الفخفاخ والنهضة.. قراءة في الأسباب العميقة للأزمة



بقلم حامد الماطري


منذ خروج الشّورى بقرار "إسقاط" حكومة الفخفاخ، يعيش التّونسيّون مشاعر متضاربة من الإحباط والقلق والتّرقّب.

هم يدركون –ربّما أكثر من حكّامهم- خطورة الموقف، وكون البلاد لا تستحمل المزيد من المناورات والتّجاذبات وإضاعة الوقت. مع كلّ يوم يمرّ، تزداد صعوبة المهمّة وترتفع تكلفة الإصلاح. وقرار مجلس شورى حركة النّهضة يرسلنا جميعاً نحو المجهول.
من يعرف دقّة المسألة يدرك أنّ البلاد قد لن تقوى على الصّمود إلى انتخابات مقبلة، أن الانفجار قد لا ينتظر الصّيف المقبل، خصوصاً وأنّه من غير الثّابت أنّ النتائج التي ستفضي إليها الانتخابات المقبلة ستكون أفضل أو أكثر تماسكاً من التي سبقتها.

ما يزعج أكثر من كلّ شيء هو التّبريرات التي قدّمتها الحركة لتبرير قرارها، والتي –علاوة على وهنها- جاءت بكمّ من المغالطات "العجيبة"، يردّدها قيادات النهضة بلا حياء أو تحفّظ:

- لبنى الجريبي غير مستقلّة / في حين أنّها استقالت من التكتّل منذ بداية 2015 وعملت منذ ذلك التاريخ في جمعية سوليدار التي تعاملت مع مختلف الكتل البرلمانية في المجلس في العهدة الماضية (ومنها كتلة النهضة).

من ينكرون "استقلاليّة" لبنى الجريبي مثل النائب عبد اللطيف العلوي أو نور الدين البحيري، كان قد سبق لهم أن صوّتوا لتوزيرها في حكومة الحبيب الجملي بصفة "مستقلّة"، ولم يروا في الأمر عجباً آنذاك.

- يردّد أنّ الفخفاخ قد منح لحزبه التّكتل "وزارات عديدة" (يقال أنّهم خمسة)، بما لا يتماشى ووزن الحزب الغائب عن المجلس منذ سنين.. بغضّ النظر عن لبنى الجريبي التي سبق وأن وضّحت أمرها، أتحدّى أيّ شخص أن يأتي بأيّ إسم من بين القائمة الحكومية سبق له أن انخرط في حزب التكتل، من قريب أو بعيد... لا شكّ في أن حركة النهضة تعلم ذلك... وكون قياداتها يواصلون ترديد هذا الكلام، فهو ليس بالخطأً غير المقصود.

- من بين "مستقلّي" الحكومة، نجد كلّاً من: عظوم (الشؤون الدينية) والكشو (الشؤون الاجتماعية) ومرزوق (الطاقة) والخريجي (الفلاحة)، هم مستقلّون عمليّاً لكنهم أقرب إلى النهضة من أي حزب آخر... ولو استثنينا كذلك وزارات السيادة الأربعة فلن يبقى من "مستقلّي رئيس الحكومة" إلا ستّة أسماء فقط، سعى من خلالهم إلى الدفع بعناصر نسائية (ثقافة، مرأة، كتابة دولة للخارجية) لأنّ الأحزاب لم تقدّم أي مرشّحين نسائيين!

- أن يقول نور الدين البحيري أنّ حكومة الفخفاخ تحتوي على "مطبّعين" مع الكيان الصّهيوني، فهو أمر مخجل. الحقيقة هي أن الوزير الذي كان محلّ جدال في هذا الموضوع ليس إلا أحمد قعلول، مرشّح النهضة لحقيبة الشباب والرياضة، والذي سمح لوفد إسرائيلي بالمشاركة في بطولة العالم للتايكواندو التي نظّمت في تونس في 2018!

حتّى مسألة تشريك قلب تونس، وأطروحات الدّفاع ضدّ "الإقصاء"، تناقضها تصريحات قيادات قلب تونس أنفسهم إذ يؤكّدون على رفضهم الدخول في الحكومة وعزمهم البقاء في المعارضة...

