مرّحمة.. الجمعيّة التي أرادوا اجتثاثها تعود من بعيد وتتبرّع بألف وجبة لمدّة شهر!






نصرالدّين السويلمي

حين كانوا يهاجمون جمعيّات الإغاثة كانوا يعتقدون أنّ الزمن الأيديولوجي المحنّط هو الذي سيسود وأنّه لا بأس من حرمان تلميذ من محفظة وعجوز من وجبة وأسرة من إصلاح سقف بيتهم ومدرسة من ترميم جدرانها وتعديل نوافذها، كانوا يراهنون على سحق العمل الإغاثي من السّاحة لأنّهم يدركون أنّ خزائن المنظّمات الفرنسيّة والأوروبيّة مفتوحة لحاجيّاتهم ولن يطالهم الأذى حين تطلّ الحاجة ويُعمل الدهر نابه في الفقراء والمحّتاجين.
لكن أوروبا انشغلت وفرنسا بدورها تطلب المدّد، تحتاج حتى إلى الكمّامات، لم تعد في الصّورة إلّا الجمعيّات الوطنيّة، تلك التي جمّدوا حساباتها وجرجروها بين المحاكم لأنّ مديرها يُصلّي ورئيسها لا يرتاد نواديهم التي تعجّ بالأحمر المشروب والأحمر المسكوب والأحمر الممدود! والآن هم متفّرقون بين الخانس في جحره وبين الذي مازالت لديه بقيّة باقية من الشرّ لم ينثرها على هذه البلاد فهو يستعملها في التشويش على المعركة ضدّ الوباء.
شنّوا الحملات المركّزة على جمعيّات الإغاثة واستحدثوا خطّة لاستبدالها بجمعيّات أخرى حداثاويّة ظهرت لمدّة لتوحي بأنّها البديل التقدّمي ثمّ اختفت، لم تكن أصيلة كانت دخيلة للتمويه والمشاركة في عمليّة الاجتثاث التي أشرفت عليها ترسانة مترامية قادها لمرحلة رجل حقوق الإنسان المتحوّل إلى استئصالي بشع، وترسانة إعلام عبد الوهّاب عبد الله إلى جانب الإيبولا الأيديولوجيّة التي لوّثت أغلب الفضاءات السّياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة والإعلاميّة.
عملوا في الداخل على قطع دابر الإغاثة ونجحوا جدّا في تجميد العديد من الحسابات وإجلاء جمعيّات وإفلاس أخرى، شوّهوا الشخصيّات الإغاثيّة وشاغبوها عن جهدها و أتلفوا وقتها بين المحاكم والمحامين ودوائر المحاسبات، ثمّ شنّعوا بالدول التي تقدّم الدعم للجمعيّات الإغاثيّة ولاحقوا قطر الخيريّة ولفّقوا التهم وتحرّكوا حتى على السّاحة الأوروبيّة والأمريكيّة بمعطيات مغلوطة كاذبة أثبت القضاء لاحقا أنّها واهية ومفتعلة، لكن بعد أن هشّموا التجربة الإغاثيّة الرائدة في تونس وبعد أن نجحوا في إفساد علاقات الجمعيّات مع المتبرّعين من خلال هرسلتهم وزرع الشكوك وتخويفهم وبثّ الإشاعات حولهم، دول ثريّة تتبرّع إلى إفريقيّا وبنغلاديش وحتى دول في أمريكا اللاتينيّة، حرّضوا عليها وأفسدوا علاقتها مع الجمعيّات التونسيّة.
جدّفت جمعيّة مرّحمة بما أمكن وصارعت وتجاوزت محاولات الاجتثاث العديدة التي نفّذوها ضدّها، تجاوزت ملفّات قانونيّة مفبركة ضدّ فريقها، لم تمت مرّحمة خلال الحملة البشعة المركّزة ولكنّها فقدت الكثير من زخمها، وهي الجمعيّة العريقة التي تأسّست منذ سنوات طويلة وساعدت الكثير من الأسر سنوات التجويع التي فرضها بن علي على شريحة واسعة من الشعب التونسي، ثمّ هي عملت في إفريقيّا بشكل مكثّف خلال العقد الأوّل من الألفيّة الثانية، ولعلّ أغرب ما تعرّضت له مرّحمة محاولة تشويهها حتى في ألمانيا، لكن أعداء الإغاثيّة تناسوا أنّ ألمانيا بلد المؤسّسات وأنّ مرّحمة سبق وتعاونت مع الجيش الألماني في مشاريع نُفّذت في آسيا.

اليوم تعود مرّحمة المنهكة المجروحة المرهقة لتزوّد نزلاء المحاجر بألف وجبة لمدّة شهر! إذا ماذا لو لم يرهقوها ولم يتآمروا عليها ولم يغلقوا حساباتها ولم يقطعوا علاقاتها ويشوّهوا المتعاونين معها!! كم كانت ستوفّر من وجبة؟ بل ماذا كانت ستفعل بعلاقاتها الواسعة التي نسجتها لسنوات مع كبار المتبرّعين، ربّما كانت اليوم جرار المرحلة وتمكّنت من لعب الأدوار الأولى في المعركة المصيريّة ضدّ الوباء.
لقد سبق وكتبنا وصرخنا وحذّرنا من مغبة إتلاف الرصيد الإغاثي باستعمال سلاح الاستئصال والأدلجة والكراهية، حينها لم يتجاوب إلّا القليل، وها نحن نقف على حاجة البلاد إلى كلّ جمعيّة خيريّة، إلى كلّ نفس خيري، لذلك علينا أن نتعظّ مستقبلا ولا نترك ثرواتنا الإغاثيّة تنهشها ضباع الكره وذئاب الاستئصال... فلا نجد وجبة دافئة ولا كمّامة نظيفة حين تهجم كورونا.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 200500