استراتيجيات الترجمة
عزالدّين عناية
"زالدّين عناية
أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما،
متخصّص في علم الأديان
تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.
مغامرة الترجمة المبكّرة
في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.
كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.
وفي غمار ذلك النزوع لفهْمِ الآخر وقراءته، لا يمكن الحديث دائما عن تقبُّلٍ مرحٍ لذلك المغايِر، في ظلّ استمراء الذائقة الجماعية لِما بحوزتها من إبداع. الأمر الذي قد يخلق أحيانا نفورًا من ذلك الآخر، بوصف ذلك الآخر ليس بوسعه أن يضيف للأنا شيئًا، وليس سوى تعزيز لهجانة المخزون النقيّ ولرطانة اللّسان القويم. عديد الحركات الشعوبية، في المشرق والمغرب، سلكت هذا المسلك الطهريّ في الثقافة، من خلال نشدان تحقيق النقاوة الصرفة.
اِستطاع العربُ بنباهة أن يَتجاوزوا هذا الانغلاق المتربِّص، وقد لخّصَ المقول الخلدوني في "كتاب المقدّمة"، أحدَ اللحظات المهمّة في تصحيح قراءة التاريخ لدى العرب، من خلال إعادة رسم المعالم التي يقف عليها تقدّم الاجتماع البشريّ. ففي "المقدّمة" توظيفٌ شفّافٌ لروح المعارف القديمة ولمعارف العصر، في ذلك الظرف التاريخيّ. لم يكن الفكر الخلدونيّ انغلاقًا على الذات العربية وإنما محاوَرة وقراءة لكلّ ما من شأنه أن يشكّل عنصرًا من عناصر صنع التاريخ ونزع الوعي الأسطوري عنه. أبانت أنّاليزا فيرزا، إحدى الدارسات الإيطاليات المعاصرات، ممّن اِنشغلن بالطروحات الخلدونية في الراهن، أنّ سوسيولوجيا الحضارة أو "علم العمران"، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، قد جاء التطرق إليه من منظور صاحب "المقدّمة" على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة المزدَوجة الإسلامية الإغريقية في عهده، وجرى تحليل المقولات والوقائع في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكّمة بالتحوّل التاريخيّ. فقد أدرك العرب، منذ البدء، أنّ الآخر هو رديفٌ ينبغي كسْبه معرفيّا في صفّ الذات، بنقل معارفه واسْتلهام مقولاته، وليس بوصفه نقيضًا ينبغي تجنّبه وتفاديه. كانت جغرافية الحضارات واضحةً المعالم لدى رواد الحضارة العربية، ولذلك عملوا على استلهام إبداع الأمم المجاورة والنائية بغرض رفْدِ ما لديهم من تطلّع حضاريّ.
نهْضة عقب غفْوة
وما إن أطلّت العصورُ الحديثة حتى استفاق العرب على فجوةٍ هائلةٍ تفصلهم عن أُمَم الفرنجة. سعوا فيها، عبر الرحلات والبعثات، للتعويض عمّا فاتهم، وتقليص الفارق بينهم وبين أوروبا الصاعدة. حرصت في ذلك كوكبة من المصلِحين (خيرالدين والطهطاوي وعبده وآخرين)، ممن اتّصلوا بالغرب، على تبليغ رسالة قوية للداخل مفادها أنّنا ما لم نسلك مسلك الآخر في اكتساب العلوم وتطوير المعارف، فإنّنا قادمون على أوضاع صعبة. وسارعَ هؤلاء المصلحون وغيرهم إلى ترجمة ما وعوه من ذلك الغرب، عبر الحثِّ على خوْضِ إصلاحات عاجلة في التعليم والاجتماع والقوانين، وبما تيَسَّر لهم من سبيل في خلْقِ نوًى للترجمة بغرض فتْحِ قنوات تواصُلٍ مع ذلك الغرب، تُحدِّث عمّا بلغه من معارف (مدرسة الألسن في القاهرة -1835-، ومدرسة باردو الحربية في تونس -1840- التي تولّت شأن الترجمة). كان تمثُّلُ الترجمة بمثابة العين الراصدة للحراك الحضاريّ في الغرب، ولذلك مثّلَ الاشتغال بالترجمة أعْلى أشكال الوعي بالآخر، بحثًا عن إدراك أسباب مناعته وعوامل تقدّمه. واستطاعت ترجمة وقائع الغرب وأحواله أن تحدِث رجّةً في الوعي السياسيّ لبعض الحكّام، غير أنّ تلك الرجّة سرعان ما تلاشى صداها في بنيةٍ اجتماعية متكلّسة، فقَدَت تواصلها بالمعارف. في ظرْفٍ كانت القوى الاقتصادية في الغرب تتحفّز للانقضاض على شعوب تعثّرت في السباق الحضاري، وتَعَجّل ذلك باقتحام الاستعمار معاقل الأمم الواهنة وسعى في استنزاف طاقاتها المتنوّعة.