لماذا تصرّ قيادات النهضة إذاً على ترديد تعلّات مغلوطة تماماً في مسألة مصيريّة كانسحابها من الحكومة؟

أعلم أن الأمور تشوّشت على التّونسيّين وأنّهم كفروا بالسّياسة وأهلها، جميعهم وعن بكرة أبيهم، ولكن حقيقة الأمر ليست بذلك التّعقيد، ولا تتعدّى كونها نتيجة طبيعيّة لصراع محتدم داخل قيادة النّهضة، جعل مصلحة البلاد تتراجع أمام حسابات التموقع وصراع النّفوذ داخل الحركة.
الصّراع داخل الحركة بدأ يخرج إلى العلن منذ الصّيف الفارط، ومع تدخّل "الشّيخ" في قائمات التّرشّح للإنتخابات التشريعية، وقراره النّزول بنفسه إلى معترك الانتخابات، وكمّ اللّغط الذي رافق هذا التّمشّي. بينما اعتُبر ذهاب الغنوشي إلى البرلمان مناورة منه للاحتفاظ بقرار الحركة لسنوات إضافيّة، عبر نقل مركزه من مونبليزير إلى باردو.

اختيار الحبيب الجملي، وهو الإسم المجهول من قبل أغلب أعضاء الشورى، ومن ثمّ التّسميات التي اقترحت للوزارة، وصولاً للقائمة النهائية التي عرضت على الرّئيس، أظهرت حجم الصّراعات الدّاخليّة في الحركة، وما يمكن أن تكون عليه انعكاساتها من ضعف واهتزاز على القرار الخارجي للحركة.
وكما كان صعودها، كان سقوط حكومة الجملي أيضاً نتيجةً مباشرة لمعركة داخليّة في الحركة، الشّيء الذي جعل الذّهاب إلى حكومة الرّئيس مخاطرةً أعيد عبرها توزيع الأوراق في الدّاخل النّهضوي، وشهدنا عودة الإبن الضّال (زيتون) وعودة الشّيخ كصاحب القرار الأعلى في الحركة.
من دون الدّخول في تفاصيل دقيقة، التّقلّبات التي حدثت في النهضة في الأيّام الأخيرة، والتي جعلت قيادات الصفّ الأوّل تدلي بالتّصريح ونقيضه في مساحة أيّام، وأحياناً ساعات معدودة، تعكس حجم الصّراع الدّاخلي، وتشتّت القرار، بل و"خروج الأمر عن السّيطرة" إلى حدّ ما.

ما أشبه حال اليوم بحال تونس في 2015-2016، مع انفجار النّداء وخروج صراعاته إلى العلن، وارتهان مختلف الحكومات (الحبيب الصّيد 1 و2، الشاهد 1 و2) إلى معركة خلافة الباجي، وحرب الشّقوق، وضياع مركزيّة وعقلانيّة القرار في الحزب الحاكم، وإن كانت النّهضة نجحت في إبقاء الصّراع داخليّاً وبعيداً عن الأعين الخارجيّة.
ولم تبق "العروة الوثقى" صامدةً إلّا باختلاق العداوات هنا وهناك، والاستثمار في الخوف من الاستئصال. فبعد اليساريين، صار اليوم التّيّار عدوّاً، وأصبح قيس سعيّد خطراً محدقاً، والتقت التّصريحات النّاريّة لبعض الخصوم في تحالف موضوعي مع من يدعو إلى تأجيل تقييم سياسات الحركة، والتّوحّد في مواجهة "الخطر الخارجي".
قرار الشّورى بإسقاط حكومة الفخفاخ –وعلاوة على كونه قراراً غير مسؤول -وطنيّاً- هو قرار أجزم أنّه غير محسوب -حزبيّاً- إذ أنّه سيرسل البلاد مباشرة إلى أزمة دستوريّة، وحالة من الجمود السياسي ستدوم على الأقلّ ستّة أشهر... فترة ليست بقصيرة، لا تملك الدّولة فيها حتى الموارد التي تسمح بتغطية نفقاتها من جرايات ومصاريف أوّليّة. من سيقرض بلداً لا تملك حتى حكومة؟
لا شك في أن الفخفاخ ارتكب عدداً من الأخطاء، ولكن هل هذا يبرر الذهاب بالبلاد إلى الأزمة؟

كيف سيكون شكل الانتخابات إذا نظّمت في زمن تعجز فيه الدّولة عن صرف جرايات موظّفيها؟ ألن تتحمّل النّهضة مسؤوليّة هذا الإخفاق؟ ألا يقدّر أعضاء الشّورى أنّ الأمر سينقلب عليهم؟
وحتّى على الصّعيد الحزبي الصّرف، أتساءل كيف ستكون الانتخابات الدّاخليّة للنهضة لترشيح قوائمها الانتخابية؟ وماذا ستكون رسائلهم ووعودهم لناخبيهم؟ القطع مع الفاسدين؟ ضمان استقرار الدّولة؟ صادقون أوفياء إن شاء الله؟ أو اقناعهم بأن الأغبياء فقط لا يتغيّرون؟
نحن اليوم أمام مخاض عسير، أشكّ أن الشارع قادر على تحمّل آلامه.. وأخشى ما أخشاه أن ينتهي هذا المخاض بموت الأم والطفل على النفاس. أقول لقيادة النّهضة أنتم الطبيب والقابلة، تونس ومصيرها أمانة في رقبتكم، وستحاسبون في النهاية على مواقفكم، وسيكون الحساب مستحقّاً.
لا يفرحني أن أرى حجم السّخط الشّعبي الذي أصبح يتسلّط على النّهضة. لقد صنعت النهضة لنفسها حالة من العزلة في الأسابيع الأخيرة حطّمت ما حقّقته على امتداد سنين من اختراقات كلّفتها تنازلات كبرى.

