يقوم على جملة من الإجراءات من بينها:

* إعادة تنظيم قطاع التاكسي الجماعي عبر تحديد مسارات واضحة ونقاط توقف مضبوطة لتقليص الفوضى في الطرقات.
* مراجعة منظومة التراخيص حتى تكون أكثر صرامة وشفافية وعدلا وتستجيب لـ الحاجيات الحقيقية للمناطق.
* فرض مراقبة فنية وصحية دورية صارمة على السيارات لضمان السلامة والنظافة وجودة الخدمة.
* تنظيم العلاقة بين السائقين والشركات المشغّلة بما يضمن ظروف عمل إنسانية ويحدّ من الضغط الذي يدفع بعضهم إلى المجازفة في الطريق.
* إلزام السواق بتركيب جهاز تحديد السرعة ووضعه على ذمة الدوريات الأمنية متى طلبته.
* تعزيز النقل العمومي لأن الحل الجذري يبقى في توفير منظومة نقل عمومي فعّالة تقلّل من الضغط على بقية وسائل النقل.

التاكسي الجماعي في حدّ ذاته لايعدّ مشكلا في جوهره، بل هو في الأصل جزء من الحل. غير أن تركه يتوسع خارج رؤية واضحة أو رقابة فعّالة جعله يتحوّل تدريجيا إلى عنصر من عناصر الفوضى المرورية في تونس الكبرى، وهو ما يفرض اليوم مراجعة جدية تعيد لهذا القطاع دوره الطبيعي في خدمة المواطن لا تعريض حياته للخطر.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 325584

babnet