هذا ما تقولُه عقيدة التوحيد في عجزِ تونس عن إدارة أزماتها



محمد الحمّار


إنّ التوحيد عند المسلمين أسُّ العقيدة الإسلامية، لكنه موجود أيضا عند غير المسلمين من مجتمعات البلدان المتقدمة، إلا أنه لم يأتهم في شكل عقيدة تؤمن برب واحد أحد ولكن في شكل حقيقة علمية. ربما وجود التوحيد في السلوك العام لهاته المجتمعات هو ما حدا بالمصلح المصري محمد عبده أن يقول قولته الشهيرة حين زار أوروبا: "ذهبتُ إلى الغرب فرأيتُ الإسلام ولم أرَ المسلمين".
هم يُثلثون عقديا لكنهم يُوَحدون علميا لأنّ التوحيد حقيقة جامعة وتجميعية بينما نحن نُوَحد عقديا لكننا نُثلث ونُربع ونُخمس ونُسدس...ونجزأ كلَّ أوجه الحياة. نحن مؤمنون متعصبون لعقيدة التجزئة، ما أثَّر َفي حياتنا سلبا إما بالتطاحن والاقتتال أو، في أفضل الحالات، بالتذبذب والتيه وانتهاج سلوك خارج بوتقة الوعي والعيش خارج فضاء التقدم حتى أُصِبنا أفرادا ومجتمعات بالإحباط والقلق والاكتئاب.

