التلوث الزراعي في تونس: في مواجهة أزمة هيكلية في النموذج الفلاحي دعوة للتحول نحو الزراعة الإيكولوجية

<img src=http://www.babnet.net/images/2b/6697e4a83b80f5.36463302_fijhqepgokmln.jpg>


لم يعد التلوّث الفلاحي في تونس مجرد خلل عابر، بل أصبح يشكل أزمة هيكلية عميقة، ذلك ما خلصت إليه دراسة حديثة بعنوان "التلوّث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيّرات الواقع الميداني".

وتظهر الدراسة، التّي أعدتها جمعية المساءلة الاجتماعية، وتمّ تقديمها، الثلاثاء، في تونس، في استنتاجاتها أن التلوث يهدد أسس التوازن البيئي وجودة التربة واستدامة الموارد المائية وصحّة الإنسان.


وتشير الدراسة إلى وجود فجوة مقلقة بين النصوص التشريعية، التي غالبا ما تكون متفرقة، وأحيانا غائبة، في بعض المجالات، والواقع الميداني، ما يكشف، ليس فقط، الثغرات في آليات التنفيذ، لكن، أيضا، محدودية فعالية السياسات العمومية. ولمعالجة ذلك، يدعو معدو الدراسة إلى إعادة هيكلة الحوكمة البيئية، من خلال تعزيز الرقابة، وتوحيد التدخلات، ومزيد العمل على توعية مختلف الأطراف الفاعلة.




الزراعة الإيكولوجية بديل سيادي
وتشكل الفلاحة الإيكولوجية، في هذا السياق، وبعيدا عن أنّها مجرد مفهوم نظري، مسارا واقعيا مثبت علميا لاستعادة توازن النظم الفلاحية. وتشدد جمعية المساءلة الاجتماعيّة على أن العقبة الحالية، لا تكمن في غياب الحلول، بل في التردد وبطء الانتقال إلى هذا النموذج المستديم، الذي تمليه التحديات الحالية والضغوط المستقبلية. ويرى معدّو الوثيقة أنّ هذا التحدي يتجاوز الإطار التقني أو البيئي ليصبح رهانا سياديا.

ويتطلب نجاح رفع هذا التحدي إرادة سياسية قويّة وإصلاحات عميقة ورؤية استراتيجية طويلة الأمد لإعادة بناء النموذج الفلاحي التونسي على أسس مستديمة. وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل الموارد الطبيعية، وكذلك الأمن المائي والغذائي للبلاد، مرتبطان بقدرة تونس على الشروع في تحقيق هذا التحول على الفور.

وحذرت الوثيقة من أنّه في حال عدم شروع تونس في تجسيد هذا التحول الواعي نحو الاستدامة، ستكون عرضة لاستمرار اعتماد نموذج يقوم على استنزاف الموارد، بشكل لا يمكن معه السيطرة على العواقب.

وفي كلمته، أشار الخبير في التنمية، حسين الرحيلي، إلى "الأزمة البيئية المتفاقمة"، في تونس منذ 14 جانفي 2011، أساسا، بسبب ضعف المؤسسات العمومية وآليات الرقابة، التي أرستها الدولة.

وفي ما يهم التلوّث الفلاحي، اعتبر الرحيلي أن الانتقال من الفلاحة التقليدية إلى الفلاحة المكثفة، مع اقتران ذلك مع ضعف الإلمام التكنولوجي من قبل الفلاحين، الذين غالبا ما يكونون من كبار السن، أدى إلى الاستخدام المفرط للمواد الكيميائية (المبيدات الحشرية والأسمدة...).

وأشار الخبير إلى أنّ استخدام البذور المستوردة، زاد من هذه الممارسات الملوثة، اعتبارا لما تتطلبه هذه البذور من جرعات أعلى من الأسمدة والمبيدات الحشرية لتتكيف مع الظروف المحلية.

وأوضح "رغم تجاهل التلوّث الفلاحي في أغلب الأحيان، لبعده عن المناطق العمرانية، إلا أنه يمثل إشكالا هامّا، اعتبارا إلى تسرّب المبيدات والأسمدة إلى المياه الجوفية أو نقل مياه الأمطار لها نحو مصادر المياه (الوديان...). ويشكل تلوّث الموارد المائية ووجود بقايا كيميائية في الأغذية تهديدا مباشرا للصحّة العامة".

قصور في الرقابة الميدانية
وانتقد الرحيلي تقصير الدولة على مستوى الرقابة الميدانية للنفايات الصناعية والفلاحية، ومراقبة الحدود، مما يسمح بدخول مبيدات محظورة في بلدان أخرى أو غير معتمدة. كما انتقد التشتت المؤسسي والتشريعي (تشتت النصوص، وتعدد المؤسسات) وغياب المحاكم المختصّة في القضايا البيئية.

ولمعالجة ذلك، دعا الخبير إلى العودة إلى البذور الأصيلة والمحلية، التي تتمتع، بطبيعتها، بمقاومة أكبر وتحتاج إلى كميات أقل من المدخلات الكيميائية. كما اعتبر أنّ تعزيز الرقابة على الحدود بشكل صارم والمراقبة الميدانية أمر لا غنى عنه.

كما اعتبر أنّ إرساء مقاربة اقتصادي كلي تعترف بأهمية إدارة المخاطر الصحية وتضع صحة الإنسان والحيوان في صميم الاهتمامات، بشكل يتجاوز منطق الربحية الاقتصادية، أمر جد ضروري.

واستنكر الخبير تأخر إصدار المجلّة الجديدة للمياه، التّي تعد نصّا بالغ الأهمية وحيوي لأجل تصرّف سليم في الموارد المائية، في بلد يعد من أكثر البلدان جفافا في العالم.

وبالنسبة لمها المولهي، الفلاحة والخبيرة في مجال الفلاحة الإيكولوجية والمستديمة، "يكمن الخطر في التوجه نحو الزراعة المكثفة، التّي تركز على زيادة إنتاج نوع معين مع الإفراط في استخدام المدخلات الكيميائية على حساب التنوّع البيولوجي وجودة التربة وصحّة الفلاّحين والمستهلكين".

وقالت "لم نعد نعمل وفق منطق الفلاحة بل وفق منطق الاستثمار". ودعت مولهي بقوّة إلى العودة إلى الفلاحة الإيكولوجية، التّي تحترم توازن النظام برمته (تنوّع الإنتاج، وخصوبة التربة، والتنوّع البيولوجي).

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 328275

babnet