الهاروني يحسم في خليفة الغنّوشي..



نصرالدّين السّويلمي

بعد أن تأسّست المصريّة لمدينة الإنتاج الإعلامي الفاتح من جانفي 1997 برأس مال هو الأضخم في ذلك الوقت، حينها طُرحت الكثير من المشاريع الثقافيّة التي تتصدّى إلى توسّع الإخوان في المجتمع، مشاريع كانت أعدّتها جهات مكلّفة مباشرة إثر زلزال 12 أكتوبر 1992 ولم ترَ النّور لأسباب عديدة، تلك المناسبة التي سبقت فيها جماعة الإخوان الدولة وتواجدت على الأرض دقائق بعد الزلزال، حينها قيل أنّ الجماعة دولة ناجحة داخل دولة فاشلة وأنّ نقابة المهندسين دولة رائعة داخل الدولة الناجحة، ولم يكن لذلك الصيت الذي شاع في المجتمع وذاك الأداء الرهيب الذي تميّزت به الجماعة أن يمر دون أن يدفع دولة مبارك إلى العمل الجدّي على تقليم الكيان الإسلامي الذي تمدّد داخل المجتمع بشكل منذر.


وبعد تأسيس مدينة الإنتاج ولمّا طُرحت المشاريع على الطاولة كان أغلبها يتناول الإخوان كجماعة، بعضها تعرض إلى سيّد قطب وبعضها الآخر ركّز على اغتيال النقراشي وحادثة المنشية ومحطّات أخرى، لكن أحد أعضاء اللجنة أكّد للحضور أنّه يجب التركيز على شخصيّة حسن البنّا لأنّ الاغتيال الاعتباري للرمز المؤسّس سيسقط ما بعده دون الحاجة إلى مجهودات إضافيّة، وكان الطرح الذي لاقى الإجماع لدى أعضاء اللجنة.

تلك تحيل على هذه، وهذه نعني بها التجربة النّهضاويّة ومحاولة التركيز المرعبة على تهشيم رمزيّة الرمز المؤسّس، ولعلّ ما اقترحته اللجنة المصريّة هناك قبل سنوات في مدينة الإنتاج، نفّذته أبو ظبي في تونس خاصّة منذ صعود الغنّوشي إلى قيادة البرلمان، أين واظبت وسائل إعلامها على نهش الرجل وأفردت له مساحات واسعة دون النّهضة وبقيّة القيادات والرموز والقواعد والتاريخ المثقل المرصّع، كانت الإمارات توجّه صعقاتها باتجاه الفترينة لتهشيمها ثمّ سيسهل تحطيم البقيّة حين تتمكّن من تشويه وهرسلة الواجهة.

تلك محاولات خارجيّة نحسب أنّ الغنّوشي تحصّن ضدّها وأنّه يتأهّب إلى دخول الذاكرة "الإسلاميّة" الوطنيّة العربيّة الإسلاميّة، فماذا عن الداخل النّهضاوي المرتبك المشتّت بين قوانين داخليّة واضحة حاسمة إذا ما تمّ احترامها فإنّها ستنعش لافتة الديمقراطيّة لدى النّهضة، وبين شخصيّة موصولة بأوردة النّهضة تتعرّض إلى عمليّة تصفية معنويّة، النجاح في طمسها سيصيب الحركة في نبتتها ومنشأها، لذلك نعتقد أنّ رئيس مجلس شورى حركة النّهضة تمكّن من تبديد المخاوف على الأقل في ما يخصّ علاقة الداخل النّهضاوي برجل التأسيس والمُصاحبة، جاء في تصريح الهاروني على هامش ندوة الاثنين 29/06/2020 "اتفقنا على إعداد لائحة قانونيّة للجنة -الاعداد المضموني- ولائحة قانونيّة للجنة -الإعداد المادي- حتى نحدّد تركيبة هذه اللجنة وصلاحياتها والشروط التي يجب أن تتوفّر فيها، وهذه قواعد لحزب يعمل في إطار المؤسّسات والقانون، وكلّ هذه ضمانات تعزّز وحدة الحركة، واحترام التنوّع داخل الحركة وإدارة الاختلاف داخل الحركة وليس في وسائل الإعلام أو خارجها ، وكذلك داخل المؤسّسات المتفق عليها القانونيّة والشرعيّة. بالنسبة للحديث حول ترشّح الأستاذ راشد الغنّوشي في المؤتمر القادم من عدمه، حركة النّهضة تحترم قوانينها الداخليّة وقانونها الأساسي ينهي دور الرئيس الحالي في المؤتمر الحادي عشر، في نفس الوقت نحن تقديرنا إلى زعيم الحزب قلنا وما زلنا نقول أنّ النّهضة وتونس بحاجة إلى الأستاذ راشد الغنّوشي، رجل ما زال لديه الدور المهمّ في النّهضة والمهمّ في الدولة، يبقى ما هو هذا الدور وما هو الموقع وكيف ستتعامل النّهضة مع هذه القضية، هذا سيكون محل حوار داخل النّهضة بمشاركة الأستاذ راشد الغنّوشي، ولن يكون الحوار بعيدا عنه أو بدونه، فنحن حركة ديمقراطيّة يحكمها القانون ولديها مؤسّساتها الشرعيّة، وحركة تحترم زعيمها وتحترم قياداتها وتحترم منضاليها".

