سليانة: ذكرى النوري نموذج إرادة حياة ونجاح لذوي الإحتياجات الخاصة طموحها بعث مشروعها الخاص في الخياطة




وات - أميمة العرفاوي - مع ساعات الصباح الأولى، تستفيق الشابة ذكرى النوري (30 سنة)، لتجهز نفسها وتشق طريقها ممتطية الحافلة نحو الجمعية المحلية لرعاية المعوقين بحي السلام بمدينة بوعرادة من ولاية سليانة، بمعدل 6 مرات في الأسبوع ذهابا وإيابا طيلة السنة الدراسية، متجاوزة كل المصاعب والعراقيل لتقضي حوالي 6 ساعات يوميا من التكون والتعلم والترفيه.


يبدأ يوم ذكرى النوري بتحية العلم بكل نخوة وإعتزاز، لتردد النشيد الوطني بصدر بارز ورأس مرفوع، كأنها جندي في ساحة حرب، تمشى بخطى ثابتة بقامتها القصيرة والإبتسامة لا تفارق وجهها المحافظ على براءة الطفولة، تخجل تارة وتبتسم بكل طلاقة تارة أخرى، رصينة في حديثها، قد نرى في إعاقتها عجزا، ربما تثير شفقتنا، لكن قد نشفق على أنفسنا عندما نشاهد إبداعها، فطموحها أقوى من كل شيئ.

..

.

في إحدى ورشات الخياطة والتطريز بالمركز النموذجي للتربية المختصة الأفق بمدينة بوعرادة، يخيم هدوء، فكل المتواجدات به، ومن بينهن ذكرى وسناء وفاطمة، منهمكات في العمل حيث تخيط الأولى قفة وتصنع الثانية قلادات وتتعلم الثالثة أبجديات الخياطة

التلميذة بالمركز النموذجي، ذكرى النوري، شابة من ذوي الإحتياجات الخاصة، عشقت الخياطة منذ نعومة أظافرها ولم تثنيها اعاقتها الذهنية التى ولدت بها عن تحقيق حلمها، لتصبح قدوة ونموذج إرادة حياة لذوي الإحتياجات الخاصة ولكل شخص يريد تحقيق حلمه في ظل اوضاع صعبة يعيشها ، هي الفتاة الوحيدة لعائلة محدودة الدخل تتكون من 5 أفراد، تريد إمتهان الخياطة لعلها تعينهم في نفقاتهم وتساعدهم على درء شبح الفقر الذي يخيم على حياتهم.
..
...


تداعب الخيط بكل حذر وخوف، تأخذ الإبرة وتنطلق في معالجة الغلاف الخارجي للققة بمجهود كبير، إبرزته تفاصيل وجهها، ومع الإنتهاء من كل مرحلة في عملها الذي تاخذه بكل جدية بغاية اتقانه، تنبسط وتتنفس الصعداء، وتنطلق في مرحلة جديدة بتلصيق الأزهار على القفة الصغيرة الحمراء التى تصنعها لتزيدها جمالية .

في حديثها ل"وات" وبعد محاولات عديدة بسبب صعوبة النطق، قالت بنبرات خافتة ومتلعثمة إنها أصيلة المنطقة الريفية سيدي جابر التابعة لبوعرادة وشغفها الوحيد تعلم الخياطة حتى تصبح خبيرة في المجال لتساعد والدتها، عاملة الفلاحة، في تسديد نفقات البيت، خاصة وان والدها يعاني من أمراض مزمنة ولا يستطيع العمل، فهي مقتنعة بان الحصول على شهادة في حرفة أو في إختصاص ضروري لمجابهة مصاعب الحياة

عبرت بصوتها الخافت المتلعثم، الذي يكشف وحده عن اعاقتها، عن حبها لعائلتها وتقديرها لمجهوداتهم المبذولة من أجلها قائلة "أحب أمي وأبي"، والدموع تنهمر من عينيها، فهي تحس بانها "عبء على عائلتها محدودة الدخل"، لذلك تطمح في بعث ورشة للخياطة في منطقتها المتواضعة بقلب ينبض بالأمل والحياة والإرادة و التحدي، متسلحة فقط بأصابعها، كما تطمح في المشاركة في معارض حتى تتاح لها فرص التعبير عن صعوبات العيش وقلة الإهتمام بذوي الاعاقة.