قرابة الثلاثة ملايين تونسي صوّتوا ضدّ الفساد، ومنهم جموع "شعب النّهضة"، ولكنّ قيادات الحركة "المطبّعين مع الفساد" كما أسماهم محمد بن سالم، يأبون إلّا أن يتحدّوا هذا التّمشّي وهاته الرّسائل الواضحة، وبتعلّات لا يصدّقها إلا صغار العقول.

هم يدفعون الشارع التونسي (لا أتكلّم عن المؤدلجين، بل عن الغالبيّة الصّامتة) نحو التّطرّف، نحو اعتبار النّهضة عبئاً يكبّل الدّولة ويجثم على صدرها. يمنعها من الإصلاح، ومن الحلم، وصار اليوم يمنعها حتّى من التّنفّس.

الغضب الذي أصبح يحمله الشّارع التونسي تجاه النهضة لا يبشّر بخير، ويذكّرني كثيراً بما عاشته حركة الإخوان في مصر قبيل انقلاب جويلية 2013. والأخطر هو أنّهم بصدد القيام بأخطاء شبيهة إذ غرّتهم سطوتهم الجديدة، وازداد نهمهم نحو السّلطة، واطمأنّوا إلى تحالفاتهم مع المنظومة الفاسدة، فأمعنوا في "إذلال" الخطّ الثوري المناهض لهم..

سيقتسمون الكعكة معكم إلى حين... ولكنّهم سينقضّون عليكم مع أوّل رجّة تسقطكم، وسيحمّلونكم كلّ الحساب ومسؤوليّة كلّ الإخفاقات.
أقول لهم: ستنالون ما ستستحقونه، ستحصدون بقدر ما ستزرعون. هي أرض طيبة قادرة على اخراج الخير بلا حساب، أما إذا أخذتكم العزّة بالإثم، وهو ما تفعلونه اليوم، فقرّرتم حرق زرعكم بأيديكم جهلاً ورعونة، فهذا حقكم.. هنيئاً لكم آنذاك بالرماد ستملؤون به بطونكم لسنوات قادمة، ولن يعذر الجاهل وقتها لجهله أو لقصر نظره.

Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 198157

BenMoussa  (Tunisia)  |Lundi 17 Février 2020 à 11h 59m |           
لماذا لم تنشر السيرة الذاتية ليعيش والكشو وصالح بن يوسف
الانهم فعلا من التكتل

Ra7ala  (Saudi Arabia)  |Lundi 17 Février 2020 à 11h 58m |           
عند قراءة عنوان المقال استبشرت خيرا أنني سأقرأ تحليلا منطقيا لما جرى بعيدا عن الإنحياز لهذا الحزب أو ذاك لكن عندما استرسلت في قراءة المضمون وجدت أن كاتب هذا المقال يعاني من فوبيا النهضة وهاله أن تكون المبادرة والكلمة الفصل للنهضة هذه المرة ولم يزعجه اسقاط حكومة الجملي المفترض أنها لبت شروط الأحزاب التي يقال عنها ثورية وذنبها الوحيد أن النهضة اقترحت رئيسها،
الضرر الذي سيلحق بالبلاد حال منح الثقة لحكومة الفخفاخ أكبر من الضرر المتوقع في حال إعادة الإنتخابات من جديد، لأن الفخفاخ نسخة معدلة من الشاهد والمعارضة التي حددها بنفسه كفيلة بتعطيل عمل حكومته مستقبلا فالأفضل إعادة الأمانة للناخبين على الإنتظار لسقوط هذه الحكومة في المستقبل القريب،
أما فكرة سحب الثقة من الشاهد فلن تكون الحل لأننا سنعود لنفس وضعية حكومة الحملي.

BenMoussa  (Tunisia)  |Lundi 17 Février 2020 à 11h 33m |           
اذا عرف السبب بطل العجب
حامد الماطري من المقربين من سامية عبو وربما هي من املت عليه المقال فغاب فكر المهندس وحكمته وحضرت الشعبوية