مسرحية ''سماء بيضاء'' لوليد الدغسني: رحلة الإنسان للبحث عن المعنى في عالم دموي وعنيف



وات - (من مبعوث "وات" لسعد المحمودي) - تابع جمهور الدورة 12 لمهرجان المسرح العربي المقامة بالعاصمة الأردنية عمان من 10 إلى 16 جانفي الحالي، العرض المسرحي التونسي "سماء بيضاء" عن نص وإخراج وليد دغسني وتمثيل أماني بلعج ومنير العماري.
ويتنزل هذا العرض ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان.

وتدور أحداث المسرحية حول رجل غريب يعيش وحيدا في كوخ منسي في قاع الحياة، تقتحم عليه امرأة مضجعه في ليلة عاصفة طالبة العون.


يحاول الرجل جاهدا إقناعها بأنه لا يملك ما تطلبه وأن تريده متوفر في مكان آخر، لكن المرأة تصر على المكوث هناك استنادا إلى رؤية حملتها إلى ذلك المكان الذي سيغير حياتها، فينفتح الفضاء على صفقة مجهولة بين الرجل الغامض وتلك المرأة المتشبثة بالقدر.

في عرض "سماء بيضاء" الذي دام حوالي 60 دقيقة، اشتغل وليد الدغسني على ثنائية اللعب الدرامي للممثلين على الركح وعلى النص المسرحي باللغة العربية الفصحى، فخلق من المسرحية إيقاعا متسارعا ذا منحى تصاعديا: فالممثلين أماني بلعج ومنير العماري كان لهما من الطاقة والروح والصدق في الأداء والتعبير الشيء الكثير ليسيطرا على الإيقاع العام للعرض، وليشدا إليهما جمهور الفن الرابع من العرب لمواصلة متابعة التفاصيل الدقيقة للعرض بانتباه وتركيز شديدين.

لقد كانت مسرحية "سماء بيضاء" عملا مختلفا عن الأعمال السابقة لوليد دغسني من حيث خصائصها الفنية، لا سيما النص المسرحي: فهذا العمل تجريبي وعميق ينهل من "شكسبير" ومن الأساطير الإغريقية والبابلية وكل ما يتصل بالأسطورة بشكل عام، وفيها ينتصر المخرج للإنسان وللقيم النبيلة.

وتحمل مسرحية "سماء بيضاء" دلالات ومقاصد عميقة في مضمونها، فالسماء تحيل على على الأفق البعيد واللانهاية، وأما مصطلح "بيضاء" فهو يمكن أن يحيل على الغيوم وعدم اتضاح الرؤية أو على النقاء والصفاء الروحي والجسدي أو على السلام، وقد تتداخل هذه المعاني معا، وهذا ما يتجلى من خلال حالات الضياع والتخبط والتمزق التي تعيشها الشخصيتان في رحلة البحث عن المعنى والخلود.
على الجانب الأيسر للركح مشنقة وعلى الجانب الأيمن منه رحى حجرية، فإذا كان للمشنقة دلالة على نهاية المسيرة الإنسانية والعدم، فإن للرحى الحجرية تدل على النماء والعطاء والخير، لكنها أيضا قد تحمل مقاصد أخرى كالتعبير عن حالة القلق والتوجس وركود الحياة.
لقد أراد المخرج من خلال هذا العمل التعبير عن المسيرة الحياتية الإنسانية المثقلة بالهموم والقلق، فهاجس الإنسان منذ ظهوره هو البحث عن معنى لحياته وتخليد نفسه.

وقد تحيل المسرحية إلى قراءات متعددة، فهي مفتوحة على التأويلات، ويمكن أن تعبر عن الثورة التونسية التي لم تتحقق أهدافها التي قامت عليها، كما تحيل أيضا إلى ما يسمى بالربيع العربي، وما عرفته بعض الدول العربية من حروب ودمار وأعمال قتل وعنف بشعة.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 196064