الدولة لا تقتل .. مواطنيها

Jeudi 12 Octobre 2017



Jeudi 12 Octobre 2017
بقلم: شكري بن عيسى (*)

لا يمكن أن تمرّ مأساة القارب الذي غرق بداية الاسبوع، ومات خلالها ثمانية وتم انقاذ 38 وفقدان عدد قد يكون كبيرا، لا يمكن أن تمرّ هذه المرّة دون الوقوف على عمق الكارثة، وتحليل ابعادها خاصّة وأن الاتجاه يسير نحو ابتذالها ورمي المسؤولية على "الحارقين" و"تجّار الموت"، من خلال القصف الاعلامي الموجّه نحو شباب الجهات المسحوقة، والذي استخسر في عديد المنصّات في الموتى وذويهم التعزية ومشاعر المواساة والتعاطف.


قبل ثلاث سنوات كانت الحملات الانتخابية على أشدّها، والحزب الحاكم اليوم (النداء) كان حينها يبشّر بوعود وردية، 6% نمو سنوي و450 موطن شغل طيلة خمس سنوات و25 مليار دينار استثمار كل عام وخط تمويل بمليار دينار للتنمية الجهوية بصفر فائدة، وعديدة هي الوعود الخيالية التي تم نثرها هنا وهنالك، لم يجد منها المواطن في سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وسليانة وجندوبة وبقية الولايات سوى الوهم ومزيد التأزم والانسداد، ولم ير بعدها سوى تغيير الحكومات واعضاءها والقيادات في النداء، وتفريخ الاحزاب من حزب السبسي التي وصلت الى أربعة.

والوعود المختلفة تحوّلت تدريجيا الى تملّص من المسؤولية ورميها على الشعب، وخلق مسارات حكومية متشعّبة ضاعت عبرها الاطراف المطلوبة للمحاسبة، ولم يبق أمام الشباب سوى مزيد البطالة ومزيد غلاء الاسعار ومزيد الفقر والتهميش والانكى هو مزيد الفساد والمحسوبية والتمييز، ومجموعة الازمات الدولية تحدثت في اخر تقاريرها على تونس على "دمقرطة الفساد" و"زابونية الدولة"، واليوم تضيق باطراد مساحة الضياء الضعيفة أصلا وتجتاح المساحات الظلمة والعتمة.

واليوم الارقام تتصاعد بقوة وهي مفزعة في صفوف الشباب والطفولة خاصة، بين الغرق في محرقة المخدرات والوقوع في أتون الانتحارات والسقوط في "الحرقان"، واخرها فاجعة هذا الاسبوع التي صدمت الرأي العام، واعترتها الضبابية في المعلومة الرسمية وتناقضات في المعطيات عمّقت الشكوك بخصوص حقيقتها، وسُخّرت في المقابل ماكينة اعلامية كبيرة بين المنصات المعهودة في شمس وموزاييك والحوار التونسي، بالتركيز على "عصابات التسفير" و"تجار الحرقان" و"طيش الشباب" و"الحلم القاتل بالمال"..

واذ يجدر التنويه أن ما يسوقوه ليس خاطئا في المنطلق، فانّه لا جدال أن تعويم الظاهرة في هذه الشكليات على اهميتها واغراقها في هذه القضايا الظاهرية هو طمس (قد يكون متعمدا او اغفالا) لحقيقة السلوك واسع الانتشار، وتعمية وتهميش لجذور هذه الممارسات، كما أن القاء المسؤولية على العائلات والمجتمع المدني كما يفعل البعض، هو اجتزاء فادح مخل بالواقع، فمسؤولية الشباب والطفولة بالاساس وفق الدستور ملقاة على الدولة الراعية لمواطنيها.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، اذ أشار بقوّة الى التعتيم القاتل في المعلومات وتناقض الرواية الرسمية حول "اصطدام قارب المهاجرين بباخرة الجيش" مع شهادات ناجين، فإنّه ركّز بقوّة على عمق الظاهرة ودعا للاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب نحو "قوارب الموت"، والتي تنتج الاحساس بالاحباط وغياب أفق للكرامة والتشغيل والعدالة الاجتماعية، مؤكدا أن المعالجة لا يمكن اختزالها في المقاربة الامنية وحصر تونس في "حرس حدود لأوروبا"، في غياب المقاربة التنموية الشاملة.

