غرة ماي في تونس: اتحاد الشغل… الغائب الأكبر عن عيد لم يعد يستحقه
مختار العماري
E4T
لم يعد غرة ماي في تونس مجرد عيد للشغل. هذا العام، بدا أقرب إلى عيد الغياب. غياب الاتحاد العام التونسي للشغل عن الشارع، عن الإعلام، عن النقاش العام، بل وحتى عن وجدان بلد كان، إلى وقت قريب، يعيش أيامه النقابية كجزء من سيادته الشعبية.
من منظمة كانت في قلب الحوار الوطني الذي تُوّج بجائزة نوبل للسلام، إلى كيان يراقب المشهد من الهامش—إن راقب أصلًا. ما حدث ليس صدفة ظرفية، بل نتيجة مسار طويل من الانحرافات، والتجاوزات، وفقدان البوصلة.
الدليل الأبرز جاء بشكل صادم وبسيط في الآن ذاته: إعلان حكومي عن زيادة في الأجور في الوظيفة العمومية بنسبة 5%، تم اتخاذه والترويج له دون أي حضور للنقابة، لا تفاوض، لا تشاور، ولا حتى إشارة بروتوكولية.
في بلد يمتلك تقاليد نقابية، كان يفترض أن يكون ذلك موضوع شد وجذب، نقاش علني، وتوازن قوى. لكن ما حدث هنا يكشف واقعًا مختلفًا: لم يعد الاتحاد طرفًا يُخشى، بل كيانًا يُتجاهل.
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من التأويل. في أكثر من قطاع، تحوّل العمل النقابي من أداة دفاع إلى أداة تعطيل أو حماية لمصالح ضيقة. في النقل، في الفسفاط، في مؤسسات عمومية، برزت ممارسات جعلت من النقابة طرفًا في الأزمة بدل أن تكون جزءًا من الحل.
وفي بعض الحالات، بلغت الممارسات حدًّا صادمًا، حين تم استخدام قضايا حساسة—كالتعليم—كورقة ضغط، ما خلق قطيعة أخلاقية بين النقابة والرأي العام.
المشكلة لم تعد في فكرة العمل النقابي في حد ذاته، بل في ما آل إليه.
التآكل لم يكن خارجيًا، بل من الداخل.
تم تغيير الوجوه، لكن الممارسات بقيت.
تم عقد مؤتمرات، لكن دون مراجعات حقيقية.
تم رفع الشعارات، لكن دون استعادة المصداقية.
والنتيجة اليوم واضحة:
نقابة بلا تأثير، بلا حضور، وبلا ثقل تفاوضي.
لكن غياب الاتحاد لا يعني بالضرورة وضعًا أفضل.
بل على العكس، غياب قوة نقابية فاعلة يخلق اختلالًا في التوازن.
في سوق العمل، يعني ذلك غياب صوت العمال، خاصة الفئات الهشة:
العمال غير النظاميين، المؤقتين، ومن هم خارج المنظومة الرسمية.
وفي السياسة، يعني غياب وسيط اجتماعي قادر على امتصاص التوترات وخلق توافقات.
بمعنى آخر، المجتمع لا يتحرر بغياب النقابة، بل يفقد أحد أدوات التوازن الأساسية فيه.
ما تحتاجه تونس اليوم ليس نقابة بصيغتها الحالية، بل نقابة جديدة.
نقابة تقوم على الشفافية، لا على الغموض.
على الكفاءة، لا على الولاءات.
على الإنتاجية، لا على منطق الامتيازات.
نقابة قادرة على تمثيل الجميع، لا فقط من هم داخل القطاع المنظم.
وقادرة على التفاوض بجدية، لا على التعطيل دون أفق.
هذا التحول لا يمكن أن يكون تجميليًا.
هو مسار إعادة بناء كامل، يبدأ بالاعتراف، ويمر بالمحاسبة، وينتهي بإعادة تعريف الدور.
الحقيقة القاسية أن الاتحاد لم يُهزم من الخارج، بل استُنزف من داخله.
وغرة ماي 2026، بدل أن تكون لحظة احتفال، تحوّلت إلى مرآة تعكس هذا الواقع:
نقابة غائبة، وعمال بلا تمثيل فعلي، ودولة تتحرك دون شريك اجتماعي.
في بلد يمرّ بمرحلة دقيقة، هذه ليست مجرد مفارقة.
بل إشارة إنذار.
