بن زايد ماكرون.. وانحدار المخطط

Photo credits  kremlin.ru


أبو مــــــازن

عيدكم مبروك



عنونت منذ يومين مجلة ماريان الواسعة الانتشار في فرنسا مقالا يروي العلاقات المتميزة بين الرئيس الفرنسي ماكرون و ولي عهد أبو ظبي وامكانية تهاويها مؤخرا. لقد كتب سيباستيان بوسوا وهو استاذ العلوم السياسية وباحث في العلاقات الأورو-عربية المقال المشار اليه حيث أطلق على محمد بن زايد لقب الرجل القوي في الخليج العربي.

فاجأت الأنباء الأخيرة بشأن ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان المتهم في فرنسا بالتواطؤ في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في إطار الحرب في اليمن، الكثيرين من الذين لاحظوا حتى الحين العلاقات الجيدة بين أبوظبي وباريس في السنوات الأخيرة. فإذا نظرنا إلى العمق الاستراتيجي لهذه الشراكة بين فرنسا من الرئيس ماكرون وبن زايد فإن هذه الحلقة الأخيرة ليست سوى تفاصيل آنية لتحالف ثنائي إماراتي فرنسي يتجاوز بكثير مصالح جيو-استراتيجية مشتركة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يمكن أن تكون هذه الاتهامات شوكة خطيرة بعد أن أصبحت فرنسا الرئيس للجنة"P5 +1" التي تهدف إلى مراقبة برنامج إيران النووي ولذلك عرضت على الإمارات العربية المتحدة حرية المناورة اللازمة في جميع أنحاء المنطقة. فسارعت أبو ظبي بتطبيق الرؤية المعاكسة للثورة التي يحلم بها العالم العربي.

فوسط انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حاولت فرنسا، بأحلامها الأبدية بالعظمة، إيجاد طريقها الخاص من خلال تطوير سياسة خارجية وأمنية شرقية مستقلة رغم حالة الانقسام التي يعانيها الاتحاد الأوروبي حول القضايا الداخلية وافتقاره إلى الإبداع والمبادرة في بروكسل حول كيفية التعامل مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتفكك بسرعة بعيدا عن "أبواب أوروبا". لقد فشل إيمانويل ماكرون أيضًا في القيام بذلك بعد أن قدم جهودا كبيرة لإشراك لندن أو برلين وإيجاد أرضية مشتركة للتعامل مع التداعيات الرهيبة لما بعد الثورة في العالم العربي. حينئذ اختار الرئيس ماكرون إقامة علاقات مع رجل قوي كمحمد بن زايد لإعادة تشكيل منطقة نفوذه التقليدية في شمال إفريقيا وفقًا لآراء استعمارية جديدة نسبيًا. وذلك من أجل إعادة "التوابع" إلى عصر ما قبل الثورة من "الاستقرار الاستبدادي" الغالي على الإمارات قبل الربيع العربي.

داخليا يطارد ماكرون التحول إلى يمين الناخبين الفرنسيين مما أوعز اليه الى قيادة حملة "صليبية" ضد الإسلام والإسلاموية تحت راية العلمانية وفرض على المسلمين الفرنسيين نسخة غير مسيسة من الإسلام الذي يخضع للسلطة المدنية للدولة. ففي خطاب ألقاه في مولوز في فيفري 2020 ، أعلن الرئيس الفرنسي في خضم أزمة الصحة العالمية بوضوح: "يجب ألا نقبل أبدًا أن قوانين الدين يمكن أن تكون أعلى من قوانين الجمهورية".

كان لهذه القصة صدى جيدا مع قصة بن زايد التي جعل حلمها للغباء العربي دعم الرجال الأقوياء مثل السيسي في مصر وحفتر في ليبيا أو في الآونة الأخيرة الأسد في سوريا بتعلة إصلاح الشرق الأوسط بعد الربيع العربي. لقد قدم بن زايد حلاً بسيطًا للرئيس ماكرون: إنشاء نظام استبدادي يمكنه الحفاظ على السلام من خلال السيطرة على المجتمع المدني واستبدال الميول الإسلامية بتكريس النظام المدني للبلاد يفصل بين المسجد والدولة كما يقول فهو اذن حسب رأيه معركة ضد "الإرهاب" و "التطرف" وهو أكثر علمانية من فرنسا.