كان شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يقدّر أنّ دسْتَرة الواقع السياسي هو مدخل للّحاق بالغرب، ولذلك حرص على نقل الدستور الفرنسي، على أمل اختصار طريق النهوض. وأردفَ ذلك بتأليف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كما اشتغل بترجمة "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وهي إنجازات تنمُّ عن وعيٍ ثقافيٍّ راق ونباهة حضارية فارقة في ذلك العصر. وعادة حين نستعرض أعمال الترجمة العربية في القرون الأولى نأتي على عناوين الأعمال وفحواها وأهميتها ومنجزيها وداعميها، ولا نتطرّق كثيرا إلى الحاضنة الحضارية المتحكمة بترجمة تلك الأعمال ورواجها. فلا بدّ أن نبرزَ قيمة هامش الحرية المسموح به للمترجم، ولمؤسسة الترجمة المعنية بالترجمة، والفضاء المروَّج فيه نص الترجمة. اليوم بالمثل نحن مدعوون إلى أن نعملَ على تقليص دائرة التضييق والرقابة حتى يجري تطوير الترجمة، ويتوفّر هامش رحب لذلك، لأنّ الترجمةَ هي المنظار الذي نرى من خلاله العالم. وما لم يكن هذا المنظار طليقًا فإنّ إمكانيات التشوّف عبره تبقى محصورةً. صحيح كان الطهطاوي رائدًا في عمل الترجمة، ولكنّ الرجلَ ناله ما نال أسلافه (ابن المقفّع على سبيل المثال) نتيجة الرقابة، فقد أُغلِقت بسبب جموحه المعرفيّ مدرسة الألسن زمن الخديوي عبّاس ونُفي على إثر ذلك رفقة جمعٍ من طلّابه إلى السودان.
سؤال الترجمة الراهن
نتساءلُ أحيانًا عن الدور المنوط بمشاريع الترجمة الناشطة في البلاد العربية في الراهن. لقد مثَّلت بعض مؤسّسات الترجمة الحالية في بلاد العرب، على غرار المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع كلمة في الإمارات العربية، وعالم المعرفة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، ومشروع نقل المعارف في البحرين، إسهامًا فعليًّا في تطوير الحوار مع الآخر، بالاطّلاع على مناهجِه وأبحاثِه وقضاياه المطروحة داخل ساحته الفكرية. وقد أمدّت تلك المؤسّسات الثقافةَ العربيةَ المعاصرة بمعارف وأدوات ومفاهيم، ما كانت لتتوفّرَ لولا عمل الترجمة. صحيح وُجِدت مؤسسات أخرى في البلاد العربية، ولكنّها كانت دون تلك المؤسسات زخمًا ونشاطًا، افتقدت إلى استراتيجيات واضحة، وكانت بدون إنجازات أحيانا. فقد اِلتَهمت البيروقراطية الاعتمادات وغابت الترجمات، ولذلك كانت بعض دُورِ النشر الخاصة أكثر نشاطا وأبلغ تأثيرا من بعض مؤسسات الترجمة الوطنية التي يُفتَرض رياديتها وتوجيهها لقطاع الترجمة العام. والسؤال المطروح ما الذي تحتاجه مراكز الترجمة الكبرى في البلاد العربية؟ إنّه الخروج من أرثوذكسية التعاطي مع الترجمة ومن بطرياركية الوصاية على القارئ، بمعنى أن تُراجَع حاجات الثقافة العربية باستمرار ولا نتصوّر، على سبيل المثال، أنّ ترجمةَ أمهات الكتب الغربيّة هو ما يمثِّل الرصيد الأول للنهوض وصنْع ثقافة عربية فاعلة. فقد يكون التعويل على هذه السياسة مدعاة إلى هدر الطاقات أحيانا، ومجرّد حشْو لرفوف المكتبات بكتب ضخمة و"أكاديمية"، مخيفة للقارئ والمقتني.
