مدرسة الرقاب وجاهلية العصر

Mardi 12 Février 2019



Mardi 12 Février 2019
منجي المازني

جاء في سيرة ابن هشام : "ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع ؛ قالوا : نقول كاهن ، قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛ قالوا : فنقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ، ولا وسوسته ، قالوا : فنقول : شاعر ؛ قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ؛ قالوا : فنقول : ساحر ؛ قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ؛ قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر."


ففي عصر الجاهلية الأولى كان المشركون (وخصوصا أرباب الكفر ) يعيشون في انسجام تام مع الشرك والأوثان والسحر والكهانة وكل السلوكيات المنحرفة دون أن يثير ذلك في أنفسهم أي نوع من الشعور بالنفور أو الاشمئزاز ولا حتّى الامتعاض. ليس هذا فقط. بل إنّ هؤلاء كثيرا ما يذهبون للكهان والسحرة لقراءة المستقبل والتعاطي مع السحر والسحرة. ولكن من المفارقات أنّهم عندما وصلتهم دعوة الحق وكرهتها أنفسهم ظلما وعلوّا أرادوا أن يلصقوا بصاحب الدعوة كل السلوكيات المنحرفة والمرضية. لكي يشوّهوا الدعوة ويقطعوا عليها الطريق بكل السبل الممكنة. ويذكر أنّ هذا السلوك قد تكرّر مرّة أخرى في افتعال حادثة الإفك من طرف المنافقين.

واليوم يعاد اتباع نفس التمشّي ونفس الأسلوب فيما يتعلّق بالمدرسة القرآنية بالرقاب. فقناة الحوار التونسي وهي المعروفة لدى القاصي والداني بأنّها رائدة في إعلام العار وإعلام المجاري والمجون. تستضيف بائعات الهوى كاسيات عاريات وتصنع منهن بطلات ونجمات وأمثلة يحتذى بها. كما أنّها تستضيف المثليين والمخنّثين وتشجّعهم على ممارسة أفعالهم القذرة بكل السبل الممكنة. وهي تدرج كل تلك الأفعال تحت باب ويافطة حرّية الرأي وحرية الضمير. ولم يسلم من هذه الممارسات حتّى الأطفال الصغار. حيث دأبت هذه القناة على بث السكاتشات والمقاطع التمثيلية المشحونة بالكلام البذيء والعري والإيحاءات الجنسية المفضوحة الموجّهة للأطفال والتي يتحرّج منها الكبار. وكمثال على ذلك أنّهم أدرجوا خروج الممثّل السوري عريانا في العرض المسرحي – في إطار فعاليات أيام قرطاج المسرحية – أمام الكبار وأبناؤهم الصغار بمنطق حرية الإبداع. حيث صرّح مدير المسرح في حينها بأنّ :"هذا العمل يدخل ضمن حرية الإبداع ونحن كمسؤولين ليس لنا سلطة على الإبداع والمبدعين. ! !

بما يعني أنّ هؤلاء القوم ليس لهم مشكلة مع المثلية ومع الاغتصاب ومع الزنا والتحرّش والعري والتعرّي ومع كل أنواع الرّذيلة. وهم مستعدّون للعيش والتأقلم مع هذه الآفات ونشرها على أوسع نطاق والتحريض على تعاطيها جهارا نهارا بدون حياء ولا خجل وتنزيلها في الواقع تحت شعارات الإبداع وحقوق الإنسان وحرية الضمير. وفجأة تصبح هذه الأعمال مذمومة وقبيحة وموصوفة بشتّى أنواع القبح اللّامتناهي عندما يتمّ ربطها بالمدارس القرآنية وبحفظة القرآن وبكلّ ما يتّصل من قريب أو بعيد بالشأن الديني. فهم في حقيقة الأمر لا تهمّهم الفضيلة. وإنّما يتمسّكون بها ظرفيا لأجل التحايل على الفضيلة نفسها وضربها والقضاء عليها نهائيا. فحمزة البلومي ومن لفّ لفّه لطالما ناصروا في حواراتهم المثليين والمتخنّثين والمنتمين لجمعية شمس للمثليين ودافعوا عنهم وعن أفكارهم في نشر المثلية في المجتمع التونسي. إلاّ أنّهم، وعندما تعلّق الأمر بالمدرسة القرآنية بالرقاب انقلبوا فجأة على المثلية والاغتصاب وأصبحت هذه الأفعال وهذه السلوكيات،في نظرهم، مذمومة وقبيحة جدّا. وهو لعمري النفاق بعينه. حيث يمسي المنافق مؤمنا ويصبح كافرا ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا. فهم يتلوّنون بكلّ الألوان حسب الظروف والمتغيّرات.
وفي المحصّلة فإنّ صحافة المجاري والحقد الإيديولوجي أثّرت بكلّ السبل في الرأي العام ووجهته إلى الوجهة التي أرادت حتّى إنّ السلطة ذاتها وكلّ مصالح الدولة قد تأثّرت بذلك،من هول الهجمة، وانخرطت في الحملة على حفظة القرآن واتهمت الساهرين على المدرسة القرآنية بالرقاب وبعديد المدارس الأخرى بالتقصير والإهمال والحال أنّ مؤسسات الدولة نفسها تعاني ممّا تعاني منه مدارس القرآن -إنّ صحّ وثبت فعلا- فكلّ الأمراض والتجاوزات والخبائث المشار إليها في مدرسة الرقاب هي منتشرة بكثرة في عديد المؤسسات الراجعة بالنظر إلى الدولة من مثل دور الإيواء والسجون والمبيتات ...
ومن وجهة نظري فإنّ هذا الأمر لا يعدو إلاّ يكون ضمن عمل مخابراتي بحت غايته الأولى والأخيرة تشويه صورة الإسلام والمسلمين وحاملي لواء الإسلام السياسي وقطع الطريق أمام الاستحقاقات الانتخابية القادمة لا سيما وأنها وشيكة جداّ. فحادثة اغتيال السياسي والحقوقي شكري بلعيد تأكّد هذا التوجّه. فعملية الاغتيال نفّذت لقطع الطريق أمام مشروع قانون تحصين الثورة، وتهمة تنفيذ الاغتيال قد انحصرت في السلفيين الذين لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية والانتخابات. وهو ما يؤكّد أنّ العملية قد حصلت في ظلّ اختراق مخابراتي واضح.


  
  
     
  
festival-18c8ea41d42eac4832eebb6a5e402020-2019-02-12 10:38:45






0 de 0 commentaires pour l'article 176883





En continu


الاثنين 18 فيفري 2019 | 13 جمادي الثاني 1440
العشاءالمغربالعصرالظهرالشروقالفجر
19:29 18:04 15:36 12:40 07:04 05:38

16° % 75 :الرطــوبة
تونــس
1.5 كم/س
:الــرياح

الأحدالاثنينالثلاثاءالأربعاءالخميس
16°-217°-717°-513°-1116°-5















Derniers Commentaires