مع هذا، لا نزعم أنّ المجتمعات المتقدمة لا تنتابها مثل هذه الأمراض النفسية لكن، إن أصيبت بها، فذلك لأسبابٍ أقَلّ ضراوة من سبب الفقدان (شبة التام والمؤثر في التقدم) للجانب العلمي، وأيضا العملي، لعقيدة التوحيد الذي ابتُلينا به نحن، وكذلك لأسبابٍ أقلّ خطورة من سبَب فشَلِنا حتى في تقليدهم في توليد التوحيد علميا وعمليا مثلما فعلوا.
في سياق ترهّلِ النسيج التوحيدي في الغرب دون أن يكون ذلك مُعيقا للتقدم، نذكر ما قاله عالم السلوكيات الأمريكي Nick Hobson والذي مفاده أنّ ما يتسبب في الشعور بالقلق والاكتئاب عند الشعوب الغربية عموما و الشعب الأمريكي على وجه الخصوص هو أن هذه الشعوب تتعاطى المبالغة في التفكير التحليلي المتمثل في النظر بطريقة خطّية إلى الحياة وذلك بتفكيكها قطعة قطعة وجزءا جزءا ثم التعاطي مع الجزء الواحد بواسطة البحث عن الأسباب والمسببات المتعلقة به، في حين أن الشعوب الشرقية والآسيوية على غرار الصين إنما هي ذات تفكير تأليفي كُلي، مما يجعل هذه الأخيرة لا تعرف للقلق والاكتئاب سبيلا، حيث إنها تنظر إلى الحياة بشكل كُلي يعير أهمية لسياق الحدث الواحد والوضعية الواحدة وتعترف بالتضارب بين عناصر ذلك الحدث وتلك الوضعية باعتبار أن هذه العناصر تتعايش مع بعضها بعضا بشكل متناغم.
لو طبّقنا هذا المعيار على شعبنا التونسي، يا ترى ماذا سنكون، غربيين أم شرقيين، محللين أم مؤلفين، قلقين ومكتئبين أم منشرحين؟ في الحقيقة من الصعب جدا أن ننتقيَ أمثلة سلوكية مباشرة من واقع التونسيين، بالتالي سوف نعتمد مادة إعلامية تونسية كمَورد لعينات من السلوك قد تساعدنا لا فقط على معرفة أي المذهبَين الإثنين عسى التونسيون يتوَخون في نظرتهم إلى الحياة وإنما أيضا على الوقوف على دور الإعلام في ريادة السلوك المجتمعي وعلى مسؤوليته في طبع الناس على أحد الخيارَين الإثنين المذكورين. هذا مما يعني أننا في نفس الوقت سنحكم حتما إنْ لفائدة الإعلام التونسي أم ضده.
حين نسمع أو نشاهد أو نقرأ عبر الإعلام التونسي وعلى مدار الساعة وطوال الأسبوع وعلى مرّ الأشهر أنّ المواطن التونسي يزور الدكان تلو الدكان فلا يعثر على قارورة زيت، وأنه تعِب جراء البحث عن علبة حليب، وأنّه يشعر بالمَرارة بسبب فشَلِ مسْعاه للعثور على كيس من السكر. قِس على هذا الطريقةَ التي يتوخاها إعلامنا في إخبار الناس حول مسائل مثل انخرام المدرسة، وتعاسة النقل، والصوم عن البث التلفزي لمباريات الكرة، ونقص الأدوية، والتلاعب بالفوسفاط وغيرها.
حين نسمع ونرى ونقرأ مادة كهذه، لا نفهم سوى أنّ الإعلام في تونس لا يكتفي بنقل سلوك المواطن الباحث عن المادة الحيوية بل يجعل من الخبر مادة إعلامية مُجزَّأة ومنفصلة عن السياق الكلي، ناهيك أن ينقل إلى الشعب ما ينبغي أن يُنقَل من آراء ومقترحات وحلول تجول في خاطر مفكرينا ومثقفينا ومُربينا فقط يستثني هذا الإعلام خبراء الاقتصاد دون سواهم فيمَكّنهم من الإدلاء بدلوهم. لكن هذا العمل غيرُ ذي جدوى لأنّ رأي خبير الاقتصاد ليس هو الوحيد المطلوب لمعالجة مصيبة التشرذم الفكري. من جانب آخر، قد يكون الإعلام بريئا من تغييب سائر النخب المثقفة من ساحة قيادة الرأي على أساس أنّ النخب هي التي غيّبت نفسها بنفسها من حقها (وهو أيضا واجبها) في الإسهام في تربية الشعب.
إذن ليس السياق الكلي مسألة تتطلب إصلاحَ منظومة الصنع والإنتاج والتوزيع بما أنها ليس مسألة تحتاج إلى مهارات اقتصادية بالدرجة الأولى. بل إنّ الهوس بالاقتصاد دون سواه يُعتبر هوسا بالجزئي. قُل هو هبوط مدوٍّ في بوتقة الأُمية الفكرية لأنّ العناية بالجانب الاقتصادي دون الإلمام بالمشهد في كُليته لن يؤول إلا إلى تعميق الأزمة، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية.
إنّ هذا الصنف من التفكير الخاطئ هو المتسبب في قلق المواطن وإصابته بالاكتئاب إن لم نقل بالذهان والفُصام، لأنّ المبالغة في إبراز غياب مادة ما من السوق سيؤدي إلى تعلقٍ مُبالغٍ فيه بالبحث عن حل، وطالما أنّ المشكلة رهْنُ معطيات عديدة ومتشعبة وخفية فإنّ الحل لن يأتي على التوّ، ما يسبب القلق والضجر والاكتئاب وكل أصناف الموجات السالبة. ها نحن، بقُدرة إعلام قادر، أصبحنا أمريكانا!
كما أنّ السياق الكلي ليس مسألة تتعلق بالحكم والحوكمة والحكومة. هذا أيضا من الجزئيات. ذلك أنّ أخبار الإنتاج والسوق والتزويد، لو أدّت (وقد بدأت بعدُ تؤدي) إلى المطالبة برحيل الحاكم والحكومة، سوف يقابَل المطلب إما الفشل أو بالفوضى، مما سيصيب المواطنَ بموجة أخرى من الإحباط وسيعزز شعوره بالقلق والاكتئاب.
أما السياق الذي نعتقد أنه كليّ فهو سياق أنطولوجيا الإنسان التونسي، سياق الحضارة التونسية، سياق الحياة الخاصة بالتونسيين في تفاعلهم مع حياة البشرية قاطبة، قُل سياق تربية الشعب على تجميع ما تشَتتَ من ثقافته وحضارة بلاده وحياة قومه. في هذا المضمار، لو عُدنا إلى أصل الأمور لوجدنا أنّ التونسي إنما هو جينِيّا إنسانٌ مجبولٌ على التوحيد. التوحيد مِظلةٌ للسياق. التوحيد كلٌّ لا يتجزأ، وإن تجزّأَ فذلك من أجل البحث عن الجَمع ثم الانسجام من جديد من أجل تفعيل التوحيد.
عموما، لقد غاب التوحيد عن العقل الآني التونسي فغابت عن هذا الأخير مهاراته في الحفاظ على وحدة الأجزاء. كل المؤشرات في حياة التونسي تدل على تفكك كل ما هو عام وشامل وكلي لمصلحة الأجزاء والمقاطع والشظايا والجزئيات. وكانت النتيجة أن عجزَ الأفراد والمجتمع عن إدارة الأزمات التي مرّت بها ولا تزال تمرّ بها البلاد. حتى الكلام، حوّل هؤلاء وِجْهَتَه، فبَعد أن عهِدناه وسيلةَ توحيدٍ وحركة وفعل وبناء، أصبح هو الآخر متجزئا ومندثرا حتى كاد يبلغ درجة الميوعة. ألَسنا في بلد إعلاميوه ممن تخصصوا في تصريف الكلام، وإذاعاته وتلفزاته في "تجمير" الكلام، وسياسيوه في "إعطاء" الكلام؟!
في آخر الكلام، نخلص إلى أننا فِعلاً أصبحنا متأمركين أكثر من الأمريكان في التحليل والتعليل لكن على الأقل الأمريكان يفعلون ذلك من دُبُر خطّ حضاري متين مازال يعرف، ولو بشيء من القلق والاكتئاب، من أين تُؤكل الأكتاف، أما نحن فنفعل ذلك من قُبُل خطّ من الرموز المبعثرة لم تتحول إلى سلطةِ استعادةٍ لعلامات الطريق، فقدرةٍ على إنتاج حليب الشعب وسكّره وزيته وبالتالي على صيانة كرامته. فقط ما ضمنّاه جرّاء هذا الصنيع هو القلق المستدام والاكتئاب المسترسل. بينما ما يتوَجب القيام به هو تفعيل ملَكة التوحيد في أبعادها كلها وذلك بواسطة مادة تربوية وإعلامية تجميعية وتأليفية ومُوحِّدة، بما يضمن وقوف البلاد على قدميها. هذه المهمة تشترط إرساءَ إعلامٍ يشتغل وِفقًا لهذه الحاجة الخصوصية، لا وِفقا لحاجيات مجتمع الأمريكان أو الصينيين أو غيرهما.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 259531