محمد كريشان: المجازر اللغوية في القنوات التونسية

Dimanche 04 Février 2018



Dimanche 04 Février 2018
محمد كريشان
القدس العربي


إجلس أمام التلفزيون الألماني ستجد كل من على شاشته يتحدث بالألماني… طبعا!! إجلس أمام التلفزيون الفرنسي ستجد الكل يتحدث الفرنسي… طبعا!!

يا أخي، إجلس أمام التلفزيون الإسرائيلي ستجد الكل يتحدث عبري… طبعا!!!
إلا التلفزيونات التونسية، و يبدو المغاربية عموما، فهي خليط عجيب و هجين من العربية الفصحى و العامية المحلية و الفرنسية!!
لن نتحدث عن العربية الفصحى فقد لا يكون من المناسب دائما التحدث بها بالضرورة في كل الأوقات بالنسبة إلى وسيلة إعلام جمهورها مختلف المستويات التعليمية و الأوساط الاجتماعية… و هذا هو السائد على كل في تلفزيونات مصر و العراق و الخليج و غيرها…
المشكل ليس هنا… المشكل أن المتحدث في التلفزيونات التونسية المختلفة، و في القنوات الخاصة بشكل أبشع بكثير مما عليه الحال في القنوات العامة المملوكة للدولة، يقول لك جملة بالعامية تتخللها مفردة أو مفردتان بالفرنسية ثم يسترسل فقط بالعامية ليتوقف عند فكرة معينة فيقلب الموجة بالكامل إلى الفرنسية بلا أدنى حرج ليعود بعدها إلى العامية المخترقة بالفرنسية و هكذا دواليك.
المشكل ليس هنا فقط… المشكل أيضا أن المذيعين و المذيعات هم أيضا على نفس شاكلة الضيوف في هذا الخليط العجيب. هم لا يكتفون بأنهم مقصرون في عدم التصحيح لضيوفهم و جعلهم يعودون للحديث بلهجة صافية متناغمة و إنما أيضا يسايرونهم في هذا الأسلوب الغريب في الحديث.

المشكل ليس هنا فقط… المشكل كذلك أن هذا الأسلوب المشوّه في الحديث يشترك فيه رجل الشارع العادي و المثقف و لاعب كرة القدم و النقابي و الناشط في المجتمع المدني و النائب في البرلمان و الوزير، الشباب و الكهول، النساء و الرجال، إلا من رحم ربك و هم قلة أقل من القليلة، فمن لا يرمي بجمل فرنسية كاملة يرمي بمفردة أو مفردتين، في البداية أو النهاية أو الوسط، المهم أن تكون هذه المفردات كالملح الذي لا يغيب عن طعام!!
قد ينبري من التونسيين من يقول: و أين المشكل في كل ما ذكرت؟؟ بل و أين الضرر أصلا طالما أن المواطن التونسي هو كذلك في حياته اليومية و ليس دور هذه القنوات أن تتحول إلى وصية على ضيوفها و كيف يتحدثون…
ربما… و لكن لماذا لم يكن كل ما ذكرنا ظاهرة في التلفزيون أيام حكم الرئيس بورقيبة، و هو المتهم من قبل خصومه بأنه المثقف و السياسي المتفرنس و المعادي للعروبة، و لماذا لم يكن كذلك أيام حكم الرئيس بن علي، المتهم من قبل خصومه بأنه محدود الثقافة و معاد لكل توجه قد يكرس ما يخشى منه عودة إلى الجذور الممهدة للتطرف الديني؟؟!! رغم أن ما جمع العهدين هو معاداة التعددية و الحرية الصحافية و بالتالي لم يكن في سنواتهما الطويلة هذا الكم الهائل من الإذاعات و التلفزيونات المنتعشة في تونس، بغثها و سمينها، منذ ثورة شعبها قبل سبع سنوات.
كل من يحاول أن يبرر هذا المشهد غير الطبيعي من هيمنة هذه «اللغة اللقيطة» في أغلب البرامج التلفزيونية التونسية من اجتماعية و رياضية و سياسية و برامج طبخ و برامج مسابقات و كل شيء تقريبا لن يستطيع على الأرجح أن يقدم تفسيرا مقنعا أو شبه مقنع لذلك.

أما إذا كان التبرير هو القول إن هذا الحديث التلفزيوني و الإذاعي هو حديث موجه للشعب التونسي دون غيره، و إن هذا الشعب يفهمه تماما و بالتالي فالمشكل مفتعل من الأساس… فالجواب هو أن الشعب التونسي ليس فقط من يقيم في تونس العاصمة أو المدن الساحلية السياحية ممن يوجد من بينهم مفتونون بلغة المستعمر السابق و نمط تفكيره كذلك في كل شاردة أو واردة، و إنما أيضا من يقيم في الجنوب و الشمال الغربي و الوسط و الأرياف و هؤلاء ليسوا من هذه الطينة.
أما إذا كان «تزيين» الحديث للتونسيين برمي هذه المفردات الفرنسية يدخل في باب الاستعراض و التباهي بمعرفة لغة أجنبية فليعلم هؤلاء جميعا أن هذه اللغة الفرنسية ،على جمالها و عظمة إرثها و من كتبوا بها، لم تعد تعني شيئا كبيرا الآن في العالم ليس فقط أمام الأنكليزية بل حتى أمام الإسبانية مثلا، و أن إجادة اللغة الفرنسية، على أهميته كإضافة شخصية، لم يعد يعني شيئا كبيرا خارج دول المغرب العربي و إفريقيا السوداء من مستعمرات فرنسا السابقة.
قد لا يكون مناسبا بالكامل تحميل الظاهرة المثارة في هذا المقال أكثر مما تحتمل بجعلها مثلا تعبيرا عن هوية ثقافية جمعية مشوهة أو قلقة، و لكن إذا ما أضيف لها، بشكل عام، تردي المستوى الأخلاقي و الذوقي لكثير مما يقال في وسائل الإعلام التونسية السمعية و البصرية فإن المسألة تبدو أكثر و أخطر من مجرد «لخبطة» لغوية شكلية.


