مع تفاقم العزلة الداخلية والخارجية للرئيس التونسي...ماهي دلالات أول تكليف لسيدة عربية بتشكيل الحكومة؟



أيمن عبيد،
كاتب وناشط سياسي تونسي


ان الانغماس في جزئية ما، دون اعادة تركيبها في كليّة المشهد وتنزيلها في سياقات تفسّرها، يحجب الفهم ويضيع المعنى، بل ان الحدث المعزول او المعلومة المجتزأة، قد يتحوّل الى مجرّد أكذوبة دقيقة. وهذا في الحقيقة من أبجديات التحليل السياسي، وتزداد قيمة الانتباه اليه، في مثل هذه اللحظات المفصلية كالتي تعيشها تونس، والتي يكثر فيها رذاذ الأحداث، فتنحصر الرؤية وتكاد تضيع البوصلة، ثم يسوء تقدير الموقف وتضحل التقييمات، ولا يعصم من كل ذلك الا طول المتابعة واجتناب الاختزال، مع التبصر في استقراء الخطوط الناظمة.

وعلى هذا النحو وجب التعامل مع حدث تكليف السيدة نجلاء بودن بتشكيل الحكومة، بموجب الأمر الرئاسي 131 المنشور في الرائد الرسمي، والذي جاء مصحوبا بإنهاء مهام مستشارين أولين اثنين لدى رئاسة الجمهورية في الأمرين عدد 133 و134، بما يغذي المقولة المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، عن تباينات غير هيّنة في وجهات النظر بين فسيفساء الداعمين لقيس سعيد، واختلافهم حول الشخصية المنشودة لهذا المنصب او حول خيارات أخرى. كما أن ظهور ساكن قرطاج للإعلان أخيرا عن هذه الخطوة التي تكاد تكون في سمتها العام، قد تحولت مع الوقت إلى مطلب مشترك، يحظى بإجماع مختلف الفاعلين الوطنيين والخارجيين، قد جاء بعد غيابه عن الأنظار ل9 أيام بكاملها، وهي أطول فترة زمنية تغيّب فيها الرئيس عن الأنظار بعد 25 يوليو/تموز، حيث تعوّد منذ ذاك الحين على الظهور بشكل شبه يومي تقريبا، وفي أحيان كثيرة، أكثر من مرة وفي أكثر من مكان في اليوم الواحد. وختاما، فقد كان هذا الحدث مرفقا بالإعلان عن اتصالين دوليين هما الأولان من نوعهما بعد 10 أيام، انقطعت اثناءها الاتصالات الدولية المعلنة لقرطاج، ولم يتخللها الا اتصال بروتوكولي يتيم، جاء لتعزية الرئيس تبون بعد يومين من وفات المرحوم بوتفليقة.

ولعلّ هذه العناصر الثلاث؛ شبهة الاختلاف الداخلي، انقطاع عن التواصل الاعلامي مع الجماهير، وبوادر قطيعة مع المجتمع الدولي، ستعيننا كمداخل لفهم الموقع الذي آل اليه قرطاج في المعادلتين الوطنية والخارجية، لعلنا نقترب أكثر من الدلالات الحقيقية لحدث تكليف أول امرأة بترأس حكومة في الوطن العربي.

بوادر العزلة الخارجية

ان تونس التي كانت الى وقت قريب، تحظى بمكانة اعتبارية وجاذبية مرموقة في المحافل الأممية، كاستثناء وحيد في اقليم تغرقه الدكتاتوريات، أخذت تدحرج تدريجيا بعد الانقلاب الدستوري في اتجاه أقدار من العزلة على الساحة الدولية، تتالت مؤشراتها كالآتي:

بعد النسق الماراطوني للوفود الديبلوماسية، التي زارت قرطاج، خلال ال50 يوما الأولى بعد 25 يوليو/تموز، ناهز عددها ال24 بين مهاتفة وزيارة، وتنوعت بين سفراء وممثلين عالي المستوى لدول ومؤسسات دولية وشركة متعددة الجنسيات، انقطعت الزيارات مرة واحدة، ولم يعلن قرطاج عن استقباله ولو لمهاتفة واحدة طيلة الفترة بين 10-29 سبتمبر/أيلول، أي منذ زيارة مبعوث الإتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، وما تلاها بعد يومين من صدور ذلك البلاغ الرئاسي، الذي ورد فيه ان تونس لا تجلس في مقعد التلميذ الذي ينتظر الأعداد.

