الأديب عندما يسقط في شراك المدوّن..



نصرالدّين السويلمي

سقط الأديب عبد اللطيف العلوي في شراك المدوّن ياسين العياري وانسحب إلى ميدانه الذي يحترف القتال فيه، وقع العلوي في الفخّ لأنّه لا يفرّق بين أن تحسن استعمال لغة الميدان وأن تكون من الميدان وتربته ونفحاته. تراجع العلوي من ميدان السّياسة الأدبيّة إلى ميدان الأدب ومنه إلى ميدان التدوين في مجالاته الصادمة القاسية، تلك مجالات يمكن للأديب ابن الشعب أن يفهمها لكنّه لن ينتصر فيها على أصحابها، فالتدوين العنيف الوقح المتنصّل من جميع أوراق التوت له ناسه الذين يتقنونه إلى حدّ التخمة وله المتطفّلون عليه الذين ليس لهم في سوقيّة اللفظ غير تلك الثقافة العامّة العابرة.


نقول الأديب! لأنّ العلوي وبعد أن هجم عليه الوحي السّياسي وحرق به مراحل التدرّج وحملته لغته الأدبيّة وحسّه الدقيق وتقاسيم وجهه المتجانسة مع أتيكيت السّاسة التي شرّق بها المجتمع طوال ستة عقود من التجريع والتنميط والاختزال.. فالعلوي هو ذاك السياسي أفسحت له السّاحة السّياسيّة بقوّة وشراهة وقبلته وهضمته بسرعة نحسب أنّها لم تتسن لغيره من قبل، بعد ذلك ولما استقام واستوى على "جودها" استفزّه ياسين فألقى البدلة السّياسيّة والبدلة الأدبيّة ونزل إلى غدير التدوين الفجّ وإن كان أنقذ ما يمكن إنقاذه بلكنته الأدبيّة وغلّف ما أمكن بحسّه الشعري الرّاقي، لكنه وفي الأخير رد في مواضع لا تحتاج الى الرد.

ثمّ نقول المدوّن! لأنّ ياسين فشل في العبور من عالم التدوين إلى عالم السّياسة، لا نتحدّث عن السّياسة الرحوانيّة ولا العبرانيّة ولا التبينيّة، نتحدّث عن السّياسة في شروطها المقبولة، فشل بشكل يبعث على الحيرة، فالرجل محراث السّاحة، يعمل ولا يكلّ، ويحسن يواجه ولا يخشى التكاليف ولا التصاريف، لكنّه مشدود بشكل هستيري إلى لغة التدوين، يردّ كمدوّن جارح يستعمل السوقي لقهر خصومه، غرق العياري في عالم التدوين الفجّ ونسي أنّه لا ينازع السّاسة في هذا الفضاء وإنّما ينازع النشطاء الذين إذا جنّ شيطانهم لن يرحموا حتى من ناصروهم وانحازوا لهم، حتى من أعجبوا بهم طويلا وبشدّة. يمضي رئيس هذا الحزب أو ذاك إلى التوغّل في مجاهل الدولة والسلطة وتقليب دفاتر السّياسة المجهولة، ويقبع ياسين في دهاليز النّت يساجل المدوّنين!

كان يمكن أن نلتمس العذر لعبد اللطيف العلوي حين ردّ على تدوينة كريهة مؤذية طفحت سوقيّتها، كان يمكن أن نناصر ردّه الذي يذود به عن عرضه، لكن ولمّا تحوّل بسرعة من سياسي يسبح في عالم السواد السّياسي إلى رقم بارز يقع مباشرة تحت الأضواء الكاشفة، وانتقل من حالة ائتلافيّة كراميّة إلى حالة وطنيّة بفضل لسانه الثري وحبكته وخطابه المشدود بعناية إلى اللغة والفكرة، لما كان ذلك كذلك أصبح لا مناص من لومه على الانخراط في سجال تدويني هو بالتأكيد دون المركز المرموق الذي رفعته إليه السّاحة السّياسيّة.
لم يتعرّض العلوي إلى ما تعرّض له العريض، رغم ذلك انتهى من تكلف بترويج الأشرطة الجنسيّة المفبركة إلى النسيان وعبر العريض إلى وزارة الداخليّة ومنها إلى القصبة، ومازالت أسهمه في صعود ومازال الأحرار يتداولون فصول نضاله وصبره، لم ينزل إلى مستوى خطاب خصومه وإنّما صعد إلى مستوى تطلّعات أبناء حركته.

مرّة أخرى على العلوي أن يحترم السّاحة التي رفعته بسرعة قياسيّة أسرع من أيّ سياسي آخر، عليه أن يشذب لغته التدوينيّة ويبتعد عن الفصل الخطير بينها وبين لغته السّياسيّة، عليه أن يستحضر أنّه تحت المجهر هنا وهناك وفي الأماكن العامّة وربّما بعض الخاصّة.. فالخصوم يستميتون في ملاحقة الخاص.

Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 198452

Essoltan  (France)  |Dimanche 23 Février 2020 à 19h 57m |           
Voilà des vrais patriotes qui sont payés pour s’entre tuer ...

Abid_Tounsi  (United States)  |Samedi 22 Février 2020 à 11h 22m |           
@Ahmed01

من أين استمددت هذه القيمة "المدنية" الراقية؟؟
يعني كي تكون "مدنيا" لا بد أن تنزع عنك الوازع الديني و التقاليد و العرف و حتى نواميس الطبيعة...

Ahmed01  (France)  |Vendredi 21 Février 2020 à 21h 03m |           
في الإبداع ، ما يُسمّى "بذاءة " و فحش أو سوقية " هو جنس أدبيّ ، غير معنيّ بأي حكم معياريّ
إنما الإدانة هنا ـ للخصميْن كليهما ـ تخص الفضاء الفردي والميولات الشخصيّة ، والأحكام الأخلاقية هنا ـ من قبيل إدانة المثليّة ـ لا معنى لها ، في إطار الدولة المدنيّة

Mandhouj  (France)  |Vendredi 21 Février 2020 à 20h 11m |           
الإنسان لما يخرج من مزرعته ، لا يجد نفسه . و كلامي في العموم ، لم أقرأ أي تغريدة أو رد لهذا أو ذاك .
#حالة_مزرعتي