فما يُعاب أحيانا على بعض مشاريع الترجمة في البلاد العربية في الراهن، وهو عدم تنبّهها إلى متطلّبات القراءة، يحدث هذا جراء القطيعة في التواصل مع القارئ، وعدم معرفة مشاغله، وممارسة الأسْتَذة عليه من خلال تقديم منجَزات معلَّبَة له تبقى محفوظة في رفوف المكتبات لاغير. وكان الأجدى لخلْقِ ترجمةٍ فاعلة في النسيج الثقافي هو تحويل المنجَز الترجميّ إلى منتوج حيّ يتحاوَر مع القارئ ويلبّي حاجاته. ربّما بهذا الشكل يغدو توطين الترجمةِ في الأوساط الثقافية الجديدة عنصرًا مؤثّرًا في الحوار وفي التفاعل الحضاري.
ولذلك وكما هو ملاحَظ، نجحت استراتيجية "مشروع كلمة" الإماراتي وكذلك سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في عدم التعامل مع العمل الترجمي، بوجه عامٍ، بأرثوذكسية وبطرياركية، والسعي الدائم للاقتراب من هواجس القارئ وحاجاته. فلو أخذنا على سبيل المثال كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان أو كتاب "علم الاجتماع الديني" للإيطاليين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي المترجَميْن لدى مشروع كلمة. فقد حقّقا من النجاح والشيوع والاطلاع بين القرّاء العرب في ظرف وجيز، أكثر مما حققته كتب ضخمة وفخمة في المجال. لذلك ينبغي ألّا نغترّ بأنّ نقل أعمال الأسماء الكبرى في مجال من مجالات الثقافة هو ضمانة للرواج والنفع، وأن تكون لنا من النباهة الثقافية اللازمة حتى ندرك كيف يتحرّك عالَم القرّاء اليوم.
ومن هذا الباب نحن لا نحتاج إلى ترجمة "دفاتر السجن" حتى نستفيد من أنطونيو غرامشي اليوم، وإنما نحتاج إلى من يفكّك غرامشي بمنظور نقديٍّ تحليليٍّ حتى يتسنّى لنا الاستفادة من هذا المفكر. فقد أُقيمت في البلاد العربية ثلاثة ملتقيات اِحتفت بغرامشي، وذلك منذ اكتشاف هذا المفكر في أعقاب هزيمة 67. اِنعقد الملتقى الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من فيفري سنة 1989. تلاه ملتقى ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه. وانعقدت خلال العام 2017، بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ"، ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". حامَ جميع تلك الملتقيات حول سؤال مدى راهنية غرامشي؟ والحال أنه منذ إطلالة غرامشي في الأدبيات العربية، وقد مرّ زهاء الخمسة عقود على اكتشاف الرجل، والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا يزال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقديّ لمقولاته. من هذا الباب لا ننشد ترجمة إيديولوجية منبهِرة وإنّما نتطلّع إلى ترجمة ناقدة وواعية بالمنتوج العالمي. فنحن اليوم أمام حاجة ماسة إلى منهج في تفكيك الآخر ووعي عمقه الثقافي لقراءته القراءة الصائبة، ولن يتسنّى ذلك سوى بمتابعة منتوجاته بشكلٍ نبيهٍ وعميقٍ.
