مسرحية "خبابل" لظافر غريسة: بحث عن المنشود في عالم غير موجود



قدم المسرحي التونسي ظافر غريسة عمله الجديد "خبابل"، مساء أمس بقاعة التياترو بالعاصمة، وهو عمل أنتج بدعم من منظمتيْ "أنا يقظ" و"المادة 19"، وأدى أدواره الممثلان مهران حمدي وأميرة بليدي، إلى جانب ظافر غريسة.

.
.

وتدور أحداث المسرحية حول ثلاثة أشخاص ينتظرون أدوارهم في مكتب للبريد من أجل سحب رواتبهم التي تأخر صرفها، وفي الأثناء ينشب بينهم صراع واختلاف حول قضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن.

تنطلق مسرحية "خبابل" بضوء "الفلاش" الموجه نحو الجمهور، وكأن المخرج أراد منذ البداية أن يغمض أعين المتفرجين عن الحقيقة المغيّبة وأن يبقيها بعيدا عن الأنظار. ثم يضاء الركح وتتجلى قاعة الانتظار في مكتب للبريد، وعلى المقاعد خيوط متشابكة، تبدو في معناها ورمزيتها وفية لمضمون عنوان المسرحية "خبابل".
.
..


ومنذ بداية العرض المسرحي، يكسر المخرج ظافر غريسة "الجدار الرابع" أو "الجدار الوهمي" الفاصل بين الركح والجمهور، فجعل الممثل ينطلق في اللعبة المسرحية انطلاقا من مقاعد الجمهور، وهي تقنية اعتمدها المسرحي الألماني "برتولت برشت"، وتهدف إلى تشريك الجمهور في اللعبة المسرحية. هذه اللعبة التي أتقنها ببراعة كبيرة على الركح ظافر غريسة وأميرة بليدي وخاصة الشاب المتميز مهران حمدي الذي أبدى إتقانا كبيرا للتحكم في حركات جسده وقدرة لافتة على تلوّن صوته.

ومن الخصائص الفنية المميزة للمسرحية، هي المراوحة بين مسرح العبث من ناحية ومسرح القسوة وكذلك السخرية السوداء من ناحية أخرى. والعبث في المسرح هو تقنية لصمويل بيكيت (في انتظار غودو)، وهو إحدى التقنيات المسرحية التي ارتكزت عليها بعض الأعمال السابقة لظافر غريسة، وقد وظف المخرج العبث في المسرح لإبراز مظاهر الفوضى في البلاد وكذلك مظاهر اغتراب الفرد في وطنه.
أما تقنية القسوة فهي للدلالة على حجم العنف المستشري في البلاد، وأما عن تقنية السخرية السوداء بماهي مفارقة بين المؤمل والحاصل، فهي للتعبير عن عمق المأساة والمعاناة وحالة التمزق التي تعيشها الذات الإنسانية.

لقد ابتكر ظافر غريسة عالما ركحيا غرائبيا وعجائبيا، وظفه بإحكام في إبراز مظاهر الفوضى والعبث الذي تعيشه البلاد. وخلق من هذه الفوضى صراعا بين الشخصيات في الوقت الذي تنتظر فيه سحب أجورها.

ويتطرق المخرج والدراماتورجي، غريسة، من خلال هذا العمل إلى المعاناة اليومية للمواطن بين ماهو اجتماعي واقتصادي وسياسي، مستحضرا بطل سيرفنتس دون كيشوت الذي كان يصارع طواحين الهواء ويعيش صراعا بين المثالية والواقعية، دون أن يغفل عن تناول المواضيع الحقوقية التي يشتغل عليها كحقوق المرأة ومناهضة التعذيب وحق المواطن في النفاذ للمعلومة.

ويبدو ظافر غريسة متأثرا بفلسفة الألماني "فريديريك نيتشه" وقولته الشهيرة "لنا الوهم كي لا تقتلنا الحقيقة". وهذه المقولة تجسدت من خلال هذا العمل في المزج بين عالمين هما الواقعي الحقيقي والموازي الخيالي الذي يهرع إليه الإنسان من هول قسوة الواقع.


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 237227