شكل موضوع "الموريسكيون في جهة الوطن القبلي: التاريخ والتراث" محور الندوة العلمية التي نظمتها المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بدار نابل، بمشاركة عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين المختصين في التاريخ، وذلك في إطار الاحتفال بالدورة الخامسة والثلاثين لشهر التراث تحت شعار "التراث وفن العمارة"، وفي سياق التظاهرة الثقافية المنبثقة عنها "طريق الأندلسيين".
وأوضح المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بنابل بالمناسبة، مهذب القرفي، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، أن المندوبية حرصت على المشاركة الفاعلة في فعاليات شهر التراث من خلال برمجة مجموعة من الأنشطة الفكرية والعلمية، من بينها هذه الندوة التي تعنى بالحضور الموريسكي في جهة الوطن القبلي، وبإسهاماتهم في الحياة اليومية التونسية، خاصة في المجال المعماري بمناطق سليمان وبلي وبوعرقوب.
وأضاف أن المندوبية تستعد لتنظيم تظاهرة ثقافية جهوية كبرى يوم 12 ماي المقبل بمدينة سليمان، في إطار "طريق الأندلسيين"، ستتضمن ندوات فكرية، ومعارض كتب وصور، وعروضا لأكلات ذات أصول موريسكية، إلى جانب افتتاح مسلك سياحي يعرف بأبرز المواقع والمعالم التاريخية بالمدينة. كما سيتم توفير تجربة زيارة افتراضية، خاصة للجامع الكبير بسليمان، باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي (VR)، على أن تختتم التظاهرة بحفل فني.
من جهتها، أشارت رئيسة الجلسة العلمية، الأستاذة المساعدة بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، عواطف منصور، المختصة في تاريخ الفن والتراث الثقافي غير المادي، إلى أن الندوة ركزت على تتبع التاريخ الموريسكي منذ وصولهم إلى تونس واستقرارهم بعدد من المناطق، من بينها الوطن القبلي، مع إبراز ما تبقى من آثارهم، سواء في المعمار الأندلسي أو في العادات والتقاليد، ومنها الأكلات التي لا تزال تحافظ عليها العائلات بسليمان، مثل "الكوارس" وغيرها.
اندماج استغرق قرنا من الزمن
أكد أستاذ التعليم العالي بكلية منوبة ورئيس قسم اللغة الإسبانية، رضا مامي، المتخصص في دراسة وتحقيق المخطوطات الموريسكية، أن اندماج الموريسكيين في المجتمع التونسي لم يكن سهلا، بل استغرق نحو قرن كامل، ليصبحوا بداية من القرن الثامن عشر جزءا لا يتجزأ من النسيج التونسي.
وبين أن من بين هذه المخطوطات ما كتب بلغة "الألخميادو"، وهي لغة سرية ابتكرها الموريسكيون تقوم على كتابة الإسبانية بحروف عربية، سواء قبل الطرد من إسبانيا أو بعد استقرارهم في تونس، حيث كتبت لاحقا بالإسبانية نتيجة فقدانهم التدريجي للغة العربية.
وأشار إلى أن عدد المخطوطات التي درست وحققها الباحثون في تونس يبلغ سبع مخطوطات فقط، لكنها، للأسف، موجودة اليوم في مكتبات أجنبية، منها المكتبة الوطنية بمدريد، وأخرى في روما وباريس.
عزلة أولى ثم اندماج تدريجي
وأضاف أن الموريسكيين عاشوا في البداية حالة من العزلة، بسبب نظرة الريبة التي لاحقتهم والشك في إسلامهم، خاصة وأنهم أُجبروا في إسبانيا على اعتناق المسيحية، كما تميزوا بلباسهم الأوروبي وأسمائهم الإسبانية ولغتهم القشتالية.
وقد دفعتهم هذه الظروف إلى العيش في مجموعات مغلقة، خاصة في مناطق الوطن القبلي (سليمان)، وضفاف وادي مجردة (تستور، مجاز الباب، العالية، قلعة الأندلس)، إضافة إلى تونس العاصمة بالنسبة للحرفيين. وقد برعوا في النشاط الفلاحي، وكذلك في الصناعات التقليدية مثل الخزف والعطور وصناعة الجلود، إلى جانب تطوير صناعة الشاشية ومنحها الطابع التونسي المعروف اليوم.
تدقيق في المصطلحات والتاريخ
وشدد مامي على ضرورة التمييز بين مصطلحي "أندلسي" و"موريسكي"، حيث يطلق الأول على المسلمين في الأندلس قبل سنة 1492، بينما يستعمل الثاني للإشارة إلى المسلمين الذين بقوا في إسبانيا بعد سقوط غرناطة، وأُجبروا على التنصر سنة 1502، وعاشوا حياة مزدوجة بين الظاهر المسيحي والباطن الإسلامي، وهو ما أدى في النهاية إلى طردهم نهائيًا سنة 1609.
شهادات من المخطوطات
تفيد المصادر التاريخية بأن عدد الموريسكيين الذين وصلوا إلى تونس تراوح بين 80 و100 ألف، من أصل نحو 300 ألف تم طردهم من إسبانيا. وقد استقروا أساسا في الوطن القبلي وتستور وتونس العاصمة.
وتنقل إحدى المخطوطات (المعروفة بـ”اس سي دوس”) شهادة مؤثرة جاء فيها:
"لقد استقبلنا عثمان داي في أرض الإسلام، ورحّب بنا وأكرمنا، وخفف عنا مصابنا، وأعفانا من الضرائب"، مشيرة إلى دعم السلطات لهم وتشجيعهم على تطوير الفلاحة، خاصة غراسة الزيتون، وإعادة إعمار بعض المدن.
كما تعكس نصوص أخرى معاناة الموريسكيين قبل اندماجهم، حيث ورد فيها دعوة للصبر والثبات، والتأكيد على نعمة العيش في أرض إسلامية بعد معاناة الاضطهاد، رغم ما واجهوه من تمييز في بداية استقرارهم.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 328111