آتي إلى شيء مهمّ في هذا المجال، يتمثّل في أنّ توطينَ الترجمة والاستفادة من إضافاتها وإسهاماتها، لن يتيسّر سوى باعتماد قراءة رصينة تؤسّس إلى ما يمكن أن نُطلقَ عليه نقد الترجمة. فلا شكّ أنّ فعلَ الترجمة في المطلق هو فعلٌ حسن ومحمودٌ، لما يسديه للثقافة من انفتاح وتطوير وثراء، ولكن وجبَ كذلك رفْدُ هذا العمل بقراءات واعية، تستقرئ اللغة والمقدرة والنباهة لدى المترجم. إذ يجد القارئ نفسه أحيانا أمام أكداس من النصوص بدون دليل أو مرشد، وهو شأن من مهامّ نقد الترجمة، غير أنه يغيب بشكل واضح في الحالة العربية. فما يهدف إليه نقد الترجمة بالأساس هو ترشيد الترجمة بغرضِ الإسهام في النهوض الثقافي والحوار الجادّ مع الثقافة الأخرى. ولا شكّ أنّ غيابَ النقد في الترجمة، كما هو الحال في الواقع العربي، هو مدعاة لوجود فوضى ولانتهاكات متنوّعة تطال حقوق المشتغلين في هذا الحقل.
لقد أبانت تاريخية الترجمة لدى العرب أنّ القراءة العميقة للآخر متيسّرة، بتحويل منتوجه الفكري إلى منتوج عربيّ، أي بدمجه ضمن مستهلَك القراءة المعرَّب، وليس ببقائه في لغته الأصلية. هذا فضلا عمّا ندعو إليه من تعريبٍ وظيفيٍّ، ونقصد به جعل الإبداعات والأدوات المعرفية الأجنبية في خدمة الواقع العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدّياته. ولذلك كثيرٌ من الكتب الأجنبية المؤثِّرة في ثقافتنا ما كان ليتسنّى لها ذلك لولا الحضور في ترجمات عربية. لعلّ المفكّر محمد أركون نفسه، المنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، انشغالًا واشتغالًا، ما كان ليتحقّق له الحضور الباذخ في مجال الإسلاميات الحديثة في البلاد العربية لولا ترجمة أعماله.
وفي هذا التوطين للمعارف الأجنبيّة، ثمة قراءة منبهِرة بالآخر وأخرى واعية بالآخر، وغالبا ما جاءت قراءتنا ضمن الصنف الأول. فلا يعني الانبهار الغلوّ في الإعجاب فحسب، بل الإعجاب السلبيّ أيضا، على غرار ما حصل لدينا مع المفكر نيكولو ماكيافيللي، مع أنّ الرجل من أعمدة الفكر السياسي في الغرب. لم نعِ من طروحاته السياسية سوى من خلال "الطباع المراوِغة في العمل السياسي". باتت هذه الصورة تخفي الثراء المعرفيّ لفكر الرجل، والأمر ذاته ينسحب على أعلام آخرين في الفكر الإنسانيّ حوّلتهم القراءة المختزِلة إلى أوثان جامدة: فرويد يساوي الجنس، ونيتشه يساوي العدمية، وماركس يساوي الإلحاد، وعلي شريعتي يساوي التشيّع، والحال أنّ القراءةَ المختزِلة هي أخطر ممارسات قتل المفكّر والحيلولة دون الانتفاع بآرائه وأفكاره. لذلك يقتضي الاحتضان الصائب لفكر الآخر عدم الانحصار في القراءة داخل المعايير الجامدة أو القوالب الجاهزة، والتعاطي مع الإبداع الفكري بروح منفتحة، وهكذا يسهم الفكر المترجَم في تجديد الذات وإثرائها.
