دار الأصرم بمدينة تونس العتيقة: معلم أثري وتحفة معمارية شاهدة على ازدهار تونس مطلع القرن 19

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69a0312a39f963.53392504_hegnfpmijqlko.jpg>


في قلب المدينة العتيقة بتونس، وبين أزقة نهج "التريبونال" المتشابكة، يشمخ معلم دار الأصرم بواجهته الحجرية العالية المصقولة بأجود أنواع الرخام، ليروي بصمت حكاية قرنين من التاريخ التونسي. فهذا القصر الفريد من نوعه لا يحكي سيرة أسرة عريقة فحسب، بل يجسّد مرحلة ازدهار اقتصادي وسياسي عاشتها البلاد في عهد حمودة باشا الحسيني (1782-1814) ووزيره الأكبر يوسف صاحب الطابع.


إدراج دولي وحضور ثقافي متجدد

لا يقتصر حضور دار الأصرم على بعدها التاريخي، إذ أُدرجت ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي كجزء من مدينة تونس العتيقة سنة 1979. وقد تحوّل هذا القصر الفخم إلى أحد أهم الفضاءات الثقافية في العاصمة، حيث يحتضن سنويا خلال شهر رمضان عروض مهرجان المدينة بتونس. وأصبح القصر على ملك الدولة التونسية منذ اقتناء بلدية تونس له سنة 1968، قبل أن يُسنَد سنة 1969 إلى جمعية صيانة مدينة تونس مقرا لها.


عائلة الأصرم: جذور يمنية وصعود في خدمة الدولة



تنحدر عائلة الأصرم من أصول يمنية، وهي من أعرق عائلات "البلدية" التي حلّت أولا بالقيروان قبل أن تستقر بالحاضرة. وقد ارتبط صعودها بخدمة الدولة منذ عهد حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية سنة 1705. أما القصر القائم اليوم فقد شيّده حمودة الأصرم، الرجل الثري وقائد حرس الزواوة، بين سنتي 1812 و1819، في حيّ كان يسكنه كبار موظفي المخزن والأعيان.

وتمتد الدار على مساحة 2250 متر مربع، وقد تزامن تشييدها مع واحدة من أزهى الفترات الاقتصادية في تاريخ الإيالة التونسية. ويؤكد الأستاذ الشاذلي بن يونس، رئيس جمعية مهرجان المدينة بتونس، أن تلك المرحلة "مثّلت لحظة تنافس رمزي بين العائلات الكبرى لإبراز مكانتها عبر تشييد قصور تجمع بين الفخامة والابتكار المعماري"، غير أن هذا المد العمراني لم يدم طويلا بعد مقتل يوسف صاحب الطابع ووفاة حمودة باشا.


تحفة معمارية تمزج بين الأندلسي والعثماني والتونسي التقليدي

تنكشف واجهة دار الأصرم عند الانعطاف في نهج التريبونال بمدخلها المرتفع عن مستوى الشارع بدرج حجري وقوس حجري، يعلوه طابق بارز يرتكز على "كوابيل" حجرية متدرجة في إحالة واضحة على المعمار القيرواني. ووصف الباحث الفرنسي جاك ريفو في مؤلفه المرجعي الصادر سنة 1971 واجهة الدار بأنها "متناسقة المقاييس ومثيرة للإعجاب"، مشيرا إلى أن القصر كان محل انبهار الجميع في كامل المدينة لفخامته وجماله.

ويتألف القصر من ثلاثة طوابق واضحة الوظائف: طابق تحت أرضي للأنشطة اليومية، وطابق أرضي للسكن، وطابق علوي للضيوف. ويتوسّطها فناء رئيسي قلب الحياة العائلية والاجتماعية. ويتميز القصر بمزيج معماري بين الطراز الأندلسي والعثماني والتونسي التقليدي مع استلهام واضح من الهندسة الإيطالية خاصة في الأسقف الخشبية المنقوشة والمذهّبة، فيما يكسو أرضيّته رخام إيطالي من أجود الأنواع وتتزين جدرانه بخزف تونسي متعدد الألوان.


توزيع القاعات ووظائفها

يُدخل إلى دار الأصرم عبر "الدريبة"، بهو مستطيل بسقوف ترتكز على أعمدة رخامية ذات تيجان حفصية الطراز. وتتوزع حول الصحن أربع غرف رئيسية في تخطيط يشبه "السرايا"، من أبرزها قاعة كبرى بثلاثة أقبية وأربع مقصورات يرجّح ريفو أنها استُلهمت من بيت الباشا في قصر باردو. أما "دار الضياف" فتقع في طابق علوي بارز يطل على الشارع وتتميز بصحن صغير وغرفة بست نوافذ توفر إطلالة بانورامية على المدينة.

وقد حرص مؤسسو الدار على تحبيسها لتفادي تقسيمها وضمان صيانتها، وهو ما ساهم في بقائها بحالة جيدة نسبيا حتى اليوم، لتظل شاهدة حيّة على عصر الأعيان وازدهار الحاضرة التونسية.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 324305

babnet