بعض تفاصيل المنفى (8 )



الطاهر العبيدي

عون جمارك مغربي ينتشلني من الغرق.


بقيت عالقا في الحدود الإقليمية البريّة بين المغرب والجزائر، أتأمل السماء، مثلما تقول ـ غادة السمان ـ "علّمني المدعو غربة أن أكتب اسم الوطن بالنجوم على سبورة الليل"..

ظللت موزّعا بين الخيبة والأمل.. ورائي جزائر ـ مصطفى بن بولعيد ـ

ـ العربي بن مهيدي ـ ديدوش مراد ـ حسيبة بولمرقة - فضيلة سعداني ..وغيرهم من أبطال تحرير الجزائر البيضاء..وأمامي مغرب - عبد الكريم الخطابي رائد ثورة الريف وشهداء الأطلسي - رحمة حموش - أحمد الحنصالي - مليكة الفاسي...الذين كانوا أرقا صارخا في أذهان الاحتلال..وخلف الاثنين بلد - الدغباجي- وبن سديرة - خضراء الزيدية - حسينية رمضان عميد..وغيرهم من أبطال المقاومة المسلحة ضدّ الاستعمار في تونس الخضراء..وأنا هنا الإنسان الحالم بالحرية والكرامة والانعتاق.. فالاستقلال استقلالي، استقلال أجدادي وآبائي، ولم يصلني منه سوى محاضر تفتيش، ومداهمات وسجون، وتحقيقات وتعذيب ومحاصرة وتضييق...
ظللت مرميا لا بواكي لي، بلا بريد ودون عنوان..مواطن عربي أنا تكبّلني هنا وهناك وثائق وأوراق..تتقاذفني مزاجية أعوان غلاظ شداد..وأنا الغريب المشرّد الشريد ومجرّد رقم في سجّلات دول مزابل الاستقلال..

حين تتساوى الأضداد

بقيت على هذه الحال معلقا بين الأرض والسماء، متكلا على الواحد القهّار..أذّن مغرب رمضان حيث كنّا في شهر الصيام، وأنا بين اليأس والرجاء،
كطائر فَقَدَ جناح، وكمقاتل دون زاد، دون ذخيرة، وبلا سلاح..
حين لا تملك سوى واحدا على الألف من شعاع أمل، فإنك تحاول متشبّثا ببصيص حلم، وتقتحم المستحيل وتتجرأ على الواقع مهما انسدت أمامك الأبواب، وتغامر، فلا شيء تخسره فقد استوت الأضداد.


اقرأ أيضا: بعض تفاصيل المنفى


العودة من حيث أتيت

أمام ما أنا فيه، فلا شيء أخسره بعد هذا الذي كان..اتجهت إلى عون جمارك آخر ، موضّحا أن زميله منع دخولي بسبب وثيقة البنك، فلم يعرّج على هذه الورقة التافهة، واتضح أنها ليست من الأولويات..
فقال لي بلهجته المغربية " دَوَّرْ لِيهْ " بمعنى أعطه مبلغا ماليا..
فاستفسرت عن المطلوب فأجابني (500 فرنك فرنسي)، ما يعادل ( 76 يورو) حاليا..فعبّرت له عن ارتفاع "التسعيرة" وتصنّعت العدول عن دخول المغرب، والرجوع من حيث أتيت، وكأن وضعي قانونيا وكأني لما أعود للجزائر سيستقبلونني بالزغاريد والهتاف.. فمسكني بالقول والتفسير والتعليل..ودخلنا جهارا في سوق العرض والطلب، حتى أسفرت المفاوضات على دفع مبلغ (200 فرنك فرنسي)، ما يقارب (30 يورو)..



لا خيار أمامي



اتجهت بعد تسديد الرشوة، أو الإتاوة، أو الإكرامية..إلى نفس الضابط الذي طردني بعيون محمرّة منذ ساعات وأقسم بكل المقدّسات أن لا أدخل المغرب، هو الذي استقبلني هذه المرة بابتسامة عريضة، وطبع جوازي متمنيا لي إقامة طيبة..
ولأصدقاء الشريعة وعلوم الدين الذين قد يبوّبون هذا الإسعاف للجواز ضمن خانة المحظور، أقول أن لا خيار أمامي، فالضرورات تبيح المحظورات.

عاد جوازي الأعرج نابضا بالحياة، واصلنا الطريق لنقيم بنزل في مدينة وجدة المغربية والحدودية. هذه المدينة المتحركة جدا، والنابضة بالحياة، والتي لا تنام..

حاصرونا من كل الجهات

في الصباح تجولنا أنا وقريبي في الأسواق، ووجدنا أنفسنا محاطين ومحاصرين من كل الجهات بمجموعة من الباعة المتجولين في أعمار الأطفال. فاشتريت بعض الهدايا من "الجلابيب"، كي أثبت أثناء عودتي أنني من فصيلة السوّاح، الذين يساهمون في تحريك الاقتصاد، إتقاء للشكوك ومسحا للذنوب.. ولا أدري كيف استيقظت في ذهني قصّة أحد الأصدقاء بحينا، الأستاذ ـ عبد الحق ـ حيث اشترى أحد المرّات من سوق "زرقون" بتونس العاصمة قميصا أعجبه لونه ونوعه، كان ملفوفا في "البلاستيك" بطريقة مرتبة وجميلة. فتحه لما رجع لبيته، فوجد فقط الصدر والرقبة، ولا ظهر ولا يدين.. مما جعلني أتفقد هذه "الجلابيبب" فاكتشفت أن ظهورها مفتتة وممزقة، وكأنها نهشتها الكلاب..كما أن قريبي هو الآخر ينتبه أنه قد سرق منه مبلغا بالعملة الأجنبية، كنت قد سلمته له قبل دخولنا للحدود، احتياطا في صورة ما إذا قبض عليّ..وطبعا بعيدا عن أي اتهام لأشقانا المغاربة، فالمتحايلون واللصوص في كل الأقطار والأزمان، والطيبون والخيّرون في كل البلدان..

تحوّلت إلى مهرّب

اكتسبت تجربة من سفرتي هذه، استفاد منها بعض الأصدقاء، ممّن وقعوا في مشكلة تجديد السياحة كي لا ينكشف أمرهم، هم الآن موزّعين في دول أروبية، لم أستشرهم وإلا كنت ذكرتهم هنا بالأسماء والألقاب. عدت معهم مرة أخرى من الجزائر إلى المغرب. وقد كنت دليلهم طبعا في إطار المساعدة والتآزر. فجميعنا من الفارّين من القمع في تونس، مع اختلاف وحيد أنهم يملكون جوازاتهم الحقيقية على عكسي أنا. أخذت منهم جوازاتهم، ووضعت في كل جواز (20 فرنك فرنسي)، ما يساوي (3 يورو). وقدمتها دون خوف للمسئول عن الجوازات وكأني زميلهم في سلك الجمارك. فقال هذا مبلغ زهيد، فأجبته أن المجموعة طلبة، ولا تخفى عليك ألأوضاع وأضنك مررت من هناك، وارتاح لكلامي وختم تاريخ الدخول...

واستوى جوازي واقفا على رؤوس الطوابع، بعد تجربة الحدود البرية.. ليبقى التحدّي قائما أمام جوازي العابس حين يدخل المطارات، وتلك قصة أخرى، ومخاطرة أخرى، ومعاناة أخرى، ومغامرات أخرى...



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 227005