ترجمة للمقال الأصلي:
1er Mai en Tunisie : l’UGTT, grand absent d’une fête qu’elle a cessé de mériter
E4T
لم يعد غرة ماي في تونس مجرد عيد للشغل. هذا العام، بدا أقرب إلى عيد الغياب. غياب الاتحاد العام التونسي للشغل عن الشارع، عن الإعلام، عن النقاش العام، بل وحتى عن وجدان بلد كان، إلى وقت قريب، يعيش أيامه النقابية كجزء من سيادته الشعبية.
من منظمة كانت في قلب الحوار الوطني الذي تُوّج بجائزة نوبل للسلام، إلى كيان يراقب المشهد من الهامش—إن راقب أصلًا. ما حدث ليس صدفة ظرفية، بل نتيجة مسار طويل من الانحرافات، والتجاوزات، وفقدان البوصلة.
الدليل الأبرز جاء بشكل صادم وبسيط في الآن ذاته: إعلان حكومي عن زيادة في الأجور في الوظيفة العمومية بنسبة 5%، تم اتخاذه والترويج له دون أي حضور للنقابة، لا تفاوض، لا تشاور، ولا حتى إشارة بروتوكولية.
في بلد يمتلك تقاليد نقابية، كان يفترض أن يكون ذلك موضوع شد وجذب، نقاش علني، وتوازن قوى. لكن ما حدث هنا يكشف واقعًا مختلفًا: لم يعد الاتحاد طرفًا يُخشى، بل كيانًا يُتجاهل.
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
الإجابة لا تحتاج إلى الكثير من التأويل. في أكثر من قطاع، تحوّل العمل النقابي من أداة دفاع إلى أداة تعطيل أو حماية لمصالح ضيقة. في النقل، في الفسفاط، في مؤسسات عمومية، برزت ممارسات جعلت من النقابة طرفًا في الأزمة بدل أن تكون جزءًا من الحل.
وفي بعض الحالات، بلغت الممارسات حدًّا صادمًا، حين تم استخدام قضايا حساسة—كالتعليم—كورقة ضغط، ما خلق قطيعة أخلاقية بين النقابة والرأي العام.
المشكلة لم تعد في فكرة العمل النقابي في حد ذاته، بل في ما آل إليه.
التآكل لم يكن خارجيًا، بل من الداخل.
تم تغيير الوجوه، لكن الممارسات بقيت.
تم عقد مؤتمرات، لكن دون مراجعات حقيقية.
تم رفع الشعارات، لكن دون استعادة المصداقية.
والنتيجة اليوم واضحة:
نقابة بلا تأثير، بلا حضور، وبلا ثقل تفاوضي.
لكن غياب الاتحاد لا يعني بالضرورة وضعًا أفضل.
بل على العكس، غياب قوة نقابية فاعلة يخلق اختلالًا في التوازن.
في سوق العمل، يعني ذلك غياب صوت العمال، خاصة الفئات الهشة:
العمال غير النظاميين، المؤقتين، ومن هم خارج المنظومة الرسمية.
وفي السياسة، يعني غياب وسيط اجتماعي قادر على امتصاص التوترات وخلق توافقات.
بمعنى آخر، المجتمع لا يتحرر بغياب النقابة، بل يفقد أحد أدوات التوازن الأساسية فيه.
ما تحتاجه تونس اليوم ليس نقابة بصيغتها الحالية، بل نقابة جديدة.
نقابة تقوم على الشفافية، لا على الغموض.
على الكفاءة، لا على الولاءات.
على الإنتاجية، لا على منطق الامتيازات.
نقابة قادرة على تمثيل الجميع، لا فقط من هم داخل القطاع المنظم.
وقادرة على التفاوض بجدية، لا على التعطيل دون أفق.
هذا التحول لا يمكن أن يكون تجميليًا.
هو مسار إعادة بناء كامل، يبدأ بالاعتراف، ويمر بالمحاسبة، وينتهي بإعادة تعريف الدور.
الحقيقة القاسية أن الاتحاد لم يُهزم من الخارج، بل استُنزف من داخله.
وغرة ماي 2026، بدل أن تكون لحظة احتفال، تحوّلت إلى مرآة تعكس هذا الواقع:
نقابة غائبة، وعمال بلا تمثيل فعلي، ودولة تتحرك دون شريك اجتماعي.
في بلد يمرّ بمرحلة دقيقة، هذه ليست مجرد مفارقة.
بل إشارة إنذار.
ترجمة للمقال الأصلي:
1er Mai en Tunisie : l’UGTT, grand absent d’une fête qu’elle a cessé de mériter




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 328442