واشنطن 2026: حضور تونسي باهت في قلب القرار المالي العالمي

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69e258fee13d96.27135521_qmjihegnlkpof.jpg>


مختار العماري (*)

في واشنطن، حيث تُصاغ ملامح الاقتصاد العالمي وتُرسم توجهات التمويل الدولي، حضرت تونس اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لكنها بدت وكأنها خارج المشهد. حضور شكلي بلا أثر، ومشاركة مكلفة دون نتائج تُذكر، في لحظة كان يفترض أن تكون فرصة لإعادة التموضع في خريطة الاقتصاد العالمي.


وفد رسمي يضم مسؤولين سامين، كلف خزينة الدولة مئات آلاف الدنانير، حلّ في العاصمة الأمريكية لمدة أيام، دون أن يترك بصمة واضحة. لا اتفاقات، لا بيانات، ولا حتى رواية رسمية تشرح ما الذي جرى، وما الذي تم الدفاع عنه، أو تحقيقه. في المقابل، كانت الوفود الأخرى حاضرة بقوة، تتحدث، تفاوض، وتعرض مواقف بلدانها في قضايا دقيقة تمسّ النمو والطاقة والتجارة العالمية.

أخبار ذات صلة:
POSTMORTEM DIPLOMATIQUE DU SPRING MEETINGS FMI · W'BANK 13-18 AVRIL 2026...





الاجتماعات جاءت في ظرف دولي معقّد، يتسم باضطرابات جيوسياسية أثّرت على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يضع دولًا مثل تونس في موقع حساس، باعتبارها مستوردة صافية للمواد الأساسية. ومع ذلك، لم يظهر أن تونس كانت طرفًا فاعلًا في النقاشات التي تمسّ بشكل مباشر مستقبلها الاقتصادي.

في هذا السياق، أعلنت البنك الدولي عن تمويل مشاريع لفائدة تونس تتعلق بالمياه والبنية التحتية الريفية، غير أن هذه القرارات سبقت انعقاد الاجتماعات، ما يجعلها خارج إطار تأثير المشاركة التونسية. وهو ما يعزز الانطباع بأن الحضور لم يكن سوى إجراء شكلي، لا يعكس استراتيجية واضحة أو تحركًا دبلوماسيًا محسوبًا.

العلاقة مع صندوق النقد الدولي بقيت بدورها في حالة جمود. لا قطيعة معلنة، ولا تقدم فعلي. مجرد توازن هش بين مطالب بالإصلاحات وشروط داخلية تفرضها اعتبارات اجتماعية وسياسية. وفي ظل هذا الوضع، تواصل تونس اللجوء إلى تمويلات مكلفة، في وقت كان من الممكن التفاوض على شروط أفضل ضمن إطار مؤسساتي أكثر استقرارًا.

الأكثر إشكالًا في هذه المشاركة ليس الكلفة المالية فحسب، بل غياب العائد. فالدبلوماسية الاقتصادية لا تُقاس بعدد الرحلات أو الاجتماعات، بل بما تحققه من نتائج ملموسة. وعندما تغيب هذه النتائج، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى الإنفاق، خاصة في سياق اقتصادي داخلي يتسم بندرة الموارد وتزايد الضغوط على المالية العمومية.

كما يكشف هذا الحضور الباهت عن خلل أعمق يتعلق بطريقة إعداد مثل هذه المشاركات. فغياب ملفات جاهزة، وضعف الحضور في النقاشات العلنية، وعدم القدرة على التأثير في مراكز التفكير والدوائر الموازية لصنع القرار، كلها مؤشرات على نقص في التحضير وفي أدوات العمل الدبلوماسي الحديثة.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك غياب التواصل مع الرأي العام. فالدول التي تحترم مواطنيها ومؤسساتها تحرص على تقديم تقارير واضحة بعد كل مهمة رسمية، تشرح ما تم إنجازه وتبرر ما تم إنفاقه. أما الصمت، فلا يترك سوى فراغ يُملأ بالتأويلات ويزيد من تآكل الثقة.

إن ما حدث في واشنطن لا يمكن اختزاله في مجرد مشاركة ضعيفة، بل يعكس إشكالية أوسع تتعلق بتموقع تونس في العالم. فالدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، وفرض صوتها، وبناء تحالفات تدعم خياراتها.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالحضور الرمزي. كل مشاركة دولية يجب أن تكون مدروسة، موجهة، ومرتبطة بأهداف واضحة. لأن كلفة الغياب الفعلي، حتى في حالة الحضور الشكلي، قد تكون أكبر بكثير مما يبدو.

المسألة اليوم لا تتعلق فقط بتقييم مشاركة بعينها، بل بإعادة التفكير في كيفية إدارة الحضور التونسي في المحافل الدولية. فالمصداقية لا تُبنى بالبيانات، بل بالفعل، ولا تُستعاد إلا عبر نتائج ملموسة تعكس جدية الدولة وقدرتها على الدفاع عن مصالحها.


مختار العماري، دكتوراه، أستاذ جامعي في كندا، وخبير اقتصادي وكاتب رأي. يشرف على منصة E4T — الاقتصاد من أجل تونس، وتنشر تحليلاته في عدد من وسائل الإعلام التونسية والناطقة بالفرنسية.


ترجمة للنص الأصلي:
POSTMORTEM DIPLOMATIQUE DU SPRING MEETINGS FMI · W’BANK 13–18 AVRIL 2026

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 327643

babnet