  
  
  
  
festival-38c6ba1f4279243149a6c08da1d669b5-2018-02-04 11:36:35






10 de 10 commentaires pour l'article 155400

Karimyousef  (France)  |Lundi 05 Février 2018 à 12h 19m | Par           
@nouri Vous m'avez mal compris.j'ai dit dans l'imaginaire du tunisien,mais je n'ai pas dit dans réalité. Par ailleurs,il est souhaitable de parler un arabe correct mais cela ne doit pas nous empêcher d'apprendre d'autres langues. Le français reste nécessaire compte tenu des liens historiques et du grand nombres des tunisiens et des franco-tunisiens qui vivent en France.

Zou76  (Tunisia)  |Lundi 05 Février 2018 à 08h 21m |           
هذا مايسمى بالبربرة
ولهذا أطلق علينا إسم البربر

SOS12  (Tunisia)  |Lundi 05 Février 2018 à 01h 17m |           
المجازر اللغوية
تبعثرت اللغة في تونس من الإستقلال
فحاولا لمرحوم المزالي إنقاذها ملم ينجح
ثم بعد فترة جاءت قيادات النهضة تتكلم
العربية فسخرو منها

Nouri  (Switzerland)  |Dimanche 04 Février 2018 à 22h 57m |           
@Karimyousef
هل كل من يتكلم الفرنسية عالم ؟ او كل العلوم تدرس بالفرنسية في كل انحاء العالم ؟
وهل التونسيون الذين يتكلمون الفرنسية اصبحوا علماء ؟

Karimyousef  (France)  |Dimanche 04 Février 2018 à 18h 26m | Par           
Je crois que dans l'imaginaire tunisien le français est perçu comme la langue de la science ,en particulier la médecine, et du progrès sur tous les plans. Dans histoire moderne de la Tunisie ,le français était considéré comme le symbole de la réussite ,de la culture . L'arabe était presque considéré la langue de la religion et du passé. Si demain il y a des recherches scientifiques de qualité ,des inventions technologiques de haute qualité en langue arabe,ceci pourrait amener les gens à en avoir un autre regard.

Moulahidh  (France)  |Dimanche 04 Février 2018 à 15h 14m |           
Après cet article, plus rien à dire sur notre bassesse linguistique et intellectuelle..
A nous de travailler durement pour retrouver un niveau acceptable pour parler en arabe et d'être fier de l'être..

Nouri  (Switzerland)  |Dimanche 04 Février 2018 à 13h 58m |           
تبدء الكرامة وقوة النفس بإعتزاز الانسان ببأته وانتمائه إلى ذويه ولغة والديه.
والكارثة عند الذين يحبذون الفرنسية ولا يتقنونها عوض عن لغتهم العربية لغة العلم والعلوم والابداع وبها ارسل لنا الله كتابه وبها يصلي جميع المسلمون في كل انحاء العالم.

اللوم ليس فقط على المواطن التونسي بل على من كان سبب في ذلك وسياسات عملاء فرنسا منهم بورقيبة ومن يفتخر به اليوم.

BenMoussa  (Tunisia)  |Dimanche 04 Février 2018 à 13h 49m |           
العلاقة بين لغة التلفزة والاذاعات ولغة الشارع هي مثل العلاقة بين البيضة والدجاجة فهي تتوالد من بعضها
ويجب تهذيب لغة التلفزيون والاذاعة لنتمكن من تهذيب لغة الشارع والرقي بها
ولكن ما نراه اليوم هو العكس تماما وهو مقصود لفصل المجتمع عن لغته وهويته ليسهل تطويعه والسيطرة عليه وتسييره حسب رغبة اللوبيات المتحكمة

Kamelwww  (France)  |Dimanche 04 Février 2018 à 12h 54m |           

لما كان العرب يحبون لغتهم وحضارتهم قدموا للعالم أجمل سمفونية حضارية من بغداد إلى الأندلس في جميع المجالات، الثقافية والفلسفية والهندسية والطبية والفلكية والتاريخية والجغرافية... وكان لهم فضلا في وصول أوروبا إلى عصر النهضة عبر نقل العلوم من الأندلس إلى أوروبا، فنهضت أوروبا في القرن الخامس عشر بعد سبات دام ألف سنة.

أما اليوم، فحال الأمة يدعو إلى الشفقة، فحتى اللغة العربية أصبحت تستعصي على أهلها، فقليل من هم يجيدون التحدث بالعربية الفصحى... وحتى إذا تكلم العرب اللغات المحلية، فتجدها - على ركاكتها - ممزوجة باللغات الاجنبية. وكما قال الأستاذ كريشان، المصيبة تكبر أكثر فأكثر في دول المغرب العربي... وتنحدر إلى أسفل المستويات في التلفزيون التونسي... حتى تصبح مقرفة وتثير الصداع.


Sayada  (France)  |Dimanche 04 Février 2018 à 11h 59m |           
"لغة إكرزاه الكاميون رمساووه مورسو مورسو" إنه الإستعمار الإجتماعي بكل مكوناته وهو أعظم من الإستعمار الميداني حتى يجهل العبد نفسه و كونه إنسان عاقل





En continu










Radio Babnet Live: 100% Tarab



Derniers Commentaires