وقد سبق ذلك بأيام قليلة صدور بيان سفراء الدول السبع بتاريخ 06 سبتمبر/أيلول، الذي أشر على انتقال الأزمة التونسية لأول مرة منذ نشوبها، من مطاف العلاقات الثنائية الى مربع العلاقات متعدّدة الأطراف، أي أن تونس كانت بصدد التحوّل من طرف في الحوار الى مادة للتحاور. وقد تأكد هذا المعنى للمرة الثانية مع الأسف، مساء الأربعاء 29 سبتمبر/أيلول بما نقلته رويترز عن الوفدين المصري والأمريكي، من دعوة لتونس بضرورة العودة للمسار الدستوري.

كما أن بوادر عزلة قرطاج الديبلوماسية، يمكن قراءتها بشكل واضح في منحى تطور السلوك الأمريكي اتجاهه. اذ أرسلت الولايات المتحدة 3 وفود عالية المستوى الى تونس منذ 25 يوليو/تموز، وبينما اقتصرت محادثات الوفد الأول من البيت الأبيض على الجلوس الى الرئيس كمخاطب وحيد في تونس، فقد وسّع الوفد الثاني (من الكونغرس) جلساته لتشمل ممثلي كتل برلمانية ومنظمات مدنية على غرار ما قام به وفد الاتحاد الأوروبي بعده بأيام، ليتحول بذلك قرطاج الى واحدا من جملة أطراف أخرى يتحاورون معها في تونس، وأما الرسالة الأكثر حدة فقد جاءت مع زيارة قائد الأفريكوم الجنرال ستيفان تونساند، الذي استثنى قرطاج بالكامل من جدول أعماله واكتفى بلقاء وفد عسكري تونسي رفيع المستوى، على نقيض نهجه في نفس الجولة التي شملت كذلك ليبيا والجزائر، حيث التقى في كل منهما برأس السلطة السياسية، وعلى خلاف زيارته السنة الفارطة الى تونس، التي أُستقبِل فيها في قرطاج.

وقد تمددت ارهاصات هاته العزلة وظلالها لتشمل هوامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كانت حصيلة اللقاءات الثنائية لوزير الخارجية التونسي محتشمة من حيث الكم والنوع، اذ لم تتجاوز في عددها ال 15 وانحصرت جلها في الدول العربية ودولة افريقية واحدة، ودولتين فقط من الإتحاد الأوروبي هما سويسرا وبلجيكيا، إضافة الى صربيا التي مازال مطلب عضويتها في الإتحاد لم يحظى بالموافقة بعد، وأما اللقاء الأهم ربما، فقد كان مع وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية. في حين أن الجارة الجزائرية مثلا، قد عقدت في نفس السياق 40 لقاء، شملت إضافة الى نفس الشخصية الأمريكية، قوى دولية وإقليمية، ودولا أوروبية محورية، لعل أبرزها؛ روسيا، الهند، فرنسا، اسبانيا، البرتغال، إيران الخ...

زد على كل ذلك النبرة الحادة التي تفشت في الصحافة العالمية اتجاه قرطاج، بداية من أمريكا وبريطانيا، وصولا الى ألمانيا وحتى فرنسا، التي كانت قبل أسابيع قليلة من أشد داعمي إجراءات 25 يوليو/تموز، ولعل تنويه موقع "جون أفريك" الخميس بإمكانية سحب تنظيم القمة الفرنكفونية من تونس، يعد أشد تلك الرسائل لهجة.

عزلة داخلية متفاقمة.

مع إعلانات 25 يوليو/تموز، لم يكن الرئيس التونسي بصدد احتكار السلط الثلاث فقط، بل انه وتحت وقع الصدمة قد نجح في احتكار محور العملية السياسية وزمام المبادرة فيها طيلة 48 يوما تقريبا، قذف خلالها ببقية الفاعلين الى المدارج، ليحولهم في أحسن الأحوال الى جمهور من المعلقين. ورغم ما شهده المربع الحقوقي من حركية منذ الأيام الأولى، لعبت فيها قطاعات القضاء والمحاماة أدوارا متقدمة، إضافة الى منظمات المجتمع المدني وطيف لا بأس به من قوى 18 أكتوبر الحزبية، الا أن الخطاب والديناميات السياسية بقيت شبه غائبة. وقد ظل الحال على هذه الشاكلة، الى حدود زيارة وفد الكونغرس الأمريكي، الذي حاول كما ذكرنا في مقال سابق، تنشيط الساحة السياسية الراكدة، من خلال جمع ممثلين عن أربع كتل برلمانية وازنة، لأول مرة بعد تعليق البرلمان.