مائة ألف طفل ينقطع سنويا عن التعليم حسب تصريحات وأرقام وزارة التربية، لا افق لهم ولا استراتيجيا جاهزة لاستيعاب قدراتهم وتطويرها، ولا مركز الدراسات الاستراتيجية ولا مركز "سيريس" للدراسات الاجتماعية يخصص بحوثا جدية لوضعيتهم، كما أن مئات الالاف من أصحاب الشهائد العليا لا منوال تنمية يمكن ان يوفر لهم الشغل، ومئات الاف اخرى دون ذلك يكابدون نفس المعضلة ولا يجدون اليات تكوين وتشغيل توفر لهم التوظيف، وفي الجهات المهمّشة المعزولة يزداد الاختناق الى حد الاحتضار.. ويتمكّن اليأس والاحباط والسوداوية المقيتة.

آخر استطلاعات الراي تشير الى ارتفاع صاروخي في نسبة التشاؤم لدى الشعب عند كل 3 من 4 مواطنين، والنسبة ترتفع أكثر عند الشباب مع ازدياد نسبة الفقر والتهميش والبطالة وتجميد التوظيف العمومي، وتزايد المكابدة والمعاناة يتعمّق مع انتشار البؤس السياسي في كل المشهد، مع طبقة سياسية حاكمة غارقة في المراسم والاستقبلات والدعاية الاعلامية، تفكّر وتسير بمنطق الغنائمية والانتهازية والاستيلاء، مفقّرة قيميا وثقافيا وقاصرة في الاداء وفي ابتداع البدائل والحلول وعاجزة عن بث الحلم والامل، بل ان تطاحنها وتناحرها السياسي يسمم ويعفّن المناخ الاجتماعي والسياسي ويجذّر الاحباط.

الشباب اليوم تنسد في وجهه الافق ويزداد عجزه عن مواجهة واقع يتصلّب ويتعقّد بقوّة، خاصّة وأنّ حلم الثورة الذي لاح في 2011 تم اجهاضه من السياسيين والنخب في اغلبيتها الساحقة، وهو يرى اليوم قدراته تسلب واماله ترهن والاختناق يزداد مع مصادرة حقوقه في التعبير والاعلام، واليأس يتصاعد مع فقدان الثقة في تحقق مستوجبات التوزيع العادل للثروة والمشاركة في السلطة، والضمير الانساني الوطني والدولي الذي يتهاوى يزيد في احتداد الانسداد.

اتهامات متصاعدة للحكومة بفسح المجال لـ"الحرقان" في ظل عجزها عن توفير الشغل، و"تفريغ" البلاد لتلافي تفجرات اجتماعية منتظرة بتصدير الشباب الى ما وراء الحدود، ليذهب نصف "الحارقين" غذاء للحيتان والنصف الاخر الى شمال المتوسط، والادانة تجلت اليوم استنادا الى الارتفاع الغريب لعدد "قوارب الموت" الفالتة من رادارات الدفاع والداخلية الكثيرة، في ظل استخفاف وتجاهل القصبة وخاصة قرطاج التي لم تعقد مجلس الامن القومي لتدارس المسألة الخطيرة المضرّة بالشباب والطفولة كما بالعلاقات والاتفاقيات مع الدول الاوروبية الاّ بعد احتداد الامور.

المعالجة كما يتضّح أمنية بحتة عبر مجلس في تركيبته وسلطاته أمنية، ولا علاقة لها بالجذور الحقيقية والاسباب الموضوعية للظاهرة، التي يتواصل التغطية عليها وانكارها او التقليل من حجمها الضخم، ويبدو أنّ الدولة كان هاجسها الاساسي هو دحض الاتهامات لا غير، واظهار أنها دولة لا تقتل.. مواطنيها!!

(*) قانوني وناشط حقوقي



Publié le:2017-10-12 14:29:12



  
  
  
  
festival-c5c708fd6517ff1d0373a611bc56f0e5-2017-10-12 14:29:12





8 de 8 commentaires pour l'article 149077

Nouri  (Switzerland)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 18h 56m |           
لذلك اكبر خطر على أي مجتمع يوم السلطة تكون بأيدي الفسّاد، الفاسد ليس له حدود كل شيئ ممكن فليس له دين ولا ملة.