تكمل حديثها، وتتوجه إلى ألة الخياطة فتركب الخيط وتنطلق في تعلم أبجديات الخياطة التقليدية بمعاضدة المربية التي تسهر على راحتها طيلة اليوم، حتى باتت تربط بينهما علاقة متينة فتراهما تتبادلان النظرات خلسة وحتى الضحكات.

تحدثت المربية منى العرفاوي ل"وات" لتقول أن ذكرى، هادئة، تحضر يوميا منذ دخولها للمركز النموذجي، منذ أكثر 10 سنوات تقريبا، وهي تطمح بتعلم الخياطة الى بعث مشروعها ومساعدة عائلتها محدودة الدخل، واكدت بدورها المربية كوثر الهمامي ان العلاقة التى تربط المربين بتلاميذ المركز، وطيدة فهم بمثابة أبنائها، فهي تحس بفرحهم وحزنهم، على حد قولها.

وذكرت المربية المختصة هبة الخميسي، أن المربي المختص، يهتم بالتكفل بالأطفال من ذوي الإعاقة، تربويا وإجتماعيا ونفسيا، وأضافت أنها تتعهد بعدد من الأطفال ممن يعيشون إضطراب طيف التوحد، ونظرا لتاثير هذا الاضطراب العصبي على التواصل اللفظي وغير اللفظي وعلى العلاقات الإجتماعية، فان ذلك يستوجب عناية خاصة ، ولفتت في هذا الخصوص الى ان أبرز الإشكاليات التى تعيق تطوير العمل في التعامل مع اطفال المركز، غياب فريق متعدد الإختصاصات خاصة الإطار شبه الطبي

من جهتها، ذكرت مديرة المركز النموذجي الأفق ببوعرادة حنان الماجري، ل"وات" أن الجمعية المحلية لرعاية المعوقين ببوعرادة تضم اشخاصا حاملين لجميع أنواع الإعاقة، بما في ذلك الذهنية و العضوية وطيف التوحد، مشيرة إلى أن المركز يضم 3 ورشات (ورشة الخزف والخياطة والجلد وورشة التطريز) وأن رواده يتلقون دروسا في الرياضة البدنية التى تعتبر مكملة لبقية الأنشطة، وفق تعبيرها.

واعتبرت بدورها ان أبرز اشكال يواجه المركز، الغياب التام للإطار شبه الطبي (على غرار العلاج الوظيفي)، سيما أن التربية المختصة والمعالجة شبه الطبية مرتبطة إرتباطا وثيقا، مما يدفع المربين الى تعويض هذا النقص الحاصل، وبينت ان المركز يستقبل 30 تلميذا من معتمديات بوعرادة والكريب وقعفور، فيما يقع التكفل ب30 أخرين، تتراوح اعمارهم بين 04 و40 سنة، برعايتهم بالبيت نظرا لعجزهم التام عن الحركة.

وكشف رئيس الجمعية المحلية لرعاية المعوقين بوعرادة حسين الحناشي ل"وات" بأن المركز تابع لوزارة الشؤون الإجتماعية، وتم الانطلاق في إستغلاله بداية من سنة 2008 بطاقة إستيعاب جملية قدرت ب64 تلميذا، وهو يضم 8 إطارات تربوية و7 عملة ويتكون من ورشات خزف ومصوغ وخياطة وتطريز و3 قاعات تربية مختصة ومكاتب وقاعة أكل وإعلامية ومطبخ

وبين أن أشكاليات مادية تعترض عمل المركز، نظرا لضعف قيمة المنحة المقدمة من سلطة الاشراف والمقدرة ب7 آلاف دينار، مطالبا السلط المعنية بضرورة الالتفات لذوي الاحتياجات الخاصة و الرعاية بهم وإدماجهم في سوق الشغل.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 257280