ففي فرنسا الرئيس ماكرون تناغمت هذه الرؤية المضادة للثورة الاستعدادات الأيديولوجية الحالية تجاه شمال إفريقيا لليبراليين "غير الليبراليين" وحركت الطموحات الاستعمارية من جديد في تونس والجزائر والمغرب ومناطق أخرى من البلاد. لقد وفرت الرواية الإماراتية للاستقرار الاستبدادي سيناريو جيد لمشروع تطلعات القوة الفرنسية في شمال إفريقيا وخارجها في إفريقيا. تحت غطاء "الحرب ضد الإرهاب" هكذا توسع فرنسا نطاقها الاستراتيجي وتبرم اتفاقيات تجارية وتتيح لنفسها الوصول إلى الموارد وطرق التجارة المهمة في المنطقة.

لكن تصادما استراتيجيا بين الخطتين أو لنقل الغايتين قد وقع، ففي ليبيا أصبحت فرنسا معرضة بشكل متزايد للخطر. على عكس شركاء الاتحاد الأوروبي كايطاليا وألمانيا. لقد أفادت الأنباء أن فرنسا انتهكت حظر الأسلحة المفروض على دول شمال أفريقيا وتغض الطرف عن شركاءها الإمارات العربية المتحدة ومصر في رئيس قدم الدعم المادي والعملياتي الكبير لأمير الحرب حفتر وشبكة المليشيات التابعة له. فعلى الرغم من الطموحات الأوروبية والأمريكية، وإن كانت خجولة، للتوصل إلى حل دبلوماسي بشأن ليبيا رفضت فرنسا بنشاط المقترحات المختلفة من خلال اتخاذ نهج "القوة الصلبة" ضد حكومة تدعمها الأمم المتحدة - وكذلك من قبل روسيا، الشريك الأكثر أهمية للإمارات في مشروعها المضاد للثورة في المنطقة.

كما ان تدخل اردوغان مكن الإليزيه أن يمنح مصداقية لبوتين وبن زايد في الغرب، في بناء تحالف من الشركاء في أوروبا، الذين أضحى لديهم عدو مشترك. انّ أخطر طموحات الثلاثية إيمانويل ماكرون، بوتين و بن زايد في حرب الكلمات مع أنقرة تبنى الرئيس الفرنسي نقاط الحوار الإماراتية حيث اختار الانحياز إلى جانب روسيا والإمارات العربية المتحدة ضد عضو آخر في الناتو. كل هذا يمكن للأسف أن يحقق مكاسب قصيرة المدى لاستقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ونتيجة لذلك كشف دبلوماسي ألماني في الآونة الأخيرة ، في هذا الجهد الحربي الذي بذلته فرنسا لتجاوز الشركاء والحلفاء الغربيين ، أنه فيما يتعلق بقضايا ليبيا لم تعد باريس تشارك المعلومات مع برلين أو مع روما. في الوقت الذي تكون فيه جبهة أوروبية موحدة أكثر من ضرورية للتعامل مع العواقب المحتملة بعيدة المدى للاستبداد العسكري المتسلط في المنطقة. يبدو اذن أن فرنسا الآن تقف إلى جانب أولئك الذين يعارضون القيم التي تقوم عليها السياسات الأوروبية والأمريكية الليبرالية وسيادة القانون والتعددية السياسية.

في هذا المنعطف الحاسم من انخراط أوروبا الصغير في المنطقة يبدو أن باريس تضحي بصانع سياسة رصين وعقلاني من أجل شعبوية القوى الإقليمية التي تشن حروبًا بالوكالة لا نهاية لها على الأرض. كل هذا يمكن للأسف أن يحقق مكاسب قصيرة المدى لاستقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 208239

Aziz75  (France)  |Dimanche 02 Août 2020 à 20h 07m |           
فرنسا منذ القدم كانت و لا زالت ضد الديمقراطية في المنطقة العربية. همها الوحيد إستغلال خيرات المنطقة دون مقابل. لما أزيح الدكتاتور بن علي، أسرعت باريس بالقول أنها مستعدة لإرسال قوة من رجال الشرطة إلى تونس. فرنسا تختار دائما و أبدا الحصان الخاسر. حسب بحث قام به ثلة من الصحفيين الألمان من ذوي الإختصاص، 400 مليار من الأورو تنهبه باريس من إفريقيا سنويا دون مقابل. لهاذا السبب فرنسا تحمي الدكتاتوريين في العالم.