"زالدّين عناية
أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما،
متخصّص في علم الأديان
تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.
مغامرة الترجمة المبكّرة
في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.
وفي غمار ذلك النزوع لفهْمِ الآخر وقراءته، لا يمكن الحديث دائما عن تقبُّلٍ مرحٍ لذلك المغايِر، في ظلّ استمراء الذائقة الجماعية لِما بحوزتها من إبداع. الأمر الذي قد يخلق أحيانا نفورًا من ذلك الآخر، بوصف ذلك الآخر ليس بوسعه أن يضيف للأنا شيئًا، وليس سوى تعزيز لهجانة المخزون النقيّ ولرطانة اللّسان القويم. عديد الحركات الشعوبية، في المشرق والمغرب، سلكت هذا المسلك الطهريّ في الثقافة، من خلال نشدان تحقيق النقاوة الصرفة.
اِستطاع العربُ بنباهة أن يَتجاوزوا هذا الانغلاق المتربِّص، وقد لخّصَ المقول الخلدوني في "كتاب المقدّمة"، أحدَ اللحظات المهمّة في تصحيح قراءة التاريخ لدى العرب، من خلال إعادة رسم المعالم التي يقف عليها تقدّم الاجتماع البشريّ. ففي "المقدّمة" توظيفٌ شفّافٌ لروح المعارف القديمة ولمعارف العصر، في ذلك الظرف التاريخيّ. لم يكن الفكر الخلدونيّ انغلاقًا على الذات العربية وإنما محاوَرة وقراءة لكلّ ما من شأنه أن يشكّل عنصرًا من عناصر صنع التاريخ ونزع الوعي الأسطوري عنه. أبانت أنّاليزا فيرزا، إحدى الدارسات الإيطاليات المعاصرات، ممّن اِنشغلن بالطروحات الخلدونية في الراهن، أنّ سوسيولوجيا الحضارة أو "علم العمران"، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، قد جاء التطرق إليه من منظور صاحب "المقدّمة" على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة المزدَوجة الإسلامية الإغريقية في عهده، وجرى تحليل المقولات والوقائع في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكّمة بالتحوّل التاريخيّ. فقد أدرك العرب، منذ البدء، أنّ الآخر هو رديفٌ ينبغي كسْبه معرفيّا في صفّ الذات، بنقل معارفه واسْتلهام مقولاته، وليس بوصفه نقيضًا ينبغي تجنّبه وتفاديه. كانت جغرافية الحضارات واضحةً المعالم لدى رواد الحضارة العربية، ولذلك عملوا على استلهام إبداع الأمم المجاورة والنائية بغرض رفْدِ ما لديهم من تطلّع حضاريّ.
نهْضة عقب غفْوة
وما إن أطلّت العصورُ الحديثة حتى استفاق العرب على فجوةٍ هائلةٍ تفصلهم عن أُمَم الفرنجة. سعوا فيها، عبر الرحلات والبعثات، للتعويض عمّا فاتهم، وتقليص الفارق بينهم وبين أوروبا الصاعدة. حرصت في ذلك كوكبة من المصلِحين (خيرالدين والطهطاوي وعبده وآخرين)، ممن اتّصلوا بالغرب، على تبليغ رسالة قوية للداخل مفادها أنّنا ما لم نسلك مسلك الآخر في اكتساب العلوم وتطوير المعارف، فإنّنا قادمون على أوضاع صعبة. وسارعَ هؤلاء المصلحون وغيرهم إلى ترجمة ما وعوه من ذلك الغرب، عبر الحثِّ على خوْضِ إصلاحات عاجلة في التعليم والاجتماع والقوانين، وبما تيَسَّر لهم من سبيل في خلْقِ نوًى للترجمة بغرض فتْحِ قنوات تواصُلٍ مع ذلك الغرب، تُحدِّث عمّا بلغه من معارف (مدرسة الألسن في القاهرة -1835-، ومدرسة باردو الحربية في تونس -1840- التي تولّت شأن الترجمة). كان تمثُّلُ الترجمة بمثابة العين الراصدة للحراك الحضاريّ في الغرب، ولذلك مثّلَ الاشتغال بالترجمة أعْلى أشكال الوعي بالآخر، بحثًا عن إدراك أسباب مناعته وعوامل تقدّمه. واستطاعت ترجمة وقائع الغرب وأحواله أن تحدِث رجّةً في الوعي السياسيّ لبعض الحكّام، غير أنّ تلك الرجّة سرعان ما تلاشى صداها في بنيةٍ اجتماعية متكلّسة، فقَدَت تواصلها بالمعارف. في ظرْفٍ كانت القوى الاقتصادية في الغرب تتحفّز للانقضاض على شعوب تعثّرت في السباق الحضاري، وتَعَجّل ذلك باقتحام الاستعمار معاقل الأمم الواهنة وسعى في استنزاف طاقاتها المتنوّعة.كان شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يقدّر أنّ دسْتَرة الواقع السياسي هو مدخل للّحاق بالغرب، ولذلك حرص على نقل الدستور الفرنسي، على أمل اختصار طريق النهوض. وأردفَ ذلك بتأليف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كما اشتغل بترجمة "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وهي إنجازات تنمُّ عن وعيٍ ثقافيٍّ راق ونباهة حضارية فارقة في ذلك العصر. وعادة حين نستعرض أعمال الترجمة العربية في القرون الأولى نأتي على عناوين الأعمال وفحواها وأهميتها ومنجزيها وداعميها، ولا نتطرّق كثيرا إلى الحاضنة الحضارية المتحكمة بترجمة تلك الأعمال ورواجها. فلا بدّ أن نبرزَ قيمة هامش الحرية المسموح به للمترجم، ولمؤسسة الترجمة المعنية بالترجمة، والفضاء المروَّج فيه نص الترجمة. اليوم بالمثل نحن مدعوون إلى أن نعملَ على تقليص دائرة التضييق والرقابة حتى يجري تطوير الترجمة، ويتوفّر هامش رحب لذلك، لأنّ الترجمةَ هي المنظار الذي نرى من خلاله العالم. وما لم يكن هذا المنظار طليقًا فإنّ إمكانيات التشوّف عبره تبقى محصورةً. صحيح كان الطهطاوي رائدًا في عمل الترجمة، ولكنّ الرجلَ ناله ما نال أسلافه (ابن المقفّع على سبيل المثال) نتيجة الرقابة، فقد أُغلِقت بسبب جموحه المعرفيّ مدرسة الألسن زمن الخديوي عبّاس ونُفي على إثر ذلك رفقة جمعٍ من طلّابه إلى السودان.
سؤال الترجمة الراهن
نتساءلُ أحيانًا عن الدور المنوط بمشاريع الترجمة الناشطة في البلاد العربية في الراهن. لقد مثَّلت بعض مؤسّسات الترجمة الحالية في بلاد العرب، على غرار المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع كلمة في الإمارات العربية، وعالم المعرفة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، ومشروع نقل المعارف في البحرين، إسهامًا فعليًّا في تطوير الحوار مع الآخر، بالاطّلاع على مناهجِه وأبحاثِه وقضاياه المطروحة داخل ساحته الفكرية. وقد أمدّت تلك المؤسّسات الثقافةَ العربيةَ المعاصرة بمعارف وأدوات ومفاهيم، ما كانت لتتوفّرَ لولا عمل الترجمة. صحيح وُجِدت مؤسسات أخرى في البلاد العربية، ولكنّها كانت دون تلك المؤسسات زخمًا ونشاطًا، افتقدت إلى استراتيجيات واضحة، وكانت بدون إنجازات أحيانا. فقد اِلتَهمت البيروقراطية الاعتمادات وغابت الترجمات، ولذلك كانت بعض دُورِ النشر الخاصة أكثر نشاطا وأبلغ تأثيرا من بعض مؤسسات الترجمة الوطنية التي يُفتَرض رياديتها وتوجيهها لقطاع الترجمة العام. والسؤال المطروح ما الذي تحتاجه مراكز الترجمة الكبرى في البلاد العربية؟ إنّه الخروج من أرثوذكسية التعاطي مع الترجمة ومن بطرياركية الوصاية على القارئ، بمعنى أن تُراجَع حاجات الثقافة العربية باستمرار ولا نتصوّر، على سبيل المثال، أنّ ترجمةَ أمهات الكتب الغربيّة هو ما يمثِّل الرصيد الأول للنهوض وصنْع ثقافة عربية فاعلة. فقد يكون التعويل على هذه السياسة مدعاة إلى هدر الطاقات أحيانا، ومجرّد حشْو لرفوف المكتبات بكتب ضخمة و"أكاديمية"، مخيفة للقارئ والمقتني.فما يُعاب أحيانا على بعض مشاريع الترجمة في البلاد العربية في الراهن، وهو عدم تنبّهها إلى متطلّبات القراءة، يحدث هذا جراء القطيعة في التواصل مع القارئ، وعدم معرفة مشاغله، وممارسة الأسْتَذة عليه من خلال تقديم منجَزات معلَّبَة له تبقى محفوظة في رفوف المكتبات لاغير. وكان الأجدى لخلْقِ ترجمةٍ فاعلة في النسيج الثقافي هو تحويل المنجَز الترجميّ إلى منتوج حيّ يتحاوَر مع القارئ ويلبّي حاجاته. ربّما بهذا الشكل يغدو توطين الترجمةِ في الأوساط الثقافية الجديدة عنصرًا مؤثّرًا في الحوار وفي التفاعل الحضاري.
ولذلك وكما هو ملاحَظ، نجحت استراتيجية "مشروع كلمة" الإماراتي وكذلك سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في عدم التعامل مع العمل الترجمي، بوجه عامٍ، بأرثوذكسية وبطرياركية، والسعي الدائم للاقتراب من هواجس القارئ وحاجاته. فلو أخذنا على سبيل المثال كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان أو كتاب "علم الاجتماع الديني" للإيطاليين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي المترجَميْن لدى مشروع كلمة. فقد حقّقا من النجاح والشيوع والاطلاع بين القرّاء العرب في ظرف وجيز، أكثر مما حققته كتب ضخمة وفخمة في المجال. لذلك ينبغي ألّا نغترّ بأنّ نقل أعمال الأسماء الكبرى في مجال من مجالات الثقافة هو ضمانة للرواج والنفع، وأن تكون لنا من النباهة الثقافية اللازمة حتى ندرك كيف يتحرّك عالَم القرّاء اليوم.
ومن هذا الباب نحن لا نحتاج إلى ترجمة "دفاتر السجن" حتى نستفيد من أنطونيو غرامشي اليوم، وإنما نحتاج إلى من يفكّك غرامشي بمنظور نقديٍّ تحليليٍّ حتى يتسنّى لنا الاستفادة من هذا المفكر. فقد أُقيمت في البلاد العربية ثلاثة ملتقيات اِحتفت بغرامشي، وذلك منذ اكتشاف هذا المفكر في أعقاب هزيمة 67. اِنعقد الملتقى الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من فيفري سنة 1989. تلاه ملتقى ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه. وانعقدت خلال العام 2017، بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ"، ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". حامَ جميع تلك الملتقيات حول سؤال مدى راهنية غرامشي؟ والحال أنه منذ إطلالة غرامشي في الأدبيات العربية، وقد مرّ زهاء الخمسة عقود على اكتشاف الرجل، والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا يزال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقديّ لمقولاته. من هذا الباب لا ننشد ترجمة إيديولوجية منبهِرة وإنّما نتطلّع إلى ترجمة ناقدة وواعية بالمنتوج العالمي. فنحن اليوم أمام حاجة ماسة إلى منهج في تفكيك الآخر ووعي عمقه الثقافي لقراءته القراءة الصائبة، ولن يتسنّى ذلك سوى بمتابعة منتوجاته بشكلٍ نبيهٍ وعميقٍ.