الا أن الحدث المفصلي كان وبدون منازع بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول، حين أعلن مستشار الرئيس عن إمكانية تعليق العمل بالدستور، فقد مثل ذاك التصريح حدثا قادحا، شغّل الميكانيزمات السياسية للنخب التونسية، فتتابعت التصريحات المتقاربة وتتالت أخبار بعض اللقاءات هنا وهناك، ثم جاء دور المنظمة الأكبر والتي لازمت الصمت منذ تصريحاتها في الأيام الأولى للأزمة، فبدى وكأن الإتحاد التونسي للشغل يقتنص تلك الثغرة ليعود لممارسة دوره المُحدِّدِ على الساحة الوطنية كقاطرة ريادية، حيث انطلقت بعض من قياداته الى المنابر الإعلامية مصطحبة خطابا صارما، بتزامن تقريبا مع اطلاقه لخارطة طريق كمبادرة، وتحول مقره الى محج لعديد الأحزاب السياسية في الأيام التالية، مما شجع الكثيرين في المنتظمين الحزبي والمدني على الالتحاق التدريجي بركب المناهضة، رغم وقوفهم في البداية الى جانب قرارات قرطاج.

ورغم ما ظهر واضحا من تداعيات المساس بالدستور، الا أن الرئيس التونسي قد خير الاندفاع في اتجاه خياره من خلال الأمر الرئاسي 117 المؤرخ في 22 سبتمبر الذي لم يبق من الدستور الا على البابين الأول والثاني والأحكام التي لا تتعارض مع الأمر الرئاسي، لتنتقل الديناميات السياسية المتراكمة الى سرعتها القصوى، فشهدنا بداية تشكل لتكتلات حزبية وأخرى مدنية، وعاد مصطلح الانقلاب الدستوري الى الظهور في الفضاء العمومي بعد أن كاد يندثر، ولكنه كان هذه المرة محاطا بإجماع حزبي واسع، كما تقاربت المعاني الواردة في البيانات وحتى الصيغ والمفردات رغم غياب التنسيق الرسمي والعلني في أغلب الحالات. كما رافقت هذه النقلة النوعية في مجتمع النخبة، تحولا جماهيريا لا يقل أهمية، تمثل في ظهور شارع مناهض للرئيس، من خلال حراك "مواطنون ضد الانقلاب"، والذين نظموا لأسبوعين على التوالي وقفة احتجاجية قبالة المسرح البلدي في العاصمة، حضرها الآلاف، بما جعل سردية المشروعية ومقولة "الشعب يريد" التي يرتكز عليها قرطاج، ينزف من رصيده.

بكل اختصار، لقد انتقل قرطاج فجأة من موضع الذي كان يقصي الجميع الى موقع الذي أقصى نفسه، فخسر زمام المبادرة ووجد نفسه متأخرا بخطوات، عن ساحة سياسية أخذت تلملم شتاتها وتغالب ما خلفته صراعات التموقع والتجاذب الأيديولوجي من إنهاك وكدمات، فكان لابد من حل لقرطاج حتى يتجاوز هذه العزلة المتفاقمة في الداخل والخارج.


الخلاصات

أولا: لا شك أن قرطاج قد قطع خطوة كبيرة في اتجاه تكريس سلطته المطلقة غير الخاضعة لأي هياكل دستورية تعديلية، وقد يكون بحاجة الى جرعة طمأنة تخمد ما ترتب عن ذلك من ردود أفعال ومبادرات معارضة، في انتظار تثبيته لأركان هاته الخطوة، وقبل الانطلاق في خطوات جديدة.

ثانيا: اذا ما اعتبرنا أن الدستور أحد أهم كوامن الإجماع الأخلاقي المنحوت بين حنايا الضمير الجمعي للتونسيين، في بلد كان الدستور فكرة مركزية في تأسيس تاريخه الحديث، دائما ما نجح في توحيد جبهته الداخلية حولها، فان الموقف من قضية المرأة يعتبر في المقابل مساحة توتر تاريخي، بين المحافظين والتقدميين من ناحية، وحتى صلب التيار الإسلامي نفسه الذي مثلت فيه مجلة الأحوال الشخصية محل خلاف بين الشيخ المؤسس راشد الغنوشي والأب الروحي للحركة الإسلامية الشيخ محمد صالح النيفر رحمه الله، ولذلك فإثارة مسألة المرأة كتكتيك سياسي يهدف لمحاولة حشر الإسلاميين في الزاوية، شهد سوابق عدة، لعل آخرها ما جنح اليه المرحوم الباجي قايد السبسي، من طرح تقنين المساواة في الميراث بين الجنسين. ولكن حركة النهضة بفضل ثرائها الفكري ومرونتها السياسية دائما ما نجحت في مجارات مثل هذه التحديات.