دعونا نتفق أنّ رئيس الشورى حين تكلّم إنّما كان ينقل قرارات وأفكار المؤسّسة الأقوى في النّهضة، لكن ذلك لا يمنع من القول أنّ الهاروني كان في غاية الدقّة وأحسن اختيار عباراته بعناية نادرة، فلا هو استسهل الأمر وذهب إلى القول بأنّ التجديد للغنّوشي أبسط من البساطة وأنّ القانون الذي يحول دون ذلك أوهن من الوهن، وأنّه الزعيم الذي لا سبيل إلى خلافته، ولا هو استهتر بتاريخ الرجل وأشاع أنّ آخر نهضاوي يمكنه تعويض الغنّوشي وأنّ الحركة بمقدروها الاستغناء عن خدمات زعميها وتطبيق قانونها وأنّ إحــــالة الغنّوشي عمليّة آليّة لا تعتريها الخسارة بل ربّما تجلب الربح الوفير!!! لم يكن الهاروني بهذه السذاجة ولا بتلك الوقاحة، إنّما قدّم صورة متوازنة، تعلي القانون وتثبت قيمة الرمز المؤسّس وتطرح على العقل النّهضاوي "محنة" مواجهة المستجدّ المشتبك، وذلك بطريقة متوازنة بعيدا عن العواطف الطفوليّة وأبعد ما يكون عن عنتريّات التنزيل الجاف المتعجّرف لقوانين وضعت لتسهيل التدفّق وليس لتشويه المتدفّق السّابق واللّاحق.

ولأنّ النّهضة ليست بالحزب الميكانيكي الآلي، ولأنّها أقرب في تركيبتها إلى جسد الإنسان الذي يحتوي على 90% من الماء في الطور الجنيني ويستقرّ عند 70% في المراحل المتقدّمة، كذلك تشكّل جسم النّهضة الجنيني من 90% أو أكثر على المُثل والتكافل والعطاء والتضحية، تلك مرحلة التأسيس ومراحل المحن، فيما يستقرّ اليوم عند 70%، إذْ مازالت الروابط المعنوية التربوية هي المحرّك الأساسي لأسمدة الحركة وترابها، بما أنّ جلّ أو كلّ القواعد لا ناقة لها ولا جمل في أضواء الحكم والشهرة وغيرها من المكاسب الماديّة والمعنويّة، وليس لها غير متاعب التحشيد والاجتماعات والمؤازرة والتصدّي، وحين ترهقها التجاذبات الفوقيّة تعود تمضغ ماضيها المشحون بالجراح، لذلك هي غير مستعدّة إلى سلخ مرحلة لصالح أخرى وقضم المحنة واستنقاصها لصالح هذه الشخصيّة أو تلك، ليس غير ربط المنجز إلى المنجز وشدّه بإحكام، ثم هو تبجيل المرحلة قبل المرور إلى المرحلة، والتأسيس إلى فضيلة "كلّما جاءت أمّة مدحت أختها" وليس التأسيس إلى رذيلة "كلما جاءت أمّة لعنت أختها"!

وعليه ليس أمام النّهضة غير تقديم شخصيّات تحسن الرّبط بين المراحل، تعتزّ بالماضي وتؤثّث وتؤسّس عليه ولا تلعنه، ولا يمكن بحال إحداث التداول السلس المكمّل إلّا بشخصيّة يكون من مهامها رعاية الإرث وتبجيله وتأهيله إلى مرتبة التأْريخ وتصديره في حلّة نقيّة الى صفحات التَاريخ، ليس غير الخلف الذي يُنزل السّلف منازلهم ويقتحم المرحلة الجديدة تحت شعار "لقد أتعبت من جاء بعدك يا عمر" وليس تحت شعار غمّة وانزاحت.. تحتاج النّهضة إلى شخصيّة تعتلي منصّتها الأولى بشعور الوداع المثخن بالحنين، المرهق بالحزن اللذيذ على مرحلة مدبرة تتشبّع منها إلى المقبلة، وليس بلهفة المتحفّز المتوتّر الذي يسابق الدقائق للتخلّص من.. والوصول إلى.... لقد كاد الهاروني أن يسمّي الشخصيّة المقبلة التي ستقود النّهضة، عدّد كلّ خصالها، والشرط الذي لا مناص منه، أن "يحترم القانون والرموز".. سيكون رئيس النّهضة المقبل هو الشخصيّة التي تحسن الرّبط بين المراحل وليست التي تحسن حلّ الرّباط... ستكون شخصيّة بديعيّة وليست رحويّة......!

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 206372

BenMoussa  (Tunisia)  |Vendredi 03 Juillet 2020 à 06h 20m |           
عاد نصر الدين للاطالة المملة بل القاتلة هذه المرة
ولا اعتقد ان هناك من قرأ المقال من اوله الى اخره رغم اهمية الموضوع
لكن التكرار واالتمطيط اللامتناهي اضاعا كل شيء
يصلح المقال ان يدرس في الكليات ومعاهد الصحافة كمثال لما لا يجوز فعله في الصحافة