آتي إلى شيء مهمّ في هذا المجال، يتمثّل في أنّ توطينَ الترجمة والاستفادة من إضافاتها وإسهاماتها، لن يتيسّر سوى باعتماد قراءة رصينة تؤسّس إلى ما يمكن أن نُطلقَ عليه نقد الترجمة. فلا شكّ أنّ فعلَ الترجمة في المطلق هو فعلٌ حسن ومحمودٌ، لما يسديه للثقافة من انفتاح وتطوير وثراء، ولكن وجبَ كذلك رفْدُ هذا العمل بقراءات واعية، تستقرئ اللغة والمقدرة والنباهة لدى المترجم. إذ يجد القارئ نفسه أحيانا أمام أكداس من النصوص بدون دليل أو مرشد، وهو شأن من مهامّ نقد الترجمة، غير أنه يغيب بشكل واضح في الحالة العربية. فما يهدف إليه نقد الترجمة بالأساس هو ترشيد الترجمة بغرضِ الإسهام في النهوض الثقافي والحوار الجادّ مع الثقافة الأخرى. ولا شكّ أنّ غيابَ النقد في الترجمة، كما هو الحال في الواقع العربي، هو مدعاة لوجود فوضى ولانتهاكات متنوّعة تطال حقوق المشتغلين في هذا الحقل.
لقد أبانت تاريخية الترجمة لدى العرب أنّ القراءة العميقة للآخر متيسّرة، بتحويل منتوجه الفكري إلى منتوج عربيّ، أي بدمجه ضمن مستهلَك القراءة المعرَّب، وليس ببقائه في لغته الأصلية. هذا فضلا عمّا ندعو إليه من تعريبٍ وظيفيٍّ، ونقصد به جعل الإبداعات والأدوات المعرفية الأجنبية في خدمة الواقع العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدّياته. ولذلك كثيرٌ من الكتب الأجنبية المؤثِّرة في ثقافتنا ما كان ليتسنّى لها ذلك لولا الحضور في ترجمات عربية. لعلّ المفكّر محمد أركون نفسه، المنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، انشغالًا واشتغالًا، ما كان ليتحقّق له الحضور الباذخ في مجال الإسلاميات الحديثة في البلاد العربية لولا ترجمة أعماله.
وفي هذا التوطين للمعارف الأجنبيّة، ثمة قراءة منبهِرة بالآخر وأخرى واعية بالآخر، وغالبا ما جاءت قراءتنا ضمن الصنف الأول. فلا يعني الانبهار الغلوّ في الإعجاب فحسب، بل الإعجاب السلبيّ أيضا، على غرار ما حصل لدينا مع المفكر نيكولو ماكيافيللي، مع أنّ الرجل من أعمدة الفكر السياسي في الغرب. لم نعِ من طروحاته السياسية سوى من خلال "الطباع المراوِغة في العمل السياسي". باتت هذه الصورة تخفي الثراء المعرفيّ لفكر الرجل، والأمر ذاته ينسحب على أعلام آخرين في الفكر الإنسانيّ حوّلتهم القراءة المختزِلة إلى أوثان جامدة: فرويد يساوي الجنس، ونيتشه يساوي العدمية، وماركس يساوي الإلحاد، وعلي شريعتي يساوي التشيّع، والحال أنّ القراءةَ المختزِلة هي أخطر ممارسات قتل المفكّر والحيلولة دون الانتفاع بآرائه وأفكاره. لذلك يقتضي الاحتضان الصائب لفكر الآخر عدم الانحصار في القراءة داخل المعايير الجامدة أو القوالب الجاهزة، والتعاطي مع الإبداع الفكري بروح منفتحة، وهكذا يسهم الفكر المترجَم في تجديد الذات وإثرائها.











Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 323276