الشباب التونسي يخوض معركة التكنولوجيا والدولة لازلت تخوض معارك الايديولوجيا معه



كريم السليتي (*)


لا شك أن عملية استحواذ عملاق التكنولوجيا البيولوجيةBioNTeck على شركة instadeep التونسية المختصة في الذكاء الاصطناعي بمبلغ يناهز 1300 مليار من مليماتنا قد أصاب الكثيرين بالصدمة ، خاصةً أولائك الذين لازالوا يعيشون في أجواء السبعينات والثمانينات سواء داخل أروقة الوزارات أو في مؤسساتنا الإعلامية أو في الأحزاب السياسية.

نعم إنها من المفارقات العجيبة، مؤسسة ناشئة بعقول شبابية تونسية عمرها سبع سنوات بدأت برأسمال لا يتجاوز الخمسة آلاف دينار بيعت بما يناهز ثلثي المبلغ الذي تسعى الدولة التونسية بكامل أجهزتها وموظفيها للحصول عليه من البنك الدولي منذ أكثر من سنة ولم تحصل عليه بعد.

هذا دليل على أن العقل الإداري والسياسي الذي يُخطط ويُسير تونس خارج الزمان وغير مدرك للتحولات العميقة في العالم، فهو يُهمل مصادر ثروة تونس الحقيقية المتمثلة في الشباب وفي الذكاء.

نجاحات الشباب التونسي "غير المؤدلج" متواصلة .....بعد أيام من بيع شركة Instadeep منصة الألعاب الإلكترونية GBarena تستحوذ على الشركة الناشئة التونسية المختصة في العاب الفيديو Galactech مقابل 15 مليون دولار، في صفقة تبادل أسهم
وشركة revamp للذكاء الاصطناعي تستعد لإطلاق منصتها Zinki الرائدة عالميًا في قراءة المخطوطات التاريخية . وكثيرة هي النجاحات في هذا المجال.

لكن للأسف أغلب هذه الشركات التكنولوجية الناشئة غادرت تونس ، وبالتالي ستستفيد الدول المضيفة كبريطانيا وألمانيا وتركيا وفرنسا ودول الخليج العربي من عائدات الضرائب على هذه الشركات وستنتفع من نقل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لها.

تخيلوا مثلًا حجم مبالغ الضرائب التي ستستفيد منه بريطانيا بشكل مجاني من شركة مثل انستاديب ومثيلاتها، وتخيلوا حجم فاقد العائد على تونس بسبب عدم كفاءتها في الحفاظ على شبابها المبدع.

كل التونسيين يتساءلون هل كان كريم بڤير صاحب شركة انستاديب ليحقق ذلك النجاح لو بقي في تونس؟! الاجابة حتمًا لا رغم أنه انطلق من بلادنا أولًا.

حاولت البحث عن أسباب مغادرة الكثير من هذه الشركات لتونس، رغم ترسانة القوانين التي تشجع نظريًا على انشاء مثل هذه الشركات، فوجدت ثلاثة أسباب رئيسية:
أولا: تعقيدات المعاملات البنكية وشبح الاتهام بغسيل الاموال لأن هذه الشركات لها عائدات كبيرة وتحتاج مرونة كبيرة في التحويلات المالية.

ثانيًا: التعقيدات البيروقراطية والركاكة الادارية وعدم فهم المسؤولين الإداريين لاحتياجات هذه الشركات. فنحن نتحدث عن ادارة عمومية لازلت ورقية وأغلب موظفيها من اختصاصات أدبية فكيف سيواكبون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وChatGPT وغيره

ثالثًا: جودة الحياة في تونس المنخفضة جدا مقارنة مع ما تتيحه الدول الأخرى من بيئة حياة مرفهة وحرة للأفراد.

وربما يكون السبب الثالث هو السبب الحاسم الذي لا يقال عادة والذي جعل رواد الأعمال من الشباب المبدع التونسي يغادر تونس.
للأسف لازالت بلادنا تخوض معارك الايديولوجيا القديمة جدًا مع شباب الألفية ، ومازالت عقلية الشك والاتهام موجهة لكل شاب يحقق النجاح أو يحقق ايرادات ومداخيل كبيرة بالعملة الصعبة. ويتواصل التضييق ماليًا وإداريًا وأمنيًا على الشباب المبدع والبحث عن التهم والتجريم وفي بعض الأحيان اثارة المعارك الايديولوجية.

بيئة العمل في شركات التكنولوجيا تحتاج إلى تركيز كبير جدا وإلى انعدام المشاكل الخارجية، ولا يمكن أن تصل إلى هذا التركيز وانت تفكر في تحويلاتك البنكية هل ستصلك أم سيقع حجزها، وهل ستحصل على جواز سفرك في الوقت المناسب لتتمكن من السفر لابرام صفقات وهل سيؤثر مظهرك على ذلك أم لا؟ كل هذه الأسئلة تجاوزتها البلدان الأخرى لكنها لازالت في تونس تكبل الشباب المبدع ولا تترك له من فرصة الا المغادرة والنجاح في بلدان أخرى.

لذلك إذا أردنا فعلًا ان نهيئ بيئة اقتصادية لتشجيع الشباب المبدع على البقاء في بلده فلنلتزم بتفعيل الاجراءات التالية:
1- التخلي تماما عن عقلية الشماتة والتشفي والتعطيل
2- الابتعاد عن الهوس الأمني والشك في كل معاملة مالية والاتهام والتجريم
3- كل شخص هو حر في مظهره وفي معتقده ومدى إلتزامه ويستحق الاحترام والتعاون.
4- تسهيل المعاملات المالية الدولية وإلغاء الرسوم البنكية التي تثقل كاهل الباعثين وتستنزف مواردهم.
5- تيسير اجراءات السفر وعقد الصفقات في الداخل والخارج
6- تغيير لغة تدريس المواد العلمية والهندسية من الفرنسية القديمة إلى الانجليزية والعربية للانفتاح على الاسواق التكنولوجية العالمية والخليجية ومسايرة العالم.
7- أتمتته المعاملات الادارية وخاصة استخراج الوثائق باستعمال التطبيقات على الهواتف الجوالة
8- إلغاء بعض الاجراءات الادارية التي تجاوزها الزمن مثل التعريف بالإمضاء والنسخ المطابقة للأصل والمضمون وغيرها
9- مزيد تدريس التكنولوجيا والبرمجة للتلاميذ في الاعدادي والثانوي والرفع من ضواربها عوضًا عن اضاعة وقتهم المحدود في تعلم قواعد وأزمنة اللغة الفرنسية المعقدة والتي لن يستعملوها أبدا في حياتهم العملية
10- ادراج مادة تتعلق ببعث الشركات الناشئة لجميع الاختصاصات الجامعية.

* كاتب وباحث في السياسات الحكومية



Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 260105

BenMoussa  (Tunisia)  |Mardi 17 Janvier 2023 à 18h 14m |           
الاجراءات المقترحة مهمة وواقعية ولكنها مستحيلة
لانها تتعارض مع مصالح الادارة العميقة
المهيمنة على مفاصل الدولة على كل المستويات والمناطق والجهات

Ra7ala  (Saudi Arabia)  |Mardi 17 Janvier 2023 à 12h 04m |           
وضعت يدك على الجرح،
قبل سنة حاولت أن أنشأ شركة ناشئة لمدة 9 شهور تقريباً دون أن أنجح بسبب التعقيدات الإدارية إلى أن ألغيت المشروع تماما

Edges  (France)  |Mardi 17 Janvier 2023 à 11h 14m |           
Allah Almosta3an