Mandhouj  (France)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 13h 46m |           
نحن في دولة السياسة فيها تقتل المواطن .. كما تكون السياسة كما تكون المؤسسة العمومية .. كما تكونوا يلوى عليكم .. قل هو من عند أنفسكم .. الدولة هي من عند أنفس الناس .. الدولة مخلوق إجتماعي ... اوكلنا السياسة لنمط انفلت من اليد ... يجب إسترجاع ذلك، لتكون الدولة رحمة و ليست نقمة، تقتل و تفرق و تهمش .. الكرامة قبل الخبز .. فالحل ليس بالهجرة الخطيرة ، لكنه داخل الدولة .. الثورة لا تعني الفوضى .. الثورة تعني تحسين حياة الناس .. يجب أن لا نشتت النضالات
.. يجب أن نجتمع حول الحقوق .. و من أول الحقوق الحق في الشفافية ، المراقبة الديمقراطية و الجتماعية .. لكل أعمال الحكومة ، الولاة ، المعتمد ، البلديات .. الصفقات العمومية التي يتمعش فيها باندية المافيا أمقربت من السائس .. الاعانات الاجتماعية ، مراقبة توزيعها ،... يجب أن نفرض الحق في المعلومة في المراقبة ... بعد نتائج الصندوق .. إذا السائس لا يقوم بعمله كما يجب ، الشارع يبقى مفتوح للنضال ... النضال السلمي ليسا فوضى ... من لا يناضل يموت .

Fakhri  (France)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 13h 09m |           
ماهياش دولة تنجم تقول مستنقع الفساد يسوده قانون الغاب

BenMoussa  (Tunisia)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 12h 13m |           
يبيحون قتل الابرياء ويطالبون بمنع اعدام المجرمين

Elmejri  (Switzerland)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 11h 56m | Par           
- منقول Imed Omda عذرا أيتها الأمهات....عذرا أيتها الأمهات وصول السكادرة الإيطالية منذ قليل وعلى متنها 60جثة الى ميناء صفاقس. على متنها 60 شاب اختاروا الهروب الى المجهول و الموت على العيش بالوعود ولا أمل في العمل على هذه الارض الظالم اهلها شباب شبعوا وعود و كلامات و ما نالوا غير الاهانات 60 من ولادك ها تونس يقولولك نموتو نموتو و عيشوا انتم يا حكام الهانة 60 جثّة " في حالة وفاة " يا رئيس البلاد و قبلهم العشرات دفنوا في اعماق البحر في دولة تحترم شعبها ، تُنكس اليوم فيها الاعلام و تُقدم الاستقالات من الوزراء و يرحلوا وجوه الهم و الغم الذين ما راينا منهم غير الصراعات الايديولوجية ... يا من صرختم و ثرتم من اجلة قُبلة ، ها هم ابناء وطنكم يعودون اليكم جثث من اجل لقمة عيش لم يجدوها في بلدهم . وصول السكادرة الايطالية و عذرا ايها الشعب لن يسمحوا للتلاميذ بالخروج من المدارس لاستقبالها ربما بشاعة المنظر تذكرهم بمنظر سوسة اسبوعا مضى . Imed Omda منقول🏊🏿🛶🏊🏿🛶🏊🏿

Cartaginois2011  (Tunisia)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 11h 48m | Par           
Si la version horrible s'avère vrai,le parlement doit prendre ses responsabilités et pour commencer le ministre doit partir,c'est ça la démocratie qui sauvera le pays de cette anarchie....on ne sait plus qui gouverne et comment,et les médias guidées comme un troupeau,ne font que renforcer cette anarchie!

Mongi  (Tunisia)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 09h 44m |           
الدولة يظهرلي رجعت لعادتها القديمة : رجعت كيف ماكانت قبل الزيادات.

Jraidawalasfour  (Switzerland)  |Jeudi 12 Octobre 2017 à 09h 41m |           
اقتل أخاك ظالما او مظلوما ولو هاربا الى المجهول....الدولة مسؤولة على حماية مواطنيها في كل مكان وزمان،،،،🇹🇳⚖🇹🇳⚖🇹🇳





En continu









Radio Babnet Live: 100% Tarab



Derniers Commentaires