ثالثا: قد يكون قرطاج في حاجة الى إعادة تأجيج الاستقطاب الثنائي بينه وبين حركة النهضة، والذي مثل رافعة مناسبة، على المستويين الشعبي والسياسي لإعلانات 25 يوليو/ تموز، ولكنه خفت بعدها كثيرا، نتيجة نهج التهدئة والتراجع او ما سماه بعض المراقبين بسياسة التماوت التي اعتمدتها حركة النهضة من ناحية، وسلوك قرطاج المستفرد بالقرار والمعرض عن كل صيغ التشارك والحوار مع كل النخب على حد سواء من جهة أخرى.

رابعا: ان تكليف أول امرأة في العالم العربي برئاسة حكومة، لا يمثل رسالة غزل للتيار النسوي ذو الانتشار الواسع في الأوساط النخبوية والذي انخرطت العديد من جمعياته وشخصياته في مناهضة الرئيس خلال الفترة الفارطة فحسب، بل هو يضع أيضا القوى السياسية اليسارية والتقدمية، التي بدأت التشكل في جبهة معارضة فاعلة من المنتظر أن تتسع أكثر، في حرج أمام قواعدها وهياكلها، سيجبرها على تبني دعم ولو جزئي لخطوته هاته، بما يضفي مسحة من الشرعية على تمشيه بعد الأمر 117، والذي سبق لها وان أكدت على اعتباره خارجا عن الدستور.

خامسا: تفرق العلوم السياسية جيدا بين المكاسب الصلبة المتعلقة بالمنجز والمصلحة الاستراتيجية والمقومات الثابتة، والأخرى الهشة المرتبطة بالتسويق والاستهلاك الإعلامي، ومن الأكيد أن النمط السياسي لساكن قرطاج يغلب عليه الاستغراق في النوع الثاني من المكاسب، اذ يحرص على تعهد المزاج العام بجرعات تمدد كل مرة في أنفاس مرتكزه الشعبي، الا أن هذا لن يصمد أمام الجدار الصلب للتحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية، التي ازدادت سوء بعد 25 يوليو/تموز، الا اذا كانت له خطط وأدوات خارقة، لم تظهر بوادرها بعد.

سادسا: ان ما قد ينطلي على قطاعات من الرأي العام من هذه الفرقعة التسويقية، او ما قد يزج بأجزاء منه في معارك جانبية تشوش على أولويات المرحلة، لن يمثل بحال بضاعة قابلة للترويج في المجتمع الدولي، وقد ظهر ذلك جليا في مطالبة المستشارة الألمانية بالعودة الى الديموقراطية البرلمانية، وفي نداء مستشار الأمن القومي الأمريكي بضرورة العودة الى المسار الدستوري في البلاد. وقد جاء كلاهما بعد الإعلان عن تكليف السيدة نجلاء بودن.

ختاما: ان وضع قرطاج لامرأة في واجهة المشهد، ولو بصلاحيات شبه غائبة، قد يشبع مسعى الرئيس التونسي الواضح لإدراك الوحدانية التاريخية أو الدخول للتاريخ، ولكن من يدخل للتاريخ من أبواب سهلة، علمنا التاريخ نفسه أنه يخرج منه بسرعة وسهولة أكبر. ولئن كان من الممكن أن تحدث هذه الخطوة اختراقا في المشهد السياسي التونسي، يفتح فرصا أمام قرطاج ويكسر عزلته الداخلية، الا أنه في الحقيقة اختراق في اتجاه تشققات هي في الأصل موجودة، وأما حسن التسرب من خلالها، فضلا عن الاستناد اليها في إعادة ترتيب المعادلة التونسية، يستدعي الغوص في بحر السياسة والخضوع بالتالي الى نواميسها واعتماد أدواتها. وذاك ما حرص الرئيس الى حد الآن على رفضه القطعي، من منطلق التمايز عن كل من سبقه او عاصره، بما جعله يقفز على كل قواعد السياسة والمتعارف عليه فيها فيتجاهله. اما ان قرر النكوص عن نهجه ذاك بعد أن تبين له في الشهرين الأخيرين ضرورة الدخول الى بحر السياسة وهو الذي لم يعرفه الا وقد بلغ من العمر عتيا، فليدخله، وان كان يجيد السباحة فيه فليسبح.

Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 233405

Fenac  (Tunisia)  |Vendredi 01 Octobre 2021 à 23h 14m |           
اه انسيت حاج راهو لاقناع القارء موش بالضرورة الاطالةرهوا الي كتبتوا مستخبل الواحد أوسع بالوا اقرأ
ا ش اكتبت تعبت روحك خسارة

Fenac  (Tunisia)  |Vendredi 01 Octobre 2021 à 23h 12m |           
سي ايمن عبيد ننصح
المرة